الصين وإيران.. مشروع الربط الحديدي يرى النور
11 يونيو 2025
تسعى الصين وإيران منذ فترة إلى تقليص اعتمادهما في التبادلات التجارية على المسارات البحرية، لسببين رئيسيين: أولهما اختصار الوقت اللازم لوصول البضائع والسلع، وخفض رسوم رُسوّ السفن وتكاليف الشحن والتفريغ، وثانيهما الالتفاف على العقوبات والعراقيل الغربية، إذ إن معظم المسارات البحرية تخضع لرقابة أميركية مشددة، بخلاف الطرق البرية.
وقد نجحت بكين وطهران مؤخرًا في استكمال الربط السككي بينهما، حيث استقبل ميناء "آبرين" الجاف في إيران الأسبوع الماضي أول قطار حاويات صيني محمَّل بألواح شمسية، بعد رحلة استغرقت 15 يومًا فقط، أي نصف المدة التي يستغرقها الشحن البحري. وهو ما يُرجَّح أن يجعل هذا المسار البري عبر السكك الحديدية بديلًا محتمَلًا لممر مضيق ملقا الخاضع لرقابة أميركية صارمة.
تجدر الإشارة إلى أن هذا الربط البري بين الصين وإيران يأتي في ظل تصعيد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للعقوبات على طهران، وزيادة الرسوم الجمركية على الواردات الصينية، قبل أن يعلن مؤخرًا عن "هدنة تجارية" مع بكين ويفتح معها قناة تفاوض تهدف إلى إبرام اتفاق تجاري يعالج اختلالات الميزان التجاري الأميركي، لا سيما مع الصين والاتحاد الأوروبي.
يندرج مشروع الربط الحديدي بين إيران والصين ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية التي تمثل رؤية لربط قارات العالم اقتصاديًا
تندرج الخطوة الإيرانية–الصينية المتمثلة في الربط البري ضمن إطار "مبادرة الحزام والطريق" التي تمثل، وفقًا لوكالة رويترز، رؤية صينية بعيدة المدى لربط قارات العالم اقتصاديًا وتعزيز نفوذ بكين عبر شبكات لوجستية وتجارية واسعة.
هل تنجح إيران في الالتفاف على العقوبات؟
ينقسم المحللون بين من يراهن على هذا الربط السككي كوسيلة لتجاوز العقوبات الغربية، وبين من يُبرز التحديات التي تعترض طريق المشروع، دون التقليل من أهميته الاقتصادية.
ويمثل الرأي الأول في إيران التيار الموالي للنظام، إذ احتفت مراكز الأبحاث المقربة من السلطات، إلى جانب وسائل الإعلام الرسمية، بتفعيل خط السكك الحديدية بين الصين وإيران، وتشغيل ميناء "آبرين" الجاف، الذي يُعد أول منشأة من نوعها في البلاد.
ويقع هذا الميناء على مساحة 700 هكتار بالقرب من مطار الخميني الدولي، وتبلغ قدرته الاستيعابية نحو 30 قطارًا يوميًا، مع إمكانية مناولة ما يصل إلى 60% من واردات إيران. وتدل هذه الأرقام على الأهمية الإستراتيجية التي يوليها صانع القرار الإيراني للميناء، باعتباره ركيزة للالتفاف على العقوبات وتوسيع نطاق التجارة الخارجية في ظل التضييق الأميركي.
يُذكر أن خط السكة الحديدية الجديد يربط ميناء "آبرين" بعدة ممرات استراتيجية، منها: "ممر الصين–أوروبا"، و"ممر الشرق–الغرب"، و"ممر الشمال–الجنوب"، إضافة إلى "ممر طهران–موسكو". ويرى بعض المتفائلين أن هذا الربط قد يُحوّل إيران من دولة مطوّقة بالعقوبات إلى "مركز تجاري وجسر إستراتيجي بين آسيا وأوروبا".
وفي هذا السياق، أكدت صحيفة "كيهان" المقربة من المرشد الأعلى علي خامنئي أن المشروع سيُتيح لطهران الالتفاف على العقوبات البحرية الأميركية. وذكرت الصحيفة أن إيران "لجأت إلى هذا الممر البري كحل لوجستي فعّال لإفشال الضغوط الأميركية"، خاصة بعد إطلاق واشنطن في مارس/آذار الماضي حملة لاعتراض ناقلات النفط الإيرانية في مضيق ملقا.
وأضافت "كيهان" أن المشروع لا يقتصر على تصدير النفط، بل يُمهّد لتحوّل في النظام المالي العالمي، من خلال تعزيز التداول بالعملات الوطنية بدلاً من الدولار الأميركي، الذي يُعد أداة مركزية في منظومة العقوبات الأميركية. كما رأت أن هذا الخط يشكّل "شريانًا حيويًا يربط آسيا الوسطى بالمحيط الهندي عبر كازاخستان وتركمانستان"، ويوفر لدول مثل روسيا وبيلاروسيا وجمهوريات القوقاز منفذًا مباشرًا إلى الخليج عبر ميناء بندر عباس جنوبي إيران.
في المقابل، يسلط منتقدو المشروع الضوء على عدد من التحديات، أبرزها غياب الانتظام؛ إذ لم يُعلن حتى الآن عن جدول زمني ثابت لحركة القطارات بين الصين وإيران، ما يشير – بحسب بعض التحليلات – إلى تردد صيني ناتج عن خشية من ردّ فعل أميركي.
وفي هذا الإطار، أفادت وكالة "إيلنا" الإيرانية بأن استغلال قدرات ميناء "آبرين" لا يزال محدودًا، إذ لم يستقبل حتى الآن سوى قطارين دوليين. وعليه، فإن الرهان على المشروع كوسيلة فعالة لتجاوز العقوبات يبقى محدودًا في المدى القريب، بانتظار اتضاح التزام الشركاء، وخاصة الصين، بإدامة هذا المسار وتعزيزه.