10-مايو-2022
حليب

"Getty"

في تقريرها الصادر بتاريخ 28 نيسان /أبريل، أشارت منظمة الصحة العالمية إلى وجود ممارسات تسويقية استغلالية لشركات صناعة حليب الأطفال حول العالم. وقدرت المنظمة السوق الاستهلاكي بحوالي 55 مليار دولار سنويًا، مما يثير تهافت شركات صناعة الحليب لتسويق منتجاتها عبر منصات التواصل الاجتماعي وعبر الإعلام ومن خلال الإعلانات التجارية، وذلك بغية التأثير في الأمهات تحديدًا من أجل استخدام حليب الأطفال بديًلا عن الرضاعة. ووصفت المنظمة سلوك الشركات بأنه "خبيث ومستمر بشكل دائم عبر الإنترنت".

الأدوات المستخدمة

التقرير الجديد لمنظمة الصحة العالمية والمعنون "نطاق وتأثير استراتيجيات التسويق الرقمي للترويج لبدائل حليب الأم" حدد التقنيات التسويقية الرقمية والمصممة بهدف التأثير على القرارات التي تتخذها الأسر، وخاصة الأمهات، بشأن كيفية إطعام أطفالهن. ويشار إلى كون الشركات المنتجة للحليب الاصطناعي تدفع لقاء هذه الأدوات سواء لأفراد أم لمؤسسات أخرى تعنى بالتسويق والترويج، واللافت أن هذه العملية التسويقية مبهمة وغالبًا ما تصل إلى الأمهات بشكل شخصي لا يمكن التعرف عليه بكونه إعلانًا تجاريًا، مع العلم أن الإعلانات تأتي في مرحلة تعتبر من الأضعف في حياة الأم، مما يسهل عملية الإقناع والتلاعب نظرًا لكونها مرحلة مليئة بالخوف والقلق والعاطفة.

مدير إدارة التغذية وسلامة الأغذية في المنظّمة "حقيقة أن شركات الحليب الصناعي تستخدم  تقنيات تسويق أكثر قوة ومكرًا لزيادة مبيعاتها أمر لا يغتفر ويجب إيقافه".

تستخدم الشركات الصناعية مجموعة من الأدوات من أجل الوصول إلى ترويج منتجاتها والتأثير على الأسر. ومن هذه الأدوات: التطبيقات الالكترونية عبر الهواتف الذكية، مجموعات الدعم الافتراضية، نوادي الأطفال عبر الإنترنت التي تروج لمنتجات عدة من لوازم الأطفال والأمهات، سيما الأطفال حديثي الولادة. يضاف إلى ذلك، عبر بناء شبكة من المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، للترويج للحليب الأطفال مقابل مبالغ مالية. وكذلك عبر العروض الترويجية والمسابقات والمنتديات أو الخدمات الاستشارية. وتعمل أيضًا الشركات على شراء أو جمع المعلومات الشخصية للأسر والأطفال والامهات والمستشفيات والأطباء. ومن ثم استهدافهم بشكل محدد عبر عروض ترويجية مخصصة للنساء الحوامل والأمهات الجدد، بحسب ما أشارت وكالة رويترز.

التفاعل بالأرقام

يلخص التقرير المذكور بحثًا تضمّن دراسة عينة مؤلفة من 4 ملايين منشور تجاري على مواقع التواصل الاجتماعي. جميع المنشورات تتحدث عن إطعام الأطفال الرضع، وقد نشرت بين شهر كانون الثاني /يناير وشهر حزيران /يونيو من العام 2021. وصلت هذه المنشورات إلى 2.47 مليار شخص وحققت أكثر من 12 مليون إعجاب أو مشاركة أو تعليق.

حليب

وتنشر الشركات المحتوى المتعلق بحليب الأطفال على حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي حوالي 90 مرة في اليوم، لتصل إلى 229 مليون مستخدم. ويمثل هذا الرقم ثلاثة أضعاف عدد الأشخاص الذين تصلهم المنشورات الإعلامية حول الرضاعة الطبيعية من الحسابات غير التجارية التابعة للمنظمات والحكومات المعنية بدعم وترويج الرضاعة الطبيعية. يؤدي هذا التسويق المنتشر إلى زيادة مشتريات الحليب التجاري، وبالتالي ثني الأمهات عن الرضاعة الطبيعية حصريًا، على النحو الذي أوصت به منظمة الصحة العالمية في تقاريرها السابقة.

على سبيل المثال لا الحصر، في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، يقدر المبلغ الذي أنفقته شركات صناعة حليب الأطفال على الإعلانات على التجارية المدفوعة في منصات مثل ريديت وفيسبوك وإنستغرام وتويتر بنحو 3.82 مليون دولار.

أمرٌ لا يغتفر!

تظهر الدراسات كيف يعزز التسويق عملية تضليل الأمهات وتوجيه موقفهن حيال الرضاعة الطبيعية، نحو الاعتماد على الحليب الصناعي، وذلك عبر تقويض ثقة المرأة في قدرتها على الرضاعة الطبيعية بنجاح. وتجدر الإشارة إلى أن انتشار التسويق الرقمي على صعيد عالمي لمنتجات أغذية الأطفال الصناعية، ينتهك بشكل صارخ المدونة الدولية لتسويق بدائل حليب الأم، والتي اعتمدتها جمعية الصحة العالمية لعام 1981. والمدونة عبارة عن اتفاقية تاريخية للصحة العامة، مصممة لحماية عامة الناس والأمهات من ممارسات التسويق العدواني من قبل شركات صناعة أغذية الأطفال، والتي تؤثر سلبًا على ممارسات الرضاعة الطبيعية.

مدير إدارة التغذية وسلامة الأغذية بمنظمة الصحة العالمية، الدكتور فرانشيسكو برانكا، قال "كان ينبغي إنهاء الترويج لتركيبات الحليب التجاري منذ عقود"، وأضاف "حقيقة أن شركات الحليب الصناعي تستخدم الأن تقنيات تسويق أكثر قوة ومكرًا لزيادة مبيعاتها أمر لا يغتفر ويجب إيقافه".

أحد مؤلفي التقرير، لورانس غرامر سترو، صرح لرويترز بالقول "إن ما تختبره النساء يعتبر ممارسة شائعة جدًا في هذا المجال التسويقي"، وأضاف "إنهم يستخدمون التكنولوجيا الرقمية للحصول على عناوين الأمهات والنساء الحوامل، وذلك بهدف إدراجهم في قوائم مخصصة لاستهدافهم بعمليات التسويق المتنوعة".

التهرب من الميثاق

حقيقة أن هذه الأنواع من حملات التسويق الرقمي المروجة لحليب الأطفال الصناعي لها قدرة وميزة على الالتفاف والتهرب من التدقيق والرقابة من قبل السلطات الصحية. وذلك يستدعي وجود حاجة إلى نهج جديد لتنظيم وتنفيذ ومراقبة الميثاق الأخلاقي. ففي الوقت الحالي، قد يتم التهرب من التشريعات الوطنية، عن طريق التسويق الرقمي من دول خارجية، مما يفقد الحكومة الوطنية القدرة الكلية على المراقبة وحظر هذه الإعلانات.

وقد دعت منظمة الصحة العالمية شركات صناعة أغذية الأطفال إلى إنهاء التسويق الاستغلالي للحليب الصناعي، ودعت الحكومات إلى حماية الأطفال والأسر الجديدة من خلال سن ورصد وإنفاذ القوانين لإنهاء جميع الإعلانات أو غيرها من وسائل الترويج عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.

وتشير منظمة الصحة العالمية أنه في حال "استمرار استراتيجيات التسويق المعتمدة من قبل شركات الحليب الصناعي، سيؤدي ذلك إلى انخفاض نسبة الأمهات المرضعات، مقابل تعزيز الحليب الصناعي ومراكمة المزيد من الأرباح الطائلة، على حساب الصحة العامة والفضلى للأطفال والنساء والمجتمعات مدى الحياة".