الصين تتصدر سباق التكنولوجيا عالميًا وتتفوق بحثيًا في 90% من المجالات الحساسة
14 ديسمبر 2025
كشفت دراسة حديثة صادرة عن معهد السياسة الاستراتيجية الأسترالي (ASPI) عن تحوّل جذري في خريطة التفوق التكنولوجي العالمي، حيث باتت الصين تقود البحث العلمي في نحو 90% من التقنيات الحيوية، والتي تُعد مؤثرة بشكل مباشر في الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية للدول، متقدمة بفارق كبير على الولايات المتحدة.
ووفقًا لـ مؤشر تتبع التقنيات الحرجة الصادر عن المعهد، والذي نقلت عنه مجلة "نيتشر" العلمية، فقد شمل التقييم هذا العام 74 تقنية حالية وناشئة، مقارنة بـ64 تقنية في النسخة السابقة، لتحتل الصين المرتبة الأولى في 66 تقنية، من بينها الطاقة النووية، والبيولوجيا التركيبية، والأقمار الصناعية الصغيرة، في حين تصدرت الولايات المتحدة 8 تقنيات فقط، أبرزها الحوسبة الكمية والهندسة الجيولوجية.
انقلاب في موازين التفوق العلمي
وتعكس النتائج انقلابًا تاريخيًا في مشهد البحث العلمي العالمي، إذ تشير بيانات المؤشر إلى أنه في مطلع القرن الحالي كانت الولايات المتحدة تتصدر أكثر من 90% من هذه التقنيات، بينما لم تكن حصة الصين تتجاوز 5%. أما اليوم، فقد تبدّلت الأدوار بشكل لافت، في دلالة على تسارع غير مسبوق في وتيرة التقدم العلمي والتكنولوجي الصيني.
هناك تحوّل جذري في خريطة التفوق التكنولوجي العالمي، حيث باتت الصين تقود البحث العلمي في نحو 90% من التقنيات الحيوية
وتعلّق الباحثة إيلاريا ماتسوكو، المتخصصة في السياسات الصناعية الصينية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، بأن الصين حققت "تقدمًا مذهلًا في مجالات العلوم والتكنولوجيا"، انعكس بوضوح على حجم الإنفاق البحثي وعدد ونوعية المنشورات العلمية. ورغم أن الاتجاه العام ليس مفاجئًا، إلا أن حجم الهيمنة الصينية يُعد "لافتًا واستثنائيًا"، بحسب وصفها.
تركيز صيني على التقنيات الناشئة
من جانبه، يرى الباحث في سياسات العلوم وانغ يانبو من جامعة هونغ كونغ، أن طبيعة التقنيات التي شملها التتبع تلعب دورًا مهمًا في هذه النتائج، مشيرًا إلى أن الصين ركزت بشكل مكثف على التقنيات الجديدة والناشئة، ما منحها أفضلية بحثية فيها، مقارنة بمجالات تقليدية لا تزال دول أخرى، مثل الولايات المتحدة، تحتفظ بتقدم نسبي فيها، كصناعة أشباه الموصلات المتقدمة.
كيف تم القياس؟
اعتمد فريق ASPI في تحليله على قاعدة بيانات تضم أكثر من 9 ملايين منشور علمي عالمي، حيث جرى تقييم أداء الدول عبر قياس نسبة الأبحاث المصنفة ضمن أعلى 10% من حيث عدد الاستشهادات، خلال فترة زمنية امتدت بين عامي 2020 و2024، مع احتساب الحصة العالمية لكل دولة في كل تقنية.
وأظهرت النتائج أن الصين تتفوق على الولايات المتحدة في مجالات حيوية مثل الحوسبة السحابية والحوسبة الطرفية (Edge Computing)، وهما تقنيتان محوريتان في تطوير ونشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ويشير ديفيد لين، وهو استراتيجي في الأمن القومي والتكنولوجيا، إلى أن هذا التفوق يعكس "السرعة والجدية التي تتحرك بها بكين لنقل الذكاء الاصطناعي من المختبرات إلى واقع الاستخدام والتطبيق".
هل يعني ذلك تراجع القوة الأميركية؟
رغم هذه النتائج، يحذر خبراء من تفسيرها على أنها مؤشر على انهيار النفوذ التكنولوجي الأميركي. ويؤكد الخبير في اقتصاديات الابتكار ستيفن هاي من جامعة شيآن جياوتونغ، أن الولايات المتحدة لا تزال لاعبًا محوريًا ومؤثرًا عالميًا في العديد من هذه التقنيات، وأن المؤشر يقيس الزخم الأكاديمي أكثر مما يعكس القدرة الشاملة على الابتكار.
وفي السياق ذاته، نبّهت جيني وونغ-ليونغ، عالمة البيانات في ASPI والمشاركة في إعداد التقرير، إلى أن النتائج تحمل إنذارًا للدول الديمقراطية، التي قد تخاطر بفقدان "مكاسب علمية وبحثية تراكمت على مدى عقود"، في حال لم تُعزز استثماراتها في القطاعات التكنولوجية المتقدمة.
حدود المؤشر ونقاط التحفظ
ويقرّ معدّو التقرير بوجود قيود منهجية في المؤشر، إذ إن كثافة النشر العلمي لا تعني بالضرورة التفوق في الهندسة أو التصنيع أو النجاح التجاري. ويضرب ديفيد لين مثالًا بمحركات الطائرات المتقدمة، حيث تتصدر الصين البحث العلمي فيها، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى الأداء والموثوقية الذي تتمتع به النماذج الأميركية والأوروبية.
كما يشير وانغ يانبو إلى أن المنهجية قد تمنح أفضلية للدول ذات القاعدة البحثية الضخمة، نظرًا لارتفاع احتمالات الاستشهاد المتبادل بين الباحثين من الجنسية نفسها.
وتكشف نتائج مؤشر ASPI عن تحول استراتيجي عميق في موازين القوة التكنولوجية العالمية، تقوده الصين عبر استثمار واسع النطاق في البحث العلمي والتقنيات الناشئة. ورغم أن هذه الهيمنة البحثية لا تعني بالضرورة التفوق الصناعي الكامل، فإنها تضع العالم أمام مرحلة جديدة من التنافس العلمي والتكنولوجي، ستكون لها انعكاسات مباشرة على الاقتصاد، والأمن، ومستقبل الابتكار العالمي.







