الطريق إلى حيفا

الطريق إلى حيفا

لا أحد يعرف كيف يخرج الفلسطينيون من قيودهم كل مرة (علي حسن/الأناضول/Getty)

خرجوا. أخيرًا خرجوا ولا أحد يمكنه أن يعرف كيف يخرج الفلسطينيون كل مرة من قيودهم. كيف يغادرون وجوههم إلى الأقنعة، أو إلى الأكفان، كيف ينسحبون ــ فجأة ــ من أغلالهم، ويدافعون عن مدنهم وقراهم، في لحظةٍ يبدو فيها الدفاع مستحيلًا.  نحن الذين نشاهد المشهد مِن بعيد لا نستطيع التمييز مَن الذي يدافع عن الآخر. بئر السبع أم الملثم بكوفية الماضي، الضفة أم  حجر البقاء، كل هؤلاء أم تاريخهم في أرضهم. لا نعرف من الذي يخرج في صورة الآخر، الفلسطينيون في صورة تاريخهم، أم تاريخهم الذي يحملونه على أكتافهم ويواجهون به. خرجوا لتلقي رصاص العالم.

لا أحد يمكنه أن يعرف كيف يخرج الفلسطينيون كل مرة من قيودهم.

خرجوا. لاعب كرة القدم. الموهوب سرًا والميت علانيةً. تلميذ المدرسة بشبابيكها القديمة التي تطل على تلال مدينة السلام. فتح النافذة وقفز إلى الجنة. سائق الحافلة الشجاع. عامل النظافة. طالب كلية الحقوق في القدس. خرجن، قبلهم أيضًا، من الجامعة ومن حدائق المدينة، من رحَمِها الطويل. في أيديهن الناعمة أحجار صلبة، من ركام بيوت المنازل التي أكلتها جرافات الاحتلال. تلك الجرافات التي يظن الأولاد عادةً أنها ألعابٌ عملاقة وفي فلسطين يعرف الأطفال أنها وحوش أتت لتقضم بيوتهم وتمضغها. لا شيء يوقف الجرافة إلا الطعن. والفلسطينيون يطعنون الجرافات. المستوطن جرافة بشرية.

تفتح الجرافات أفواهها، تبدأ المجزرة. الأبواب أول الضحايا. تموت قبل بقية المنزل، تدافع عنه، يبقى موصدًا لتبقى الذكريات نائمة داخل المنزل. تطفو على سطح الركام صور العائلة، معلقة في براويز، وملابس القاطنين، وبينها مراييل المدارس وفساتين لحفلات وأعراس تستمر رغم الخريف. تسقط أوراق الشجر في الناصرة اعتراضًا، وترنو الشمس إلى القدس برفق. الفلسطينيون خرجوا. ترتفع الصلبان في بيت لحم. ترتفع، والغيوم تمشي فوق فلسطين وترتل: هليلويا، هليلويا.

ونحن لا يجب أن نفعل ما يفعله الغرباء في الصحراء. لقد نشأنا على القضية الفلسطينية. أذكر حديث السياسي اللبناني في التليفزيون، أذكره جيدًا. أشعر أنه يكذب، ولكني أرغب بتصديقه. شيء ما بداخلي يدفعني إلى تصديقه، خاصةً عندما يعقب: المقاتل الفلسطيني جزء من تراثنا، من هويتنا. لقد نشأنا على القضية الفلسطينية، وقمنا بالزجَِ بها في حروبنا، رغم ذلك، شيء ما يدفعني إلى التصديق. أنظر إلى جدران المنزل، وأتخيله نائمًا فوقي. ماذا أفعل إن طحنوا سريري، والوسادة التي صنعتها جدتي. ماذا أفعل بحطام المنزل، وبصورة أخي المعتقل، أو بوجه أمي التي إن وقفت على الحاجز، قتلوها ألف مرة. ماذا أفعل لو كنت فلسطينيًا، ولم يبق من منزلي سوى سكين المطبخ، وكوفية تحاول الحداثة أن تمسخها وتحولها إلى ريشٍ، وأنا لست هنديًا أحمر. سأطعن الجرافة أيضًا. سأخرج، مع الذين خرجوا، ومع اللواتي خرجن.

ماذا أفعل لو كنت فلسطينيًا، ولم يبق من منزلي سوى سكين المطبخ

نشأت في جنوب لبنان. نشأت على أدبيات لست بوارد التخلي عنها: أفيفيم مستعمرة. كريات شمونة مستعمرة. زرعيت مستعمرة. مسكف عام مستعمرة. الإسرائيلي محتل. الجنود قتلة. العملاء خونة.

هذه ليست أيديولوجيا. هذه طفولتي التي حاربتها الطائرات المعادية، وقصفت الأحلام في رأسي باكرًا. عندما عرفت معنى الكيبوتسات، لم ترقني التسمية. ما زلت أفضّل الاسم الأصلي والحقيقي لهذه الأقفاص التي تحبس الحقيقة: مستعمرات. ولم أعد أيديولوجيًا، ولا أريد تحرير فلسطين من جونيه. لكني نشأت في جنوب لبنان، وما زلت أعرف جيدًا، أن الطريق إلى حيفا، يمر من بنت جبيل، لا من سورية، ولا من أي مكانٍ آخر.

اقرأ/ي أيضًا:

نهاية "سائق" شجاع
إن شئتم أن تسمّوها انتفاضة