الصهيونية التصحيحية.. كلمة السر في عقيدة بنيامين نتنياهو
16 سبتمبر 2026
"الصهيونية التصحيحية"، كلمة السر في عقيدة الكيان الصهيوني، ودونها لن يتمكن شخص واحد من فهم دوافع وتحركات إسرائيل السياسية والعسكرية. ظهرت هذه الحركة في عشرينيات القرن الماضي كتيار سياسي راديكالي، يعادي الاشتراكية والعلمانية والماركسية، ويستبدل الصراع الطبقي بالصِراع الطائفي، طائفة اليهود من جميع أنحاء العالم في مواجهة الطوائف المتمركزة ما بين النيل والفرات، ومن هنا بدأت تطالب بإخضاع يهود العالم لهدفٍ قومي واحد يتمثل في إقامة دولة يهودية ذات أغلبية ديموغرافية على ضفتي نهر الأردن.
ومع الوقت، أخذت هذه الحركة خطوة أكبر من التنظير، لتضع الأسس العملية لإقامة الدولة، وانطلقت من فكرة بسيطة للغاية، السكان الأصليون بطوائِفهم المختلفة، لن يقبلوا التنازل عن وطنهم طواعية لصالح مشروع استيطاني ولن يسلموا أرض أجدادهم لرجل أبيض جاء من وراء البحر، وأيا ما كانت جنسيته أو عرقه.
إن الإبادة الجماعية لم تكن انحرافًا أتى به متطرفو هذا العصر كما يحاول البعض الترويج، بل كانت، ولازالت، جزءًا من الفكرة الصهيونية نفسها، نتيجة حتمية لكُرة الثلج
ولذلك فالمَشروع الصهيوني لا يمكن أن يتقدم أو يستمر إلا إذا تطور خلف "جدار حديدي" من القوة العسكرية التي لا يمكن للعرب اختراقها أو تدميرها، ومن هذه الفكرة بدأ كل شيء في التَدحرج ككرة ثلج، حتى وصلنا إلى لحظة صعود بنيامين ميلُيكوفسكي، نتنياهو، إلى سُدة الحكم، ومن حوله اليمين الصهيوني المتطرف مثل بن غفير وسموتريتش، كدائرة تضع الإبادة الجماعية كلغة وحيدة للتعامل مع العرب، فكيف تدحرجت هذه الكرة؟ وإلى ماذا ستنتهي؟
الجدار الحديدي
لا، الأمر ليس كما يبدوا، الحركة الصهيونية قامت بالأساس على فكرة التفوق اليهودي، واقتلاع فلسطين وما حولها بقوة السلاح، ولذلك فلا فارق كبير بين اليمين واليسار الصهيوني من حيث المبدأ، الاختلاف يأتي فقط من طريقة التنفيذ، اليسار يلعب بعض السياسة، أما اليمين فيبدأ من نقطة الإبادة الجماعية ولا ينتهي، اليسار بإمكانه السلام على أبو عمار في أوسلو لكسب بعض الوقت، وإعادة الشحن والتجييش بما يخدم التوسع الاستيطاني، أما اليمين فلن يقبل إلا بقتل أبو عمار كأول درجة في السلم.
وفي النهاية الاثنين يصلان لنقطة الإبادة الجماعية، والاثنين أياديهم ملطخة بدماء الشعب العربي، لكن الوقت وطريقة التنفيذ هو ما يجعلهم مختلفين عن بعضهما البعض، وقد استطاع اليمنيون، بطريقة ما أو بأخرى، منع الشعب الإسرائيلي من محاولة التفكير المنطقي وتقييم الأمور، حتى أصبح كل صهيوني مشاركًا في تنفيذ الإبادة، فكرة التلذذ بقتل غير اليهود، إما كل شيء أو لا شيء، واليهود في حرب وجودية من قديم الأزل وإلى الأبد ضد الأغيار.
أول من ركل كرة الثلج كان شخصًا يدعى فلاديمير جابوتنسكي، صحفي أوكراني بدأ نشاطه الصهيوني عام 1903 بحضور المؤتمر الصهيوني السادس، ثم أعلن انشقاقه عن المنظمة الصهيونية في عام 1925 احتجاجًا على سياسات حاييم وايزمان زعيم الحركة الصهيونية، ما هي نوعية الاحتجاجات؟
هذا هو مربط الفرس، حيث كان جابوتنسكي يعتقد أن على اليهود إقامة وطن قومي يمتد من النيل إلى الفرات، ولذلك فكر في مساعدة بريطانيا للاستيلاء على فلسطين من يد الدولة العثمانية، عن طريق إنشاء قوة مسلحة يهودية تشارك في الحرب العالمية الأولى، ألا وهي الفيلق اليهودي.
وعندما انتهت الحرب العالمية الأولى، دعا إلى الاستمرار في تجنيد اليهود بحجة حماية المستوطنات في فلسطين، ولهذا اصطدم مع زعامة الحركة الصهيونية ممثلة في حاييم وايزمان، وفي عام 1923 أسس حركة بيتار، ثم أسس حزب "الصهيونية التصحيحية"، لتصحيح المسار اليهودي، الذي رآه مهادنًا أكثر من اللازم، خاصة مع قبوله إنشاء وطن قومي لليهود على جزء من فلسطين، وذلك ليس الهدف من وجهة نظره، بل الهدف هو إنشاء دولة تمتد ما بين نهر النيل ونهر الفرات.
القفز فوق التاريخ
بناءً على ما سبق يظهر الآتي، رؤية جابوتنسكي انطلقت من وعي راديكالي يسعى للقفز فوق التاريخ والواقع، لتحقيق الهدف النهائي دفعة واحدة، فمن بدأ شيئًا عليه إكماله، وذلك من خلال شيئين، العمل العسكري المباشر، وإشعال الحرب الشاملة، فالرصاصة الأولى مثل الأخيرة، تقتل العرب، ولكن على الأخيرة أن تستقر في صدر آخر عربي في هذه المنطقة، وبما أن اليهود ليسوا وحدهم في العالم، إذن فلابد من التحالف مع القوى الإمبريالية لتوفير الغطاء السياسي للمشروع القائم على الرصاص.
الغريب، أنه لم يقل ذلك بالضبط في مقاله "أخلاقيات الجدار الحديدي"، بل قدم تفسيرًا فلسفيًا وأخلاقيًا لهذه الاستراتيجية، نظرًا لاستِحالة التوصل إلى اتفاق طوعي، يصبح استخدام القوة العسكرية والقتل أقل الشرور الممكنة، وذلك للحفاظ على اليهود، وعدم اتساع دائرة الصراع، أي أن تعاظم القوة العسكرية الإسرائيلية سيردع العرب ابتداءً.
ولكن، من أجل الوصول إلى تلك المرحلة، يجب ارتكاب المجازر والتهجير والإبادة، حتى يسلم السكان الأصليين الأرض طوعًا وكُرها، وخوفًا من البطش، وبالتالي يعيشون في الكنف الصهيوني خاضعين بلا مخالب، ومن أجل هذا الهدف، أسس الرجل عصابات "الأرغون" العسكرية، والتي كان لها تأثير كبير في تجييش اليهود والعمليات الإرهابية في القدس والخليل قبل النكبة، وكانت يد الصهاينة الضاربة أثناء النكبة رفقة عصابة "الهاغاناه"، ومنهُما أُسس الجيش الإسرائيلي.
وقد ارتكزت طريقة العمل داخل هذه المؤسسات على غرس مفهوم "الهدار" (Hadar)، وهي نظرة شوفينية تتحدث عن الفخر القومي، والانضباط العسكري، من أجل استبدال صورة اليهودي المضطهد في الشتات الأوروبي، بصورة المحارب القادر على تشكيل جداره الحديدي لحماية المشروع الاستيطاني.
وأول خريجي هذه المدرسة كان يدعى، للمفاجأة، بن صهيون ميلُيكوفسكي، السكرتير الشخصي لجَابوتنسكي، ووالد من؟
بنيامين ميلُيكوفسكي، نتنياهو.
وصديق من الشخصي؟
أرييل شارون.
إن الإبادة الجماعية لم تكن انحرافًا أتى به متطرفو هذا العصر كما يحاول البعض الترويج، بل كانت، ولازالت، جزءًا من الفكرة الصهيونية نفسها، نتيجة حتمية لكُرة الثلج التي ضربها رجل أوكراني ليس له أي علاقة بفلسطين لا من قريب ولا من بعيد، بل وليس له علاقة باليهودية ذاتها، أي نعم، جَابوتنسكي كان ملحدًا، أو بمعنى أصح، يهوديًا ملحدًا، وهي واحدة من أغرب الأفكار التي أنتجتها الحركة الصهيونية طوال تاريخها المليء بالغرائب والدم.
فكرة أن يكون الشخص ملحدًا لا يؤمن بالله، ولكنه يؤمن بالتفوق العرقي اليهودي وأحقية الأرض بناءً على رؤية توراتية تلمودية، ولذلك كان لابد أن يخرج من رحم هذا الملحد، من هو أكثر يمينية وتطرفًا وصهيونية، ولكن مع صبغة دينية تغلف كلامه عن العماليق والأغيار، وعن اليهود الذين فُطروا على محاربة عدو واحد ممتد من قديم الأزل وحتى نهاية الزمان.