ultracheck
  1. سياسة
  2. سياق متصل

الطاقة والسيادة: لماذا أثارت صفقة "ريشيو - فاروس" قلق المصريين؟

29 يونيو 2026
 فاروس إنرجي
استحوذت شركة ريشيو بتروليوم على حصة في أصول شركة فاروس إنرجي العاملة في مصر (منصة إكس)
عماد عنان عماد عنان

في الرابع والعشرين من حزيران/يونيو الجاري، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن موافقة شركة "ريشيو بتروليوم" الإسرائيلية على الاستحواذ على شركة "فاروس إنرجي" البريطانية العاملة في مصر، ضمن صفقة نقدية بالكامل تُقدّر قيمتها بنحو 124.3 مليون جنيه إسترليني، أي ما يعادل قرابة 164 مليون دولار.

وبحسب ما نقلته الصحف العبرية، فإن هذه الصفقة من شأنها أن تتيح للشركة الإسرائيلية الوصول إلى أصول لإنتاج النفط في كل من مصر وفيتنام، في حين أشارت الشركة إلى نيتها دراسة إمكانية بيع حصة من أصول "فاروس إنرجي" في مصر إلى طرف ثالث لم يُكشف عن هويته، إلى جانب العمل على دمج محافظ الأصول التابعة للشركتين.

ورغم أن الصفقة لم تُحسم بصورة نهائية بعد، فإن الإعلان عنها بهذه الصيغة أثار موجة واسعة من الجدل داخل الشارع المصري، وأعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة متجددة بشأن ملف بيع الأصول والشركات العاملة في قطاعات استراتيجية، خاصة حين يتعلق الأمر باحتمال انتقال ملكية أو إدارة بعض الأصول إلى جهات ذات ارتباط إسرائيلي، ولو بصورة غير مباشرة.

كما فتح الخبر الباب مجددًا أمام نقاش سياسي واقتصادي حساس حول حدود الانفتاح الاستثماري، وضوابط حماية الأمن الاقتصادي، ومدى قدرة الدولة على ضمان ألا تتحول صفقات الاستحواذ العابرة للحدود إلى مدخل للتغلغل في قطاعات حيوية، أو إلى مسار يثير القلق بشأن إدارة الثروات والموارد الوطنية.

رغم أن الصفقة لم تُحسم بصورة نهائية بعد، فإن الإعلان عنها بهذه الصيغة أثار موجة واسعة من الجدل داخل الشارع المصري، وأعاد إلى الواجهة مخاوف قديمة متجددة بشأن ملف بيع الأصول والشركات العاملة في قطاعات استراتيجية

كيف تمت الصفقة؟

"فاروس إنرجي" هي شركة بريطانية تعمل في مجال التنقيب عن النفط والغاز، واستكشاف الموارد البترولية وحفر الآبار، ولديها امتيازات داخل مصر في مناطق نفطية مهمة، من بينها الفيوم وشمال بني سويف والصحراء الغربية، إلى جانب امتيازات أخرى خارجية، أبرزها في فيتنام.

وخلال الفترة الأخيرة، واجهت الشركة ضغوطًا مالية واضحة دفعتها إلى إعادة تقييم محافظها الاستثمارية، ومراجعة جدوى استمرارها في بعض الأسواق، مع التركيز على تنمية الأصول القائمة بالفعل ومحاولة تحسين مركزها المالي، وقد ساهم استرداد جزء من مستحقاتها المتأخرة لدى الحكومة المصرية، الناتجة عن أنشطتها في التنقيب والحفر، في تخفيف حدة الأزمة نسبيًا، لكنه لم يكن كافيًا لتغيير اتجاه الشركة نحو إعادة ترتيب أولوياتها.

وفي هذا السياق، بدأت "فاروس إنرجي" دراسة خيارات التخارج من السوق المصري، وفتحت الباب أمام عروض للاستحواذ على حصتها في المشروعات العاملة داخل مصر، مستفيدة من حساسية قطاع الطاقة وأهميته الاستراتيجية، خاصة في ظل التوترات الإقليمية الأخيرة وما فرضته من ضغوط إضافية على أسواق النفط والغاز.

وجاء العرض المقدم من شركة "ريشيو بتروليوم" الإسرائيلية ليضع الصفقة في دائرة الجدل السياسي والاقتصادي، بالنظر إلى طبيعة الشركة المستحوذة وحساسية الأصول محل الصفقة، فالشركة المستحوذة تعمل في قطاع الطاقة والاستكشاف والإنتاج، وتأسست عام 2011 عقب اكتشاف حقل "ليفياثان"، بهدف توسيع أنشطتها في مجال استكشاف النفط والغاز خارج السوق الإسرائيلي.

ماذا عن استثمارات فاروس في مصر؟

تتركز استثمارات شركة "فاروس إنرجي" البريطانية في مصر داخل منطقتي امتياز رئيسيتين، تُعدان من بين المناطق المهمة في أنشطة التنقيب عن النفط والغاز، لا سيما في نطاق الصحراء الغربية وحوض بني سويف البترولي.

يأتي الامتياز الأول في منطقة الفيوم، التي تُعد أحد الأصول الواعدة في قطاع النفط المصري، إذ تضم 11 حقلًا نفطيًا قيد الإنتاج، وتتمتع بموقع لوجستي مهم لقربها من البنية التحتية النفطية في الصحراء الغربية. وتمتلك "فاروس إنرجي" حصة تبلغ 45% من هذا الامتياز، بالشراكة مع شركة (IPR Lake Qarun) التي تستحوذ على الحصة المتبقية البالغة 55%.

أما الامتياز الثاني فيقع في منطقة شمال بني سويف، وهي منطقة تمتد داخل حوض بني سويف البترولي، وتُصنّف ضمن المناطق ذات الأهمية في خريطة الاستكشاف والإنتاج النفطي في مصر، وتمتلك الشركة البريطانية فيه حصة تقدر بنحو 45%، بما يجعل وجودها في هذا القطاع مرتبطًا بأصول ذات حساسية اقتصادية واستراتيجية.

القلق من التغلغل الإسرائيلي

وفقًا للمعطيات السابقة، فإن الصفقة المحتملة تكتسب أبعادًا تتجاوز الحسابات التجارية المباشرة؛ إذ لا تتعلق فقط بانتقال ملكية شركة أجنبية إلى أخرى، بل باحتمال انتقال نفوذ داخل امتيازات نفطية قائمة في مناطق إنتاج واستكشاف ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية، وهو ما يفسر حالة القلق والجدل التي رافقت الصفقة داخل الأوساط السياسية والاقتصادية في مصر.

ويعود مبعث القلق الأكبر إلى الطموح الإسرائيلي المعلن في التحول إلى لاعب رئيسي في سوق الطاقة بالشرق الأوسط، وهو طموح يتقاطع، وربما يتنافس، مع الدور الذي تسعى مصر إلى ترسيخه كمركز إقليمي للطاقة، ومن ثم، فإن أي حضور إسرائيلي غير مباشر داخل أصول نفطية مصرية لا يُقرأ فقط من زاوية الاستثمار، بل من زاوية التوازنات الإقليمية وحسابات النفوذ في قطاع بالغ الحساسية.

وتتزايد هذه المخاوف في ظل خشية مصرية من إمكانية توظيف تل أبيب لاستثمارات الطاقة كورقة ضغط سياسية في لحظات التوتر، كما حدث خلال حرب غزة، حين برزت مؤشرات على توتر في ملف الغاز بين الجانبين على خلفية الخلافات المرتبطة بالحدود وسيناء ورفض القاهرة الصريح لمخططات تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة.

ومن هنا، فإن القلق يتصاعد كلما اقتربت شركة إسرائيلية من امتلاك أو إدارة أصول مرتبطة بقطاع النفط داخل مصر، ليس فقط بسبب طبيعة الصفقة، بل لأن الطاقة تُعد أحد أهم القطاعات السيادية المرتبطة بالأمن الاقتصادي والقرار الوطني.

فالمسألة، في جوهرها، لا تتوقف عند حدود الربح والخسارة، وإنما تمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بمدى حماية الدولة لأصولها الاستراتيجية، ومنع تحولها إلى أدوات نفوذ أو ضغط في يد أطراف إقليمية ذات مصالح متشابكة مع المصالح المصرية.

الخصخصة.. إعادة نظر في الملف الحساس

أعادت هذه الواقعة ملف الخصخصة وبرنامج التخارج الحكومي من السوق إلى دائرة الضوء مجددًا، خاصة في ظل اندفاع الحكومة خلال الأعوام الماضية نحو بيع حصص وأصول في قطاعات استراتيجية وحيوية، شملت الطاقة والموانئ والزراعة والأدوية، لصالح مستثمرين وشركات أجنبية، لسد العجز والوفاء بالالتزامات المالية الحكومية الناجمة في المقام الأول عن التوسع في سياسة الاقتراض الخارجي.

ومع تسارع وتيرة البيع في قطاعات ذات طبيعة لوجستية واقتصادية حساسة، تصاعدت المخاوف من احتمال انتقال بعض هذه الأصول، في مرحلة لاحقة، إلى كيانات لا تتفق مصالحها بالضرورة مع المصالح المصرية، سواء عبر إعادة البيع أو الاستحواذ غير المباشر أو تغير هيكل الملكية، وهنا لا يصبح الخطر مرتبطًا فقط بالمشتري الأول، سواء كان مصريًا أو عربيًا أو أجنبيًا، بل بمن يمكن أن تؤول إليه هذه الأصول مستقبلًا.

وتزداد حساسية هذا الملف حين يتعلق الأمر بقطاعات تمثل شرايين أساسية للاقتصاد الوطني، إذ إن السيطرة على الموانئ أو الطاقة أو الدواء أو سلاسل الإمداد لا تعني فقط امتلاك أصول تجارية، بل قد تتحول إلى أدوات نفوذ وضغط تمس الأمن القومي والمصالح الاقتصادية المصرية.

ومن هنا، تصاعدت الدعوات إلى إعادة النظر في طريقة إدارة ملف بيع أصول الدولة، وضرورة وضع ضمانات قانونية وسيادية صارمة تمنع انتقال الملكية أو الإدارة إلى أطراف معادية أو منافسة للمصالح المصرية، على راسها الكيان الإسرائيلي، مع إخضاع الصفقات الكبرى لرقابة دقيقة وشفافة تراعي اعتبارات الأمن القومي قبل الحسابات المالية قصيرة الأجل.

على كل حال، لا تزال الصفقة المحتملة بين الشركة الإسرائيلية ونظيرتها البريطانية مشروطة بموافقة المساهمين، إلى جانب الحصول على موافقات الجهات التنظيمية المختصة في كل من فيتنام ومصر، فيما يُتوقع إتمامها خلال النصف الأول من عام 2027، وهذا يعني أن الملف لم يُغلق بعد، وأن هناك متسعًا من الوقت لإعادة النظر في أبعاد الصفقة وتقييم تداعياتها، ليس فقط من زاوية الجدوى الاقتصادية، بل من منظور أوسع يتصل بحساسية الأصول محل الاستحواذ، وضمانات حماية الأمن الاقتصادي والمصالح الوطنية.

فالخطر الحقيقي لا يكمن في الاستثمار الأجنبي من حيث المبدأ، بل في غياب الضوابط التي تحول دون تحول الأصول الاستراتيجية إلى نقاط اختراق داخل الاقتصاد الوطني، ومن دون هذه الضمانات، قد يجد المصريون أنفسهم أمام واقع بالغ الخطورة، تكون فيه بعض شرايين الاقتصاد قد خرجت من نطاق السيطرة الوطنية، أو أصبحت قابلة للتوظيف في لحظات الضغط السياسي والإقليمي.

كلمات مفتاحية
الزاوية

هجمات مسيّرة تهدد قلب النفط في الزاوية.. واغتيال بنغازي يعمّق الانقسام

تتسارع وتيرة الانفلات الأمني في ليبيا على وقع استهدافات متكررة لمنشآت الطاقة واغتيالات تطال قيادات عسكرية

هرمز

أزمة تراوح مكانها.. تصعيد أميركي وشروط إيرانية تعرقل التسوية

تراوح الأزمة الإقليمية الناجمة عن المواجهة الأميركية الإيرانية مكانها. ففي وقت تؤكد فيه واشنطن سيطرتها الكاملة على هرمز، تتمسك طهران بإبقائه مغلقًا ما لم تُلبَّ شروطها

عاطف نجيب

بسبب جرائمهم في درعا.. أحكام بالإعدام بحق بشار وماهر الأسد وعاطف نجيب

تكتسب الأحكام أهمية خاصة باعتبارها من أولى القضايا القضائية التي تطال رأس النظام السابق وعددًا من أبرز رموزه في محكمة سورية بعد سقوط نظام بشار الأسد

الإسماعلية
مجتمع

خرجوا بحثًا عن الرزق فعادوا جثامين.. حادث الدواويس يفتح ملف عمالة الأطفال في مصر

من بين أكثر مشاهد الحادث قسوةً وإيلامًا، أن الموت لم يطرق باب أسرة واحدة مرةً أو مرتين، بل اقتحمها دفعةً واحدة

ميتا
تكنولوجيا

1.4 تريليون دولار على المحك.. ميتا تواجه أخطر معاركها القضائية

تكتسب القضية أهمية خاصة بسبب حجم التداعيات المحتملة؛ إذ قالت "ميتا" في ملفات قضائية إن الأضرار التي قد تواجهها يمكن أن تصل إلى 1.4 تريليون دولار

السوبر الأوروبي
رياضة

باريس سان جيرمان وأستون فيلا.. صراع أوروبي على أول ألقاب الموسم

تحولت المباراة إلى حدث يحمل أبعادًا تتجاوز المستطيل الأخضر، بعدما اختار اليويفا الحكم الصومالي عمر آرتان لإدارتها

الصومال
مجتمع

أزمة جوع في الصومال.. أموال الإغاثة تتبخر والأطفال يدفعون الثمن

تعيد الظروف الحالية إلى الأذهان أزمة الجفاف التي دفعت الصومال عام 2022 إلى حافة المجاعة