الصورة والسختورة وحافظ الأسد

الصورة والسختورة وحافظ الأسد

ديانا الحديد/ سوريا- أمريكا

من تلك الصور التي تصلني، أحب الصور التي لم يصرف ملتقطها وقتًا على هندستها، تلك الصور التي تمتلئ عادة بتفاصيل صغيرة لم ينتبه لها المصور العادي، أو التي ينتبه لها عادة المحترف فيزيلها من كادره، كسياجٍ قديمٍ يجانب طريقًا ممتدًا نحو كوخ مهجور، أو كيس قمامة ضخم نسيت سيارات الزبالة التقاطه فعاث فسادًا في الشارع، أو إعلانٍ ورقي لمنتج تافه فقد قدرة الالتصاق بعمود كهرباء هزيل رويدًا رويدًا فصار معلقًا كجثة مشنوق استرخت تمامًا على مقصلتها، وربما يصادفك نصف قدم في طرف الصورة التي التقطت من زاوية علوية، أو إصبع سميك غطى عين العدسة ليكسف المشهد.

كل ما لا تطيق تصويره عادة قد يمتلك لاحقًا وبسطوة الحنين القدرة على إلهاب مشاعرك

باختصار فإن كل ما لا تطيق تصويره عادة قد يمتلك لاحقًا وبسطوة الحنين القدرة على إلهاب مشاعرك، فقد تدرك يومًا بأن ما اهتممتَ بشأنه فقد إمكانية الإدهاش، وأن ما ظننته عابرًا وعاديًا وتافهًا كان يستحق منك اهتمامًا أكبر.

اقرأ/ي أيضًا: فيلم سوري بدون مخرج

كل ذلك يتحقق فقط في تلك الصورة الثابتة، التي لا يمكنك تحريك عناصرها سوى بالإزاحة التخييلية، وبمساعدة الذاكرة على بناء تفاصيل المشهد زمنيًا، لأن الصور الممتلئة بالحركة والزمن ستعيد نفسها نوعًا ما كتكرار متجدد، ما إن تشاهده حتى يفرض عليك التذكر وليملأ فورًا فراغات الذاكرة، ولهذا فوائده التوثيقية، ولكنه لا يثير في نفسي غالبًا سوى الغثيان، لأنني دومًا أكره ما كنته وأكره ما أنا عليه. الكره تلك الكلمة قاسية لكنني لا أجد أفضل منها توصيفيًا، قد يختلف أحد معي في نظرته لهذا الأمر، حسنًا، أعترف بأنني لم أفكر بذلك مليًا، وأدرك أنه أمر شائك وبحث واسع جدًا، ولكن لنعد للصورة الثابتة وقد أخذتنا الأفكار بعيدًا فنسيتُ السبب الأصلي وراء كل ما كتبت، وفقدت الكثير من القارئين إلا من صبر ممن لا تهمهم البلاغة ولا تعنيهم الرصانة اللغوية، وغالبًا ما يكون هؤلاء من المحبين والأقارب فقط، الذين لا يرون في عيوبك ما يزعجهم ولا يعنيهم ما أنت عليه من تقلقل، وهذه الفكرة بالذات لها علاقة مباشرة ووطيدة بموضوع الصورة التي شاهدتها منذ قليل والتي فتحت الباب واسعًا على حبل الأفكار.

تمامًا في منتصف الصورة تمتد كفان متعبتان، تصبغ جلدهما بعلامات قاتمة، ربما تركتها قشور الرمان أو الباذنجان، تلتفان بنعومة على فراغ قلق تتوسطه حبة بطاطا صفراء عارية من قشرتها، وقد انغمست تحت طرفها المدبب العلوي سكين صغيرة، كنا نطلق عليها سكين المنشار، وقد لا يخلو بيت سوري منها، تحت الكفين اللذين تهدل منهما كم عتيق لجلابية نسائية مخملية بلون نبيذي توضعت صينية ألمنيوم فارت بالأوساخ وقشور الخضراوات، وكيس نايلون مجعلك نتأ خارج الصينية فلامس سجادة مزركشة، وعلى الجانب الأيمن البعيد في العمق، امتدت قدم وجهتها نحو الأعلى فاخترقت الزواية، ويهيأ لك فورًا بأنها قدم لرجل كان صاحبها قد لفها فوق رجل، وبمزيد من التفكير ستدرك بأنها الرجل اليسرى لذلك الشخص المجهول الهوية يقابلها في الزاوية اليسرى من الصورة جانب أخضر لمدفأة مازوت، وقد تميز لو دققت بقية من ثياب ملونة قد نشرت لتجف وعلقت على الماسورة "البوري" فتدلت وهبطت من سقف الصورة.

مررت على تفاصيل المشهد سريعًا في بادئ الأمر، لكن شيئًا ما دفعني للمشاهدة مرة ثانية بفضول ودقة، إنها تلك العلامة الشديدة الوضوح التي تركتها جرثومة لعينة على كف اليد، لقد ميزتها وعرفتها برغم مرور أعوام كثيرة على وقوع الحادثة.

 

حادثة السختورة

يعرفها السوريون في حمص باسم "السختورة"، ويعرفها أهل الشام بالأبوات والكوارع والسجقات، أو الزليف أو الكرشة والمقادم في أماكن مختلفة، أما في مصر الشقيقة فتعرف بالكوارع، وهي أكلة عظيم سواء كرهتها أم أحببتها، لما تثيره في النفس من اشتهاء أو تقزّز، فالموقف منها متطرف بالضرورة، ولن تجد موقفًا معتدلًا تجاه هذا المأكول المتعب التحضير، ولن نخوض طويلًا في ذكر مناقب السختورة، فذلك أمر جانبي قد نحتاجه حين نريد أن نبز المطابخ الغربية في دول اللجوء.

كان ذلك اليوم صيفيًا بامتياز، وكانت عمليات تنظيف السختورة ماشية على قدم وساق، في حمام البيت، وقد انتهى كل ذلك بعزيمة "معتبرة" للخلان والأصحاب، وكما جرت العادة فقد كانت والدتي هي من نظفت وطبخت ونامت متعبة.

الزمن مصفاة للشعور والأفكار تتغير، وهذا ما يسهل عادة مجريات الأمور خلال الحياة

تلا ذلك بعد عدة أيام وجع وحكة شديدة في كف يدها اليمنى، ولا زالت كما أظن الحكة مستمرة حتى هذا الوقت، رغم مرور سنوات طويلة كما أسلفنا، ورغم استهتارها بالأمر إلا أنه بدأ يقلقها رويدًا رويدًا، خاصة بعد أن بدأ سطح الكف بالاحمرار وتركزت في منتصفه بثرة غريبة، تشبه ما تتركه السيجارة من أثر لو أطفئت بالجلد. امتد الاحمرار ليغطي الكف كاملًا بعد ذلك وترافق بأوجاع شديدة.

اقرأ/ي أيضًا: نظرية نيوتن السوري

كنت قد ذكرت شيئًا ما عن العلاقة بين الصورة -التي استدعت حديثي مرفقًا بمقدمته- وبين الأقارب، الذين تتضارب مشاعرهم مع العقلانية، حين يتعلق الأمر بشخص محبب من ذويهم.

تحيلني الفكرة إلى التنويه بأنني كنت متوهمًا لفترة طويلة من حياتي بأنني ذلك المحبوب، وربما أعزو ذلك لطبيعتي المسالمة والمستسلمة خلال فترات الطفولة والشباب، لكنني اكتشفت لاحقًا بأن ذلك محض هراء صرف، فالمحبة التي تحدث عنها جبران، والتي تخيلتها مؤنثة الطبع، كانت لا تأتي لكي نفتح الباب لها، المحبة تترافق عادة أو لا تترافق مع موقف فكري ينفذ للموقف الاجتماعي العام الذي اخترت أن تعتنقه كمذهب لهواك، وحين يكون ذلك الموقف الفكري متمردًا على القيم والعادات، فلك أن تتوقع أن من سيطرق بابك سيكون السيد "كره" وأن المحبة ستستتر أو تحجب عنك، ولكن لا ضير، فالزمن مصفاة للشعور، والأفكار تتغير وهذا ما يسهل عادة مجريات الأمور خلال الحياة.

كانت الفكرة المسيطرة على النفس في ذلك الوقت، هي التمرد على المجتمع، حتى نكون دقيقي الرصد، فقد كان الوقت في السنة التي مات بها الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، ولم يكن لذلك التمرد الذي سيتطور في الشباب أن يمتلك شكلًا سوى شكل التخريب المتعمد، لأعمدة النور، لواجهات المحلات، لممتلكات الأغنياء، وهكذا فقد تجلى سلوكًا قبيحًا، لكنني لا زلت ورغم ولوجي الأربعينات أفتقد لتلك اللذة العجيبة التي تترافق مع هروبنا بعد اقتراف موبقة ما ككسر شباك، أو خلع علامة معدنية مميزة لسيارة فارهة.

إن بدايات التخريب تلك قد تحيلك إلى مجرم، وقد تفضي بك لخبير ما في شؤون المناصحات، كما نفعل عادة حين يتذاكى علينا مراهق بأفكاره ونعتقد بأننا كما يقول المثل الشائع قادرين أن نمرر عشرة من أمثاله تحت إبطنا. غير أن حسن الحظ، وربما سوؤه، دفعا بي شخصيًا نحو الانغماس والانشغال بشؤون الدراسة والتحصيل العلمي، ولاحقًا الفني.

مات حافظ الأسد في ذلك العام، وفي ذلك العام كانت كف والدتي قد التهبت تمامًا، فأشار لها الأطباء بالسفر لمعالجتها بعد أن عجزوا عن تشخيص الحالة واستعصت على المسألة على الحل، حتى أن أحدهم قرر بضرورة بترها.

يالها من فكرة مخيفة، لقد تجرعتها كالسم رغم يفاعتي، ففي وقت ما تنحصر الحياة كلها في كلمة "أم"، لا امتلك الجرأة للخوض في شرح الفكرة، ربما لأنني واثق من عجزي عن توضيحها كما أحس تمامًا، لكنني أحسنت التعبير عن ذلك في فيلم قد أنجزته منذ سنوات، بعد مذبحة الشعب السوري وفرار الملايين من الموت الذي سلط على رقابهم، فقد صوّرت سيدة سورية افترشت الطريق العام في أثينا، وكان على حجرها ولداها، كان الولدين يتشبثان بها ويطوقان عنقها بمحبة مؤلمة صهرت قلبي، بينما كانت الأم تبكي، وكلما ازداد جيشانها وحاولت تغطية وجهها كان الطفلان يحاولان إبعاد يديها عن وجهها وتقبيلها ومراضاتها، تركت الكاميرا لترصد ذلك الموقف وابتعدت قليلًا لأسمح لنفسي بالبكاء، دون أن يُسمع صوتي.

من غير المعقول أن تروى قصة ما بدون تفاصيل معينة تساعد على الإغناء، أو الإمتاع على أقل تقدير

تلك الأم هي عالم الأطفال كاملًا مكملًا، ولا شك لدي بذلك، ولهذا بالذات ففي مرحلة ما كما قلت يغدو أي ألم يصيب الأم كارثة ماحقة حقًا. شفيت والدتي من تلك الجرثومة الغريبة التي استوطنت يدها اليمنى، كما استوطن بلادنا الكثير من الأعداء، واسمحوا لي أن أتنعم وأتفنن بين الفينة والأخرى بمثل هذه المقاربات التي قد لا تعجب البعض، ولتسقطوها من حسبانكم فيما لو شعرتم بأنها نافلة، لكنني مصرّ عليها لسببين بل ثلاثة، الأول يتعلق بالإطالة والإسهاب، فمن غير المعقول أن تروى قصة ما بدون تفاصيل معينة تساعد على الإغناء، أو الإمتاع على أقل تقدير، وبذلك نقدم العرفان لأبي حيان التوحيدي على كتابه "الإمتاع والمؤانسة"، والسبب الثاني يتعلق بكوني مخرجًا سينمائيًا لم يحترف الكتابة وتركها هواية تنفيسية حين يعجز عن التعبير بالصورة.

اقرأ/ي أيضًا: السحارة ووجوهها

وثالثها تحقيق الربط بين مقدمة مقالتي وما يتعلق بالصورة الثابتة وبين ما وصلت له في سياق القصة. لكن كيف حدث ذلك؟

بادرت جارة عزيزة على قلب والدتي، بزيارتها في صبحية أحد الأيام، والصبحية كما نعرفها في سوريا أو الاستصباحة، هي تلك القعدة واللمة مع الجيران صباحًا، بعد أن يتم توضيب المنزل عادة، وقد جرت الأعراف على أن تتم الصبحيات في الحارات بجدولة زمنية أسبوعية، وتتبارى السيدات بإظهار كرمهم من خلال ما يقدم في الصبحية من مشروبات وأطعمة، وقد يحدث أن تتساعد النسوة بشؤون تحضير الطبخات، فتحضر أم عبدو قضبان الملوخية وتحضر أم خالد البامية لتقميعها، وتجلب أم أسامة الكوسا لحفره، وخلال هذه الصبحيات تتحدد سياسة الحارة الداخلية، وترسم خطط الطريق التي يتقيد بها أغلبية الرجال بعد أن تشي لهم زوجاتهم بما دار من خفايا في كواليس الحارة.

وبذلك تجد أن القضايا تتوالد عدة بين الجيران وفق ديالكتيكية تاريخية، إن صح التعبير.

لم تكن تلك الصبحية تختلف عن مثيلاتها سوى بأن أم عدنان كانت تحمل نبأ سيؤثر لاحقًا على مجريات الأحداث، فقد عرفت من صهرها الذي يعمل في "البحوث العلمية" ويتبوأ منصبًا مهمًا في الدولة، بأن طبيبة مختصة بأمراض الجلد قد فتحت عيادتها في سوق حمص القديم، وأنها ذات صيت عظيم، فلم يخب رجاء مريض سبق وأن زارها، وبالفعل فقد سارعت والدتي لزيارة العيادة، وإليكم ما جرى هناك:

- الطبيبة: منذ متى وأنت تشتكين؟

-أمي: منذ حوالي ثلاثة أسابيع، بلشت بحبة صغير وبعدين كبرت الحبة وصارت تحك.

-الطبيبة: شو عم تاخديلها دوا؟

-أمي (وقد أخرجت كيسا مجعلكًا رخيصًا احتوى على علب الأدوية): هي كل الأدوية يلي أختها من يومها.

ألقت الطبيبة النظر على الأدوية وفحصت الكف بعناية وأخضعته لفحص مجهري.

-الطبيبة: عندكم حيوانات بالبيت؟

-أمي: لا والله ما في.

-الطبيبة: طيب، طبختي سختورة من قبل، تذكري منيح.

طبعًا سأسمح لنفسي بمقاطعة الحديث كالعادة، والتذكير بأن من يطبخ سختورة لا بد وأن يتذكر الأمر كما لو أنه حدث فارق تاريخي، فأن تذكر أحداث أيلول، أو تفجيرات لندن، أو خسارة المنتخب السوري أمام العراق، كذلك وقع هو وقع طبخة السختورة في الذاكرة، وبالتالي، فقد تذكرت أمي تعبها وأخبرت الطبيبة.

انهمرت على بيتنا بعد مرحلة الشفاء زيارات المباركة كانهمار المطر فوق صفائح التوتة، وصارت السختورة عدو البيت اللدود، وبذلك انتهى عهد الطبخ الملوكي، كما يقول والدي، وباتت طبخات البيت طبخات سورية تقليدية. في هذا السياق أذكر ما رواه لي أحد الأصدقاء حين زارني في هلسنكي منذ سنة تقريبًا، كان قد دعي لإلقاء الشعر في حفل نظمته منظمة تعنى بشؤون اللاجئين في دول أوروبا، وقد دعوته للعشاء في منزلي برفقة صديق آخر يمتهن الإخراج السينمائي، كنا قد حضرنا الفروج للشوي وجهزنا الخضروات، وكِلنا شتى أنواع المديح للحم، فتذكر حينها مأثرة زميله الذي كان معتقلًا في سجون النظام السوري حين قال: "اللحم هو الطعام والباقي مجرد تفاصيل".

الرجل الذي كان معتقلًا في سجون النظام السوري قال: "اللحم هو الطعام والباقي مجرد تفاصيل"

ولا أعلم حقًا كيف يمكن لمثل هذه الأقوال أن تثبت في الذاكرة، ربما لطرافتها، لكنها تشتمل لو أردتم التعمق على جانب فلسفي، فتفنيد الأمور على هذا النحو الذي يشتمل الأساس والهوامش، هو تفنيد فلسفي بامتياز.

الأسس والهوامش

سيكون من الغباء الشديد طرح وجهة نظر بسيطة، كما لو أنها عتبة للصعود نحو نظرية فلسفية متكاملة، تختص بقيم أو بمعرفة، وقد دربت نفسي منذ زمن بعيد على القبول بالطفيف والاكتفاء بطرح النزر اليسير، فما أراه أساسًا قد يراه غيري هامشًا، وما أراه هامشًا قد يراه غيري أساسًا، ولكنني أستميحكم عذرًا في استطرادي لأبين وجهة نظري، ولي العذر في ذلك، فلست كاتبًا كبيرًا كما بيّنت سابقًا، ولا فيلسوفًا كما يدرك كل من قرأ عن السختورة.

اقرأ/ي أيضًا: مارادونا في حمص

فهمي للأمور يجري كالتالي: أم إيهاب جارة عزيزة على قلب والدتي.

أم إيهاب وافدة على الحارة أصلًا، فقد تزوجت المرحوم السني أبو إيهاب، بعد أن خطفها من مدينة السويداء، ثم أتى بها لحارتنا وسكنا في المجهول لسنوات طويلة دون أن يعرف أحد من أهلها الدروز، فقد كان القتل هو الحكم التقليدي على المرأة المنشقة عن الطائفة.

أم إيهاب أنجبت أربعة ذكور وثلاث إناث.

أم إيهاب فقدت كل أولادها خلال الثورة التي اندلعت ضد نظام الأسد.

كلهم دون استثناء، وبقي لديها أولادهم وبناتهم، فهربت بهم نحو منطقة في لبنان، حيث وجدت غرفة صغيرة تجمعهم.

وكي لا تتحول مجريات المقالة نحو مأساة أم إيهاب، فسنعود مجددًا لدكانة الأسس والهوامش، التي أحاول الترويج لبضاعتها.

"الأساس" هنا في قصة الجارة العزيزة، هو لحظة خافية على الجميع، لحظة القرار، هي لحظة ليس ما قبلها كما بعدها، لحظة حدية وجذرية، لا يمكن العودة عنها ولا إصلاح ما سيترتب عليها من نتائج، والإصلاح يأتي هنا بالمعنى التعديلي لا بالمعنى الأخلاقي، إذًا فقد التقى العاشقان في لحظات كثيرة، لكن لحظة أساسية هي اللحظة المنشودة تقرّر فيها الهرب نحو مصير آخر.

كل ما سبق اللحظة وكل ما سيتلوها هو هوامش لهذه اللحظة، وهذا لا يعني بأن الهوامش التفصيلية والتكميلية ستكون عديمة الأهمية، لا بالطبع، فالهوامش نفسها ستخلف لحظات أساسية وأساسات لحظية عديدة في حياة المرء، لأن الهوامش تتمتع بمزايا عدم الاختيار، نحن نختار الأساس عادة، أما الهوامش فقد فرضا، ولذلك لا تأتي الأسس إلا حين تزداد وطأة الهوامش علينا.

الأمر يشبه شكلًا شبكات الكواكب لو وصلنا بينها بخطوط متصلة، فالخطوط ستكون الهوامش، والكواكب ستكون اللحظات أو الأسس.

ولو عدنا لقصة أم إيهاب، لقلنا بأن اللحظة الأساس، لو لم تحدث لكان هنالك أساس آخر ومصير آخر، وكما تلاحظون، فإن هذا التفنيد قد يساعد نوعا ما على فهم المواضيع في سياقاتها، فيما لو اعتمدناه كحيلة لفهم الأمور، أو لنعبر عن ذلك كالتالي، هي مجرد لعبة نحاول من خلالها رصد القصص.

وبذلك يمكنني وضع العديد من المسائل التي يمكن الاستغراق بمتعة في سبرها، كبعث المسيح، إسراء ومعراج محمد، ولادة مريم، انشقاق البحر لموسى، انتحار هتلر.

سأوصي أيضا بإيضاح هذا الأمر لطلاب التمثيل، لأنه وبدون شك تدريب جيد ويساعد على تحفيز التخييل وبناء السيناريوهات.

ولكننا ولسبب ما سننتقي حاليًا تلك المناسبة بالذات، والتي عنت كل سوري ومسته في صميمه كما أظن، مناسبة موت حافظ الأسد، وسيندر فعلًا أن تسأل سوريا واحدًا عن لحظة موت حافظ الأسد وألا يقص عليك بشغف شديد انطباعه حول الأمر نفسيًا وفكريًا، وألا يحدثك عن ظرفه المكاني والزماني لدى تلقي الخبر المثير، لقد كانت حياة الرجل طاغية على حياة الشعب بالكامل، فكان موته كذلك.

كانت حياة حافظ الأسد طاغية على حياة الشعب بالكامل، فكان موته كذلك

حدّثت بعض الأصدقاء سابقًا عن نيتي بصنع فيلم وثائقي حول هذا الأمر، يكون محوره الرئيسي السؤال المعتاد: كيف سمعت خبر وفاة حافظ الأسد؟ ولن تهمني حينئذ الأسس بل سأهتم بالهوامش، لك أن تتخيل الآن كيف ساهمت هوامشنا المفروضة في تحديد أسس مفروضة، لا اختيارية، لأن الاختيار لا يقع في محيط الدكتاتوريات، ويغدو في ذلك المحيط الهامش أصلًا، وتصبح الأسس وسيلة أساسية يساهم الخوف بصنعها وتحديدها.

اقرأ/ي أيضًا: رودونسون ووثنية الخضروات والفواكه

في ذلك العام المنشود شفيت والدتي ومات حافظ، ولا علاقة لهذا بذاك، لكنه الانزياح التخيلي كما قلت في بداية المقال.

 

اقرأ/ي أيضًا:

بهلول الملاجئ

متلازمة البوق السورية