الضباب والنثر الجميل

الضباب والنثر الجميل

كلود مونيه/ فرنسا

سافر الرسام الفرنسي كلود مونيه إلى لندن ليرسم كنيسة "وستمنستر" وبدأ العمل في يوم ضبابي، كعادة أيام لندن الغائمة. كانت الخطوط القوطية للكنيسة لا تكاد تظهر من الضباب، وعندما عُرضت اللوحة أثارت البلبلة عند اللندنيين، وقد ذُهلوا لأن الضباب مرسوم بضوء قرمزي، بينما كان معروًفا "حتى في كتاب القراءة" -كما يقول قسطنطين باوستوفسكي- أن لون الضباب يكون رماديًا.

حدّق الناس في الضباب ولاحظوا لأول مرة أنه قرمزي كما رسمه مونيه

أثارت جرأة مونيه السخط في بداية الأمر، حتى خرج الناس إلى الشارع، وحدّقوا في الضباب ولاحظوا لأول مرة أنه قرمزي بالفعل، وبدؤوا يبحثون عن تعليل ذلك، واستقر رأيهم على أن درجة اللون الأحمر للضباب تتوقف على وفرة الدخان في الجو، فضلًا عن أن بيوت لندن التي تكتسي باللون الأحمر تمد الضباب بهذا اللون.

اقرأ/ي أيضًا: ربيع علم الدين يفوز بـ"فيمينا": خصوصية الروائي

انتصر مونيه وبدا ضباب لندن كما يراه الرسام. هذه الواقعة كتبها الروسي قسطنطين باوستوفسكي في كتابه الرائع "فنانون" لكي يتحدث عن النثر وأزمته. وهو يرى أن الناثر لا بد وأن يكون على صلة بحقول الفنون المجاورة (الشعر، والرسم، العمارة، النحت، الموسيقى) لأن هذه الفنون تغني العالم الداخلي للناثر، وتمدّ ما يكتبه بقوة تعبيرية خاصة، فتمتلئ بضوء الألوان، وطراوة الكلمات ومراوغتها وتقشفها في الشعر، وتناسق العمارة ووضوح خطوط النحت وإيقاع ونغمية الموسيقى. ويرى الناقد الروسي -الذي صدر كتابه أيام الحكم الشيوعي لروسيا- أن الكُتّاب الذين لا يحبون الشعر والرسم ذوو عقل كسول مغرور، وفي أسوأ الأحوال جهلاء.

تستطيع الآن وأنت تتصفّح الجرائد والمجلات أو تطالع المواقع الإلكترونية وعددًا كبيرًا من الروايات، أن تكتشف بنفسك كمية الغرور والجهل الذي أصاب النثر الذي يطاردك ليل نهار. معظم كُتّاب المقالات يسبحون في الماء ذاته وإن كانوا على طرفي نقيض، أناس يدافعون عن النظام بغباء شديد وأناس يهاجمون النظام فقط لأنهم يحاولون أن يقنعوا القارئ بأنهم أكثر صدقا منه. أنت أمام نثرٍ خالٍ من الموسيقي والشعر والعمارة والنحت، نثر يتكلم ولا ينظر، نثر لا يرى بوضوح، يرى بشكل مغبش وبفظاظة، نثر لم يقرأ صاحبة يحيى حقي أو حسن سليمان. نحن بحاجة إلى كتابة يتعلّم كاتبها طوال الوقت أن يرى، تعبنا من "برودة دم" الكُتّاب، وبرودة الدم هذه أمارة على موت الحساسية. الكُتّاب الساخرين عندنا "دمهم ثقيل" لأنهم يعرضون أنفسهم في "الفاترينة" على أنهم ساخرين. يوجد كاتب مرة يحزن فيظهر ذلك على ما يكتب، ومرة تظهر السخرية كاحتياج، ولكن الثبات على تردد واحد طوال الوقت علامة على نقص الخيال. الكتاب الذين لا يحبون الشعر والموسيقى والسينما ولا يعتبرونها مصدرًا للرؤية، كتاب فقراء للغاية.

معظم كُتّاب المقالات يسبحون في الماء ذاته وإن كانوا على طرفي نقيض

اقرأ/ي أيضًا: رجل حزين يحاور الكتب في فرانكفورت

في الأسابيع القليلة الماضية قرأت أكثر من 10 روايات جديدة، بعضها حصل على جوائز مالية ضخمة، لم يتبق من ذاكرتي غير رواح ومجيء ضوضائيين لأشخاص غائمين. أجاهد لكي أرى هؤلاء الأشخاص وأفشل. أنت تتجوّل في عوالم خالية من الألوان والأضواء. لم أصادف شخصًا يغير لي وجهة نظري في الضباب، ضباب القاهرة، الذي من الصعب أن تقول إنه رمادي أو قرمزي.

كان الرسام القديم يقول لتلميذه في الدرس الأول: "اعتن ببصرك. انظر إلى كل شيء، لو لمدة شهر، كأنك سترسمه بالألوان. انظر جيدًا". 

اقرأ/ي أيضًا:

أصل العالم.. رجل قتلته امرأة نصف عارية

بوب ديلان.. في مهب الصهيونية