الصرخة نفسها على جميع المحطات!

الصرخة نفسها على جميع المحطات!

صراخ فقراء الفنادق أكثر جذبًا، ربما، من صراخ فقراء الشوارع (رمزي حيدر/أ.ف.ب)

ضغطتُ على زر التحميل وانتظرت ريثما تبدأ موسيقى "كرافان" من فيلم "ويبلاش". رفعت الصوت قليلاً، منتظرًا الضربة الأولى على الطبل. الطبل يعلن بداية المعزوفة. 10 ثوان من العزف المنفرد، تحضرت لرفع الصوت أكثر، لسماع النقرات الأولى على "الكونتراباس" وهي تعلن انتقال المعزوفة من العزف المنفرد إلى العزف الجماعي. قبل النقرة الأولى بثوانٍ.. "لن نقبل بالانتحار".. فصدح الصوت من التلفزيون في الغرفة المجاورة. استأذنت من البورتوريكي خوان توزال، وأوقفت المعزوفة، ثم توجهت مسرعًا لمعرفة من الذي ضاقت به الدينا إلى هذا الحد.

هو ثري طبعًا، لكنه يحذر من أن إفقار الناس في هذا البلد، قد يدفع الفقراء إلى اليأس

في الغرفة كانت تجلس الوالدة وعيناها توشكان على اختراق الشاشة، الحدث يثير الخوف من دون شك إذن. جلستُ بالقرب منها من دون أي ازعاج. في الشاشة رجل كبير، ببزة رسمية أنيقة، يصارع ليرفع رأسه فوق المنبر الذي يقف عليه. بصوت واثق وعربية مكسّرة، أردف قائلاً، بعد التهديد بالانتحار، "كونوا صوت الفقير قبل أن يخطفه غيركم ويتلاعب بمصيرنا"، ممممم.. كلام خطير، يربط الرجل بين السياسة والاقتصاد وعلم الاجتماع.. يا ويل حالي!.  

الرجل الطيب، واحد من أفراد الهيئات الاقتصادية اللبنانّية، وهو ثري طبعًا، يحذر من أن إفقار الناس في هذا البلد، قد يدفع الفقراء إلى اليأس، ومن يعلم؟ ربما إلى الالتحاق بداعش! داعش البعبع. المهم، كان هذا خلال "النداء" الذي أطلقته الهيئات الاقتصادية في وجه الدولة، في أحد أفخر الفنادق الواقعة في واجهة بيروت البحرية. وقد حمل النداء عنوانًا سورياليًا "لقرار.. ضد الانتحار". للوهلة الأولى بدا فيلمًا للراحل فريد شوقي، من ستينيات القاهرة. لكنه مجرد "نداء" للتعبير عن "سخط" الهيئات الاقتصادية من تردي الأوضاع الاقتصادية في لبنان. كانت القاعة مليئة بالبزات الرسمية، وعلى الرغم من السخط والتحذير الواضح في شعار النداء، كانت الأوجه الباسمة والفرحة تشي بغير ذلك.

والهيئات هذه، هي عبارة عمن يدّعون أنهم قطاعات منتجة في البلاد، كالبنوك مثلًا وأصحاب الفنادق والمؤسسات السياحية، وأصحاب المحال والمجمعات التجارية. هم أنفسهم الذين تكتلوا وبسخط مماثل، من دون ملامسة حد الانتحار، لرفض أي إقرار لسلسلة الرتب والرواتب والتي طالب بها المعلمين والأساتذة اللبنانيين الذين لا يزيد أجر بعضهم عن الحد الأدنى للأجور. قد يقول قائل إن "لا إنتاجية" القطاع التعليمي بمفهوم الأرقام أو الاقتصاد، قد يعفي "الهيئات" من أي تهمة. لكن هؤلاء، الهيئات، هم أنفسهم من رفضوا أي زيادة ضريبية على الفوائد المصرفية. وهم أنفسهم الذين يهددون بالانتحار اليوم لأن الأرباح الصافية شهدت انهيارًا فادحًا، وتقلصت عن ملياري دولار بقليل.

استغليت ابتعاد الوالدة لإحضار كوب من الماء. ربما من صدمة الخطر الذي وعد به الرجل الذي أنهى للتو خطابه الناري. أمسكت جهاز التحكم، ورحت أقلب بين القنوات الأخرى، الصرخة نفسها، على جميع المحطات. صرخة إعلامية وطينة تبث مباشرة. الرجل صاحب نفوذ. أذكر أن تظاهرة هيئة التنسيق النقابية لم تنل أي اهتمام إعلامي، إلا بعد أن فرضت نفسها في الشارع، وأنزلت الآلاف للمطالبة برفع الحد الأدنى الأجور، في حين كانت أطول تغطية لأي تحرك تمر أسفل الشاشة أو بخبر سريع لا يتجاوز الدقيقة. لكن صراخ "فقراء الفنادق"، أكثر جذبًا، ربما، من صراخ فقراء الشوارع. 

تعود الوالدة مع صعود خطيب جديد. نائب في البرلمان هذه المرة، وتاليًا، مدد لنفسه من دون العودة إلى الشعب. صودف أن النائب الكريم يملك سلسلة مجمعات تجارية، فراح يطالب الدولة بالتدخل، ويلوم السياسيين على الأوضاع التي وصلت اليها البلاد. إنه رجل دولة يطالب الدولة بالتدخل. هذا لم يعد اقتصادًا ليبراليًا منتفخًا وحسب، بل صار سورياليًا ولبنانيًا. لو كان لآدم سميث مرقد عنزة هنا، لكان باعها، وعاد لصياغة نظرية جديدة أكثر ملائمة بعد الاستماع إلى خطاب الأخ القائد النائب.

والدتي كادت أن تصدّق الهيئات. عدت إلى "كارافاني" بدلًا من إعطائها محاضرة مملة عن النفاق الذي في التلفزيون. طلبت مني اطفاء نور غرفتي إذا كنت سأكتفي بالإستماع إلى الموسيقى.. "مش عم نلحق فواتير كهربا. أكملت المعزوفة في العتمة، حان دور البيانو. توقفت عند اسم الفيلم "ويبلاش"، وبحثت عن المعنى، إصابة قاتلة في العمود الفقري العنقي، ينجم عن حركة مفاجئة للرأس من الأمام أو الخلف.