الصناعة السورية..

الصناعة السورية.. "ما ضل شي"

التراجع الذي بلغ اليوم دِركًا وضيعًا بدأ السوريون بالنزول إليه منذ أمد (Getty)

لن نضيف شيئًا إن قلنا إن وضع الصناعة السورية متراجع في العقد الأخير، وأصبح في السنوات الأخيرة مترديًا إلى درجة كبيرة. وهل يمكن أن يكون غير ذلك في بلدٍ أصبحت فيه حقول النفط وموارد الطاقة ومناجم الثروات المعدنية ميدان صراع، وصندوق متروك للنهب، والطرق فيه يحكمها قطّاعها، وسعر العملة الأجنبية ضُرب بستة، وأسعار المحروقات ضربت بأكثر من ذلك، والكهرباء غالية ومُقننة؟

بلغ حجم الاستثمارات السورية في مصر بين عامي 2011 و 2013 مليارًا ونصف مليار دولار

هذا التراجع الذي بلغ اليوم دركًا وضيعًا بدأ السوريون بالنزول إليه منذ أمد، وإن كانت مراجعة تلك الفترة والحديث عنها كأحد أسباب ما جرى لاحقًا تلا الاضطرابات. سُميت تلك المرحلة "الحقبة الدردرية"، كالعادة في تشخيص كل شيء، نسبةً إلى عبد الله الدردري نائب رئيس مجلس الوزراء في سنوات ما قبل الأزمة، والذي غادر البلاد مع اندلاعها، وقد كان، كما قيل، عراب "الانفتاح الاقتصادي" الذي أدخل "أفكارًا نيوليبرالية" على الاقتصاد السوري "الاشتراكي" النزعة، والذي تسيطر مؤسسات القطاع العام على مفاصل الإنتاج فيه.

ففي عام 2009 وقعت اتفاقية التبادل التجاري الحر مع تركيا والتي سمحت سوريا بموجبها بإدخال البضائع التركية معفاة من الرسوم الجمركية، في حين لم تقم تركيا بالمثل. أدى ذلك إلى تضرر قطاعات صناعية سورية عدة بسبب عدم قدرتها على منافسة أسعار البضائع التركية، وكانت صناعة المفروشات والموبيليا والصناعات النسيجية والألبسة أبرز الصناعات المتضررة. تلك المصانع الجارة لتركيا، الواقعة في ريفي حلب وإدلب كانت تشاهد، من بين بضائعها المكدسة، البضائع التركية تعبر وتدخل لتُصَرَّف في الداخل السوري. آنذاك فقط، تضررت نحو ألفي ورشة من الصناعات المذكورة أعلاه، وسرّح مالكوها نحو ثلاثين ألف عامل، خرج منهم من خرج في بداية الاحتجاج.

يشبه الحديث عن الصناعة السورية الحديث عن الطبخ أو الطرب، وهذه كلها تعني حلب. الصُّنّاع المهرة ميزة أخرى للمدينة. تعلّم هؤلاء في مدارس عائلية، أخذوا صنعتهم أبا عن جد، كما أن موقع المدينة القريب من حقول الزراعات المستخدمة في الصناعة كالقطن، ومن موارد الطاقة، ساهم في بناء أكبر مدينة صناعية سورية في "الشيخ نجار". تقع "الشيخ نجار" شمال شرقي حلب على مساحة 4412 هكتار. كان فيها ما يزيد على 6000 مقسم صناعي، بحسب أرقام وزارة الصناعة السورية. تبادلت أطراف الصراع في سوريا السيطرة عليها منذ 2012 حتى أيار/مايو الماضي. عندما امتدت الاضطرابات العسكرية إلى ريف حلب وبعض أحياء المدينة، نزح أهل المناطق المضطربة إلى "الشيخ نجار" فتحولت المدينة الصناعية إلى مدينة سكنية فيها كل ما يلزم للعيش. ثم وصلت الحرب إليها وضررت ودمرت معاملها، كما أن معامل أخرى فُككت ونُقلت إلى تركيا وبيعت آلاتها الثمينة كخردة، في فترات سيطرة المعارضة المسلحة، وهذا ما دأب فارس الشهابي، رئيس غرفة صناعة حلب ورئيس غرف الصناعة في سوريا، على تكراره في إطلالاته الإعلامية العديدة، متجاهلًا التدمير الحاصل في المدينة.

أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة، الذين ما كانوا يكفّون عن الشكوى قبل الحرب بسبب السياسات الحكومية، خرجوا من البلد بعدها، ناقلين صناعاتهم معهم. البعض قصد تركيا، وآخرون بلادًا عربية. لم يشكل لبنان بلد جذب لتأسيس صناعات فيه بسبب انتفاء الظروف المشجعة، وغياب الدعم، والغلاء، لكنه شكّل سوق تصريف للألبسة بشكل خاص، التي تصنع في محافظات سورية قريبة منه. فيما توافد مئات من المستثمرين السوريين إلى مصر، عمل معظمهم في صناعات الغزل والنسيج، وتلقّوا اهتمامًا لافتًا هناك إذ إنهم يشترون المواد الأولية لصناعاتهم من مصر ويستخدمون أيدٍ عاملة مصرية، وقد بلغ حجم الاستثمارات السورية بين عامي 2011 و2013 مليارًا ونصف مليار دولار. وفي الأردن افتتحت مئات المنشآت الصناعية المتنوعة منذ 2011، واستقبلت الإمارات العربية أصحاب رؤوس الأموال من السوريين، على عكس من حاول التوجه إليها للعمل، وأعطتهم حق الإقامة على أراضيها بمجرد إيداع مبلغ معين من أموالهم في بنوكها.

أصحاب المعامل والورش المتوسطة والصغيرة يُلاحظون أكثر في الداخل السوري، هؤلاء انتقلوا إلى محافظات لم تمر عليها آلات الحرب. استُقبلوا في حماة واللاذقية وطرطوس، وبعضهم معروفون على مستوى سوريا في اختصاصهم، ولهم زبائن في محافظاتهم الجديدة لم يعودوا مضطرين للذهاب إلى حلب لاستلام طلباتهم. من هؤلاء "المعلمين" أبو أحمد. تتحرك عيناه في وجه أسمر لا يمكن التمييز فيه بين آثار حرارة الشمس وآثار حرارة آلة الّلحام ولهب النار. يشتغل أبو أحمد مع ابنه وحفيده الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره على بناء مقطورة. لا يتلهّى كثيرًا عن عمله ليتكلم إلينا. يقول إنه ما زال في بداية عملٍ سيستغرق منه خمسة أسابيع يستلم بعدها الزبون مقطورة مدهونة جاهزة للتركيب. "طلعت من حلب بتيابي اللي لابسن، طلعت أنا وعيلتي، والحمدلله ما صار علينا شي".

يعمل الرجل حاليًا في المدينة الصناعية بطرطوس، ويستأجر شاليهًا جنوب المدينة. يوضح أنه لا يضع في هذا العمل إلا "معلميته"، في حين استأجر الورشة وجهّزها أحد الذين نجوا بمالهم، وهو حلبي أيضًا، بعدما دُمِّر مشغل أبو أحمد وبيته وبيت ابنه الذي يعمل معه. "ما ضل شي.. ما ضل شي"، يكررها عدة مرات وهو يقيس ويثبّت حديدتين سميكتين ستحملان هيكل المقطورة كلها. الحديدتان تتلاصقان في البداية وتأحذان بالتباعد تدريجيًا نحو النهاية، ومن الأعلى تبدوان كشارة نصرٍ هزيلة، لا تمحو تعبًا رهيبًا يعلو وجه "أبو أحمد".