الصحة في مصر.. مائدة فقيرة على ضفاف الموت

الصحة في مصر.. مائدة فقيرة على ضفاف الموت

يدفع الفقر في مصر إلى التحايل الغذائي لإشباع الجوع لا إلى النمط الصحي (Getty)

يقول المثل الشعبي المصري: "إن فاتك الضاني، عليك بالحمصاني"، أي إن فاتك أكل اللحوم بغلاء أسعارها وضيق ذات اليد، فعليك بالحمص لاحتوائه على قدر لا بأس به من البروتين. وإن كان ذلك المثل قابلًا للتطبيق فيما مضى، فإنه في الوقت الحالي لم يعد حتى "الحمصاني" في قدرة الجميع.

في مصر، كلما ازداد الفقر، اتجهت الأسرة إلى زيادة حصيلتها من الغذاء المشبع، حتى لو لم يكن صحيًا

فالبقوليات التي باتت مصر تستورد كميات كبيرة منها، وعلى رأسها الفول، الوجبة الأساسية على المائدة المصرية، أصبحت خارج القدرة الشرائية للكثير من المصريين، بعد أن بلغ سعر كيلو الفلو مثلًا 20 جنيهًا، في حين وصل سعر كيلو الحمص إلى 32 جنيهًا، في بقي الحد الأدني للأجور عند 1200 جنيهًا.

اقرأ/ي أيضًا: الرقابة على الطعام في مصر.. قانون غائب وضمير مستتر

في مصر يفوتك "الضاني" و"الحمصاني"!

أم فريدة، وهي امرأة أربعينية تعيش في إحدى قرى محافظة الشرقية؛ تعاني العديد من المشاكل الصحية: في المفاصل وتناقص الشعور بالأطراف، وضعف في البصر، وتصاحب مرض السكري من النوع الثاني. وهي نموذج يمكن سحبه على غيرها الكثير من النساء والرجال في مصر، التي تأتي ضمن أكثر عشر دول إصابة بالسكري. وتقول تقديرات إن أعداد المصابين بالسكري في مصر، قد تصل إلى عشرة ملايين حالة.

تقول الطبيبة المتخصصة مونيكا البحيري، إن مرض السكري، والذي هو مرض مزمن، "يمكن التحكم فيه باتباع نظام غذائي صحي، ما يستدعي تغيير شامل لنمط الحياة، وهذا أمر مكلف جدًا في مصر".

الغذاء في مصر
النمط الغذائي في مصر، يعتمد على النشويات بشكل أساسي

ويتحدث الصحفي بيير دوران، في صحيفة لوموند ديبلوماتيك الفرنسية عن علاقة الفقر بالغذاء غير الصحي في الحالة لمصرية، فيقول: "كلما زاد الفقر اتجهت الأسرة إلى زيادة حصيلتها من الغذاء المشبع حتى لو لم يكن صحيًا، فلم يعد يكفي الأسرة الواحدة المكونة من ستة أفراد 20 رغيفًا يوميًا".

هذا ولا تأخذ منظومة التموين والدعم الغذائي المصرية، في اعتبارها منظور التغذية الصحية، لذا فإن السلع الغذائية المدعمة تشتمل على الزيت والسكر والأرز والمعكرونة، وجميعها أغذية تحتوي نسبة كبيرة من النشويات التي لا تمنح الجسم فائدة غذائية متوازنة، وفي المقابل تساهم في زيادة مستوى السمنة، التي اشتكى منها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

تقول الطبيبة مونيكا البحيري لـ"ألترا صوت"، إنه في حين أن زجاجة زيت منخفض الجودة وكيس أرز، يمكنهما أن يشبعا فردًا لمدة أربعة أيام بتكلفة قليلة لا تضاهي كيلو من الفاكهة أو البقول أو الخضروات الطازجة عالية الجودة، وهكذا، وفقًا للبحيري "يجبر المشتري على اقتناء زجاجة الزيت وكيس الأرز، لأنه أوفر"، وعلى ما يبدو هكذا أيضًا تعمل منظومة الدعم الغذائي في مصر. 

وبحساب زجاجة الزيت منخفض الجودة التي تقل عن 20 جنيهًا، وكيس الأرز الذي لن يتجاوز سعره عشر جنيهات، فإن المشتري سيجعل من هذه الوجبة الموفرة والمشبعة أولوية على أن يشتري خضرًا وفاكهة وبقوليات، سيتجاوز حق القليل منها ما دفعه في الزيت والأرز، في حين أنه سيكفيه شبعًا مدة أقل.

أكثر من 15% من المصريين مصابين بالسكري

وضع الاتحاد الدولي لمرضى السكر، مصر من ضمن أعلى عشرة دول في العالم إصابة بالمرض المزمن، كما أشار الاتحاد في دراسة منشورة عن مرض السكري في مصر، إلى أن نسبة انتشار المرض في مصر تصل إلى 15.56% بين البالغين من سن 20 إلى 79 عامًا.

الغذاء في مصر
لا تأخذ منظومة التموين والدعم الغذائي المصرية، في اعتبارها منظور التغذية الصحية

وتشير مونيكا البحيري إلى أن المرض ظهر في مصر بين شريحة أصغر عمريًا مما كان معتادًا، وهي شريحة العشرينيات. وترجع ذلك إلى الاعتماد الكبير على أكل الشارع السريع، وإجمالًا نمط الحياة المشجع على الغذاء غير الصحي، المليء بالسكريات والدهون المشبعة.

التحايل على الفقر طريق الأمراض

تتحدث تقارير إخبارية عن أن 2019، عامٌ يستقبله الناس بخوف وحذر شديدين بسبب الارتفاعات المنتظر الجديدة في أسعار الوقود والكهرباء، وذلك على خلفية الشروط الاقتصادية التي يفرضها صندوق النقد الدولي لاستكمال شرائح القرض المعطى لمصر.

هذه الزيادات المنتظرة، ستتسبب بطبيعة الحال في زيادة أخرى في أسعار السلع الغذائية الأساسية، والتي تشمل الزيت والسكر والأرز والمعكرونة. فضلًا عن الارتفاع في أسعار الخضر والفاكهة الغالية بالفعل. وقد شهدت 2018 زيادات جنونية غير مبررة للبطاطس التي زاد سعرها في فترة ما إلى 150%، والطماطم التي يسميها المصريون في موروثهم الشعبي بـ"المجنونة" لعدم استقرار سعرها؛ وصل سعر الكيلو إلى 24 جنيهًا.

وبطبيعة الحال يدفع الفقر والحاجة إلى التحايل الغذائي لإشباع الجوع، وهكذا كان ديدن المصريين، من تقليل كميات الطعام، واللجوء إلى الغذاء قليل الأسعار وإن لم يكن صحيًا، كما سبق وذكرنا.

تتسبب الأنماط الغذائية الفقيرة إلى أخطر الإصابات الصحية، كما أنها سبب مباشر في زيادة مستويات السمنة

وتتسبب الأنماط الغذائية الفقيرة، أو المدفوعة بالفقر إلى أخطر الإصابات الصحية، كما أنها سبب مباشر في زيادة مستويات السمنة، للاعتماد في حالات غلاء الأسعار المبالغ فيها، إلى أنواعٍ من الأغذية غير متوازنة فيما تمده للجسد مما يحتاجه. وعادة ما يعتمد النمط الغذائي الفقير على النشويات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

أسواق بقايا الطعام في مصر.. كل ما تبقى للفقراء

الرعاية الصحية في مصر.. تدهور وحلول تنتظر التطبيق