الضربات المزدوجة: تكتيك يلاحق المسعفين بعد الاستهداف الأول في لبنان
21 مارس 2026
قال عاملون في القطاع الصحي ومسؤولون لبنانيون إن القصف الإسرائيلي استهدف بشكل متعمّد الطواقم الطبية والمرافق الصحية في جنوب لبنان، بما في ذلك استخدام ما يُعرف بـ"الضربات المزدوجة"، في ما وصفوه بمحاولة منهجية لجعل المنطقة غير قابلة للحياة.
وأفاد عدد من العاملين في المجال الطبي بأن معظم الضربات استهدفتهم أثناء وجودهم داخل سيارات الإسعاف أو في مراكز الإسعاف الأولي، وقد دُمّر عدد من هذه المراكز بالكامل في جنوب لبنان. كما نَفّذت إسرائيل ما لا يقل عن خمس ضربات مزدوجة، وهي تكتيك يتم فيه تنفيذ ضربة أولى، ثم التوقف لفترة قصيرة للسماح لوصول فرق الإسعاف، قبل استهداف الموقع مجددًا بضربة ثانية.
اتهامات بجرائم حرب ضد العاملين الصحيين
ويحظى العاملون في القطاع الصحي والمستشفيات بحماية بموجب القانون الدولي، ويُعدّ استهدافهم بشكل متعمّد جريمة حرب محتملة. وقالت منظمة "العفو الدولية" إن العاملين في المجال الطبي يُعتبرون مدنيين بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية، وإن استهدافهم يُعدّ عملًا غير قانوني.
وأجرت صحيفة "الغارديان" مقابلات مع تسعة من العاملين في المجال الطبي، من بينهم شهود عيان على ضربات إسرائيلية استهدفت ثلاث منشآت طبية مختلفة، كما زارت ثلاثة مراكز طبية مدمّرة في محافظتي النبطية وصور، وفحصت سيارتي إسعاف متضررتين. ولم يظهر في أي من هذه المواقع دليل على استخدامها لأغراض عسكرية.
رأينا ما يبدو أنه ضربات مزدوجة. ضربة، ثم انتظار وصول المسعفين، ثم ضربة ثانية. في قرية صدّيقين، كانوا يحاولون إخماد حريق فتعرّضوا للقصف مجددًا. وفي النبطية، كانوا ينقذون مدنيين عندما استُهدفوا
اتهامات إسرائيلية دون أدلة ونفي رسمي لبناني
وفي محاولة لتبرير جرائمه، اتهم الجيش الإسرائيلي "حزب الله" باستخدام سيارات الإسعاف لأغراض عسكرية الأسبوع الماضي. وكان الجيش الإسرائيلي قد وجّه الاتهام نفسه في عام 2024، من دون أن يقدّم أي أدلة تثبت هذه المزاعم.
ومن جهته، نفى وزير الصحة اللبناني راكان ناصر الدين الادعاءات الإسرائيلية بأن تكون بعض المستشفيات أو سيارات الإسعاف قد استُخدمت في أغراض عسكرية.
وأشار الوزير اللبناني إلى أن الاستهداف شمل فرق الإسعاف، حيث فقد لبنان أكثر من 40 من العاملين في القطاع الصحي، وأكثر من 96 جريحًا، فضلًا عن 16 مركزًا طبيًا تعرضت للقصف، كما تم إغلاق خمسة مستشفيات بسبب التهديد المباشر، من بينها مستشفيات في بنت جبيل وميس الجبل وفي الضاحية الجنوبية لبيروت.
استهداف الصليب الأحمر والدفاع المدني
وتشير المعطيات إلى أن الغالبية العظمى من الهجمات استهدفت "الهيئة الصحية الإسلامية"، وهي جهة صحية مرتبطة بـ"حزب الله" وتعمل بالتنسيق مع وزارة الصحة اللبنانية. كما طالت الضربات الدفاع المدني الرسمي، والخدمة الصحية التابعة لجمعية كشافة الرسالة الإسلامية (حركة أمل) حليفة حزب الله، وجمعية صحية محلية، والصليب الأحمر اللبناني.
جعل الجنوب غير قابل للحياة
وبحسب العاملين في المجال الطبي في المنطقة، فإن هذه الهجمات تهدف إلى جعل الحياة "غير صالحة للسكن" في جنوب لبنان، وينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع من الهجمات الإسرائيلية على البنية التحتية المدنية. وخلال الحرب السابقة بين "حزب الله" وإسرائيل عام 2024، قُتل نحو 230 من العاملين في القطاع الصحي في لبنان نتيجة الضربات الإسرائيلية.
قصف المسعفين أثناء عمليات الإنقاذ
وقال عبد الله نور الدين، مسؤول الاستجابة الطارئة في الهيئة الصحية الإسلامية جنوب نهر الليطاني، وهو يقف أمام عدد من سيارات الإسعاف المدمّرة: "يحاول العدو الإسرائيلي قدر الإمكان منع الحياة في منطقتنا ودفع الناس إلى النزوح. دورنا هو مساعدة الناس والوقوف إلى جانبهم وتقديم الخدمات كي يتمكنوا من البقاء في أرضهم".
وأوضح أنه عندما تتوجه فرق الإسعاف لإنقاذ الجرحى، تتعرض بدورها للقصف مرة أخرى.
وقال: "رأينا ما يبدو أنه ضربات مزدوجة. ضربة، ثم انتظار وصول المسعفين، ثم ضربة ثانية. في قرية صدّيقين، كانوا يحاولون إخماد حريق فتعرّضوا للقصف مجددًا. وفي النبطية، كانوا ينقذون مدنيين عندما استُهدفوا".
استهداف وقت الإفطار في رمضان
كما أشار عاملون في القطاع الصحي إلى أنهم لاحظوا نمطًا في استهداف المرافق الطبية وسيارات الإسعاف خلال تجمع فرق الإنقاذ وقت الإفطار في شهر رمضان.
وفي 8 من آذار/مارس، استهدفت غارة إسرائيلية مركز استجابة طارئة تابعًا للهيئة الصحية الإسلامية في بلدة زفتا جنوبًا، ما أدى إلى تدميره بالكامل، ومقتل اثنين من العاملين فيه وإصابة ثالث بشلل. وقال مدير المركز، حسين مشورب، إنه كان قد أجرى اتصالًا بالفيديو مع العاملين قبل وقت قصير من الغارة، حيث كانوا يتحدثون عن وجبة الإفطار.
وأضاف: "اتصلت بهم بالفيديو وقت الإفطار لأننا لا نستطيع الاجتماع بسبب خطر القصف. آخر مرة رأيتهم كانوا تحت الأنقاض". وأوضح أن المبنى المؤلف من طابقين انهار بالكامل، وسقط السقف الذي كانوا يجلسون تحته أثناء تناول الطعام. وكان المبنى يضم أيضًا مركزًا للشرطة البلدية.
وفي مستشفى نبيه بري الحكومي في النبطية، يوم الأربعاء، كان رجل يصرخ من شدة الألم أثناء نقله إلى غرفة العمليات، فيما كانت رائحة اللحم المحترق تملأ المكان. وكان قد أُصيب بحروق في معظم جسده بعد استهداف محطة وقود كان يقف بجانبها.
وخارج غرفة العمليات، وقف علي طفيلي (26 عامًا)، وهو خريج سينما، مرتجفًا مع كل دوي غارة جوية، بعدما قُتل شقيقه وشقيقته في قصف استهدف منزلهم قبل نحو 90 دقيقة، أثناء وجوده في منزل الجيران لإطعام المواشي.
وقال الدكتور مدير مستشفى النبطية الحكومي، حسن وزني: "الأمر أصعب هذه المرة. القصف يبدو أكثر شراسة. يصلنا عدد أقل من الجرحى الأحياء، وعدد أكبر من القتلى". وأشار إلى أن اثنين من طاقم المستشفى أُصيبا في اليوم السابق بعد سقوط شظايا زجاج نتيجة غارة استهدفت محيط المستشفى.
وأفادت وزارة الصحة اللبنانية، في آخر بيان صادر مساء أمس، بأنّ حصيلة ضحايا العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان منذ 2 من آذار/مارس الجاري بلغت 1,021 شهيدًا و2,641 جريحًا.
تقرؤون المزيد في: التراث تحت النار: مواقع أثرية إيرانية في مرمى الحرب