الصحافة في اليمن.. قتل وسجن وتشريد في بيئة بلا حماية
16 فبراير 2026
لم تعد مهنة الصحافة في اليمن مجرد عمل مهني لنقل الحقيقة وله حريته وقيمته، بل تحولت خلال سنوات الحرب إلى مخاطرة يومية قد تكلف الصحفيين حياتهم أو مستقبلهم المهني والمعيشي.
مع استمرار الصراع وتعدد مراكز قوى النفوذ، وجد كثير من الصحفيين اليمنيين أنفسهم في مواجهة مباشرة مع جماعات مسلحة لا تعترف بالقانون أو بحرية العمل الإعلامي، الأمر الذي دفع العشرات إلى مغادرة البلاد أو هجر المهنة قسراً، بحثاً عن مصادر دخل بديلة في بيئات أكثر أماناً.
واقع مفروض بقوة الحرب
فرضت الحرب على الصحافة اليمنية واقعًا مختلفًا، فخلال أحد عشر عامًا جرى التعامل، من قبل جماعات مسلحة خارج نطاق الدولة، مع الصحفيين ومنتسبي المؤسسات الإعلامية بوصفهم أعداء؛ حيث قُتل الكثير منهم أثناء تغطياتهم الميدانية، وآخرون قضوا في عمليات تصفية متعددة الأوجه، فيما صدرت بحق بعضهم قرارات بالإعدام، وتعرض العشرات للاختطاف والتشريد.
هذه الانتهاكات المختلفة لم تقتصر على منطقة دون أخرى، بل امتدت على كامل الجغرافيا اليمنية، الأمر الذي انعكس على طبيعة التغطية الإعلامية ونقل الحقائق؛ حيث باتت الأخبار والقصص تُروى من طرف واحد وبِلون يرسمه المسيطر على الأرض، كما أُغلقت العديد من المؤسسات الإعلامية، وأُسكتت معظم الأصوات المستقلة.
فرضت الحرب على الصحافة اليمنية واقعًا مختلفًا، فخلال أحد عشر عامًا جرى التعامل، من قبل جماعات مسلحة خارج نطاق الدولة، مع الصحفيين ومنتسبي المؤسسات الإعلامية بوصفهم أعداء
127 حالة انتهاك خلال 2025
تضيق حرية الصحافة في اليمن سنة تلو أخرى، حيث شهدت خلال العام 2025 تراجعًا خطيرًا وفق ما وثقته نقابة الصحفيين اليمنيين، إذ تقول في تقريرها السنوي للعام ذاته إنها وثقت 127 حالة انتهاك استهدفت الصحفيين والإعلاميين في بيئة تتعدد فيها مراكز القرار وتتباين السلطات والنفوذ الأمني والسياسي.
وفي التقرير السنوي للنقابة، الذي حصل موقع "الترا صوت" على نسخة منه، فإن الانتهاكات تنوعت بين القتل والاعتقال التعسفي والاختطاف والتحريض والمحاكمات غير القانونية، إلى جانب قطع الرواتب، والاعتداء على الصحفيين وممتلكاتهم، ومنع التغطية، فضلاً عن حجب المواقع الإلكترونية.
16 حالة قتل
يكشف التقرير عن الجهات المسؤولة عن الانتهاكات، حيث تأتي الحكومة المعترف بها دوليًا، بمختلف مكوناتها، على رأس مرتكبي الانتهاكات بحق الصحفيين والمؤسسات الإعلامية في العام 2025 بواقع 53 حالة، وبما نسبته 42% من الإجمالي، تلتها جماعة الحوثي بعدد 43 حالة وبنسبة 33%، والاحتلال الإسرائيلي بواقع 16 حالة، ثم المجلس الانتقالي الجنوبي بـ9 حالات. كما سجل التقرير 4 حالات انتهاك أقدمت عليها جهات أهلية ودينية لم يسمِّها، وحالة واحدة لكل من السلطات السعودية وتنظيم القاعدة.
ويوضح تقرير نقابة الصحفيين اليمنيين أن حالات القتل، التي بلغت 16 حالة، ارتكب طيران الاحتلال الإسرائيلي منها 14 حالة قتل لصحفيين وفنيين بغارة جوية استهدفت مقر صحيفة "26 سبتمبر" بالعاصمة صنعاء، كما رصد التقرير مقتل صحفي على يد تنظيم القاعدة في محافظة حضرموت، وآخر في محافظة مأرب جراء قصف بطيران مُسيّر تابع لجماعة الحوثي.
وفيما يتعلق بالانتهاكات الجسدية، سجلت النقابة 12 حالة اعتداء، و10 حالات تهديد من قبل جماعات مسلحة، وحملات تحريض استهدفت الصحفيات والمذيعات.
وعلى صعيد الحريات، سجلت النقابة 31 حالة حجز حرية، شملت 13 اعتقالاً و10 اختطافات و3 ملاحقات، إضافة إلى 3 حالات إيقاف وحالتي احتجاز. وبين التقرير أن 12 صحفيًا لا يزالون رهن الاعتقال، بينهم 9 لدى الحوثيين، فيما يتوزع الآخرون لدى المجلس الانتقالي الجنوبي والسلطات السعودية. كما تم تسجيل 24 حالة محاكمات واستدعاءات قضائية وصفتها النقابة بالجائرة والمخالفة للمعايير الدولية.
التحديات الاقتصادية
تقول النقابة في تقريرها السنوي إن الصحفيين في اليمن يواجهون أيضًا واقعًا معيشيًا مريرًا. ووفقًا لنتائج الاستبيان، الذي شمل 213 صحفيًا وصحفية، فإن هناك تراجعًا خطيرًا في الأجور وهشاشة في الأمان الوظيفي؛ حيث بيّن الاستبيان أن 47.4% من الصحفيين يتقاضون في الشهر أقل من 150 دولارًا، فيما أن أكثر من 82% من المشمولين بالاستبيان لا يحصلون على إجازة سنوية مدفوعة، و85.4% لا يتمتعون بأي مزايا وظيفية مثل التأمين الصحي أو بدلات المخاطر.
ويبيّن التقرير أن 70% من عينة الاستبيان أوضحوا أنهم يمارسون أعمالًا إضافية لتأمين المعيشة، فيما تعرض 34.7% لانتهاكات في مكان العمل، بما في ذلك تفاوت الأجور وإيقاف الرواتب والفصل التعسفي والتهديدات المختلفة، بينما لم يحصل 65.7% على أي دعم قانوني من مؤسساتهم، بحسب تقرير نقابة الصحفيين اليمنيين.
عدالة غائبة
يكشف التقرير النقابي أن الأحكام القضائية الجائرة ضد الصحفيين اليمنيين تعكس خللًا كبيرًا في اختصاص المحاكم، وتجاوزًا وإغفالًا لمبادئ المحاكمة العادلة، إلى جانب الاعتماد على أدلة غير مهنية، وتجاوز مبدأ شخصية العقوبة. مشيرًا إلى أن سنوات الحرب شهدت إصدار عقوبات شديدة وغير متناسبة من قبل سلطات الأمر الواقع، بما في ذلك أحكام الإعدام في قضايا صحفية، وهو ما يشكل خرقًا صريحًا للدستور اليمني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
ويؤكد التقرير أن استمرار هذه الانتهاكات الأمنية والقانونية والاقتصادية يهدد استمرارية الصحافة في اليمن، ويضع مستقبل حرية التعبير على المحك، ويبرهن على أن بيئة العمل شديدة الخطورة.
شهادة من الواقع
في السياق، يقول الصحفي وليد عبدالواسع (أحد الذين طالتهم هذه الانتهاكات) إنه تعرض لهجوم وإحراق لمقر الصحيفة التي كان يعمل فيها بمدينة عدن جنوب اليمن، ما أسفر عن إصابته بكسور في ساقيه وعموده الفقري.
ويشير عبدالواسع في حديثه لموقع "الترا صوت" إلى أن الصراع القائم في اليمن دفع كثيرًا من الصحفيين إلى العمل في مهن شاقة، بعد أن أصبحت بيئة العمل الصحفي غير مناسبة إطلاقًا.
ويتابع الصحفي وليد عبدالواسع: "بعد إصابتي في العام 2019 نُقلت إلى جمهورية مصر العربية لتلقي العلاج، لكن تحت وطأة الظروف الاقتصادية والمعيشية اضطررت للعمل في أحد المطاعم اليمنية بدوام يصل إلى 12 ساعة يوميًا، وهي مهنة قاسية جدًا بالنظر إلى وضعي الصحي".
ما يعانيه الصحفي عبدالواسع هو مثال يعكس جانبًا من معاناة يعيشها الصحفيون اليمنيون الذين أجبرتهم الحرب على ترك مهنتهم لحماية أنفسهم أو الهروب من جحيمها إلى خارج حدود البلاد.
في ظل هذا الواقع المعقد، تعيش الصحافة اليمنية أسوأ مراحلها؛ حيث لم تعد الانتهاكات الأمنية وحدها ما يهدد حياة الصحفيين، بل إن هشاشة الوضع الاقتصادي، وفقدان مصادر الدخل، وتآكل الضمانات المهنية، وغياب الحماية القانونية، تجعل مستقبل هذه المهنة على المحك
من الميدان إلى المنفى القسري
من جانبه، يقول الصحفي المهاجر صقر الصنيدي لموقع "الترا صوت" إن الصحفيين اليمنيين كانوا قبل الحرب جميعًا في الداخل، ومن هم خارج البلاد لا يتجاوز عددهم أصابع اليد، لكن الأحداث وما رافقها من عداء للصحافة وجو قاتم أجبرتهم على المغادرة، فأصبحوا بالعشرات مشتتين في مختلف البلدان، ومجبرين على العمل في مهن أخرى، أو يكتبون من مسافة بعيدة عن معاناة الداخل، بحسب ما يقوله الصنيدي.
ويتابع: "كنت واحدًا ممن أُجبروا على مغادرة البلاد، وما أزال أحاول بكل طاقتي أن أبقى مرتبطًا بالشأن المحلي، رغم غياب الوسائل المتاحة، ومع ذلك فإن محاولاتي لا تتوقف، إيمانًا بأن الصحافة مهنة لا تنتهي بمجرد المغادرة، بل يبدأ معها فصل جديد من الشتات".
ويضيف الصحفي الصنيدي: "سيأتي يوم يعرف فيه جيل كامل حكاية الصحفيين اليمنيين المنفيين عن بلادهم، أولئك الذين تخلوا عن كل شيء، لكنهم لم يتخلوا عن واجبهم في الدفاع عن الرسالة التي آمنوا بها".
مطالبات بالحماية
في ظل هذا الواقع المعقد، تعيش الصحافة اليمنية أسوأ مراحلها؛ حيث لم تعد الانتهاكات الأمنية وحدها ما يهدد حياة الصحفيين، بل إن هشاشة الوضع الاقتصادي، وفقدان مصادر الدخل، وتآكل الضمانات المهنية، وغياب الحماية القانونية، تجعل مستقبل هذه المهنة على المحك، وتنذر بدفن الحقيقة وغياب صوت الناس.
وبينما يعمل الكثير من الصحفيين اليمنيين في الداخل تحت وطأة التهديد، يحاول آخرون في المنافي البقاء على صلة بقضايا بلادهم من مسافات بعيدة، في مشهد يكشف عن تحول العمل الصحفي من رسالة مهنية إلى معركة من أجل البقاء والاستمرار، وسط دعوات متزايدة من الصحفيين اليمنيين لموقف دولي حازم للضغط على مختلف الأطراف لوقف الانتهاكات وضمان الحماية اللازمة لحرية الصحافة.