الضريبة على الثروة في المغرب.. إصلاح مؤجل للعدالة الجبائية
26 نوفمبر 2025
اختارت الحكومة المغربية مرة أخرى غض الطرف عن مقترحات فرض ضريبة على الثروة في مشروع قانون المالية لسنة 2026، رغم وحدة فرق المعارضة على إدراج هذا الإجراء ضمن التعديلات المقدمة في مجلس النواب.
وأعادت هذه الخطوة، بعد إحالة مشروع قانون المالية على مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان)، السؤال حول العدالة الجبائية في المغرب، وعجز السياسات العمومية عن الاقتراب من مصادر الدخل العليا، في سياق يزداد فيه الشعور بعدم الإنصاف واتساع الفوارق.
وواصلت الحكومة، التي يترأسها عزيز أخنوش، رجل الأعمال المعروف، التعويل على الضرائب غير المباشرة وعلى إصلاحات إجرائية محدودة في مشروع قانون موازنة السنة المقبلة، الذي صادق عليه مجلس النواب بالأغلبية.
واصلت الحكومة، التي يترأسها عزيز أخنوش، رجل الأعمال المعروف، التعويل على الضرائب غير المباشرة وعلى إصلاحات إجرائية محدودة
رؤية للعدالة الجبائية
اعتبرت النائبة بمجلس النواب عن فدرالية اليسار الديمقراطي (معارضة)، فاطمة التامني، أن المغرب يحتاج اليوم "إلى هندسة جبائية جديدة تنقل العبء الضريبي من الفئات الضعيفة والمتوسطة نحو الفئات الأكثر قدرة".
وأضافت التامني في تصريح لـ"الترا صوت" أن "الاستمرار في نفس الخيارات لن يؤدي سوى إلى إعادة إنتاج نفس الاختلالات التي تنخر المالية العمومية".
ولفتت النائبة البرلمانية إلى أن التعديلات المقترحة حول الضريبة على الثروة لم تكن "موقفًا عابرًا ولا مناورة سياسية، بل هي جزء من رؤية متكاملة لإرساء عدالة جبائية حقيقية وربط الثروة بالمسؤولية الاجتماعية".
نمو ضريبي مضطرد
تعرف المداخيل الضريبية نموًا مضطردًا في المغرب سنة بعد أخرى، إذ تشير تقديرات مشروع قانون المالية للسنة المقبلة إلى أن إجمالي المداخيل الضريبية سيبلغ أزيد من 376 مليار درهم، وهي جزء من المداخيل العادية للميزانية العامة التي يتوقع أن تصل إلى أزيد من 421 مليار درهم.
ويتوقع مشروع قانون المالية لسنة 2026، وهو الأخير في الولاية الحكومية الحالية، أن تتجاوز المداخيل الضريبية من الضرائب المباشرة 165 مليار درهم، من بينها الضريبة على الدخل التي تُقدّر بـ64.5 مليار درهم.
ويعكس هذا التركيب استمرار اعتماد المالية العمومية على مكونات ضريبية رئيسة قليلة؛ إذ تظل الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة الأكثر مساهمة في الخزينة، بينما تُظهر الضريبة على الدخل أن جزءًا مهمًا من العبء يتحمّله الأجراء والموظفون، في مقابل محدودية مساهمة فئات أخرى.
موقف سياسي للرفض
يعتقد رئيس مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، علي الغنبوري، أن عبء "الجزء الأكبر من الضرائب المباشرة وغير المباشرة يظل مُركزًا بشكل كبير على الأجور والمواطنين من خلال الاستهلاك والمقاولات الصغرى والمتوسطة، مما يُقوّض قدرتها على الادخار والاستثمار ويعمق الفوارق الاجتماعية".
وقال الغنبوري لـ"الترا صوت": "المستفيد الفعلي من غياب ضريبة على الثروة هو رأس المال الكبير، خاصة كبار المُلاّك العقاريين الذين يملكون أصولًا ضخمة لا تخضع لضريبة تعكس قيمتها الحقيقية، وأيضًا عائلات اقتصادية تقليدية تملك شركات كبرى وتتحكّم في قطاعات حيويّة، إضافة إلى مستثمرين يتوفرون على محافظ مالية كبيرة تُحقّق عوائد مهمة دون مساهمة ضريبية متوازنة".
ويضيف الغنبوري أنه في هذا السياق "تبرز أيضًا فئات تملك ثروات غير منتجة أو غير موثقة بشكل كاف يسمح باستهدافها بشكل عادل؛ تشمل مُلاّك الأراضي غير المستغلة وأصحاب رؤوس الأموال الجامدة التي لا تدخل في دورة الاستثمار المنتج، علاوة على فاعلين اقتصاديين يستفيدون من ثغرات في التصريح الضريبي ومن ضعف آليات التتبع".
المستفيد الفعلي من غياب ضريبة على الثروة هو رأس المال الكبير، خاصة كبار المُلاّك العقاريين الذين يملكون أصولًا ضخمة لا تخضع لضريبة تعكس قيمتها الحقيقية
ويشدد المتحدث ذاته على أن الجانب السياسي يظل الأقوى في تشكيل موقف رفض الضريبة على الثروة، رغم تحجّج الحكومة بالبعد التقني المتعلق بـ"المساس بجاذبية الاستثمار"، وهو ما يكشف "في الوقت نفسه حدود إرادة الإصلاح الجبائي حين يتعلق الأمر بمراكز الثروة الكبرى".
إحداث سجلّ وطني
تركّز أستاذة القانون العام بجامعة شعيب الدكالي بالجديدة، سارة الطاهري، على تحدٍّ أساسي في فرض الضريبة على الثروة، يتمثل أساسًا في تحديد الوعاء الضريبي بدقة، "نظرًا لغياب قاعدة بيانات موحّدة للملكيات العقارية والمنقولة، وضعف الربط المعلوماتي بين مختلف المؤسسات المالية والجبائية".
وتقترح الطاهري في تصريح لـ"الترا صوت" إحداث "سجل وطني للثروة كشرط جوهري لأي ضريبة عادلة وفعالة"، معتبرة أن هذا الإجراء "ليس مسألة تقنية بل مشروع استراتيجي لإرساء عدالة جبائية حقيقية".
وشددت الأستاذة الجامعية المتخصصة في المالية العمومية على أنه "لا يمكن التفكير في ضريبة على الثروة دون بنية معلوماتية دقيقة تجعل الوعاء الضريبي واضحًا، ومنصفًا، وقابلاً للمراقبة".






