الصحافة البيئية.. تهديدات مفاجئة من المال والسلطة

الصحافة البيئية.. تهديدات مفاجئة من المال والسلطة

13 صحفيًا بيئيًا قتلوا خلال الـ10 سنوات الماضية (Wikipedia - الترا صوت)

يميل الكثير من الناس إلى صورة ذهنية معينة وثابتة عند الحديث عن الصحافة البيئية وصحفييها، إذ يرى البعض أنهم يمثلون "الإيقاع الهزيل" للصحافة التي تهتم بالحديث عن العالم الطبيعي للأسماك والدلافين والدببة القطبية والطيور والأشجار النادرة والتغير المناخي.

رغم الصورة النمطية السائدة، إلا أن الصحفيين الذي يعملون عن تغطيات قصص بيئية، أحيانًا كثيرة يكونون معرضين لخطر القتل!

ولكن بعيدًا عن بيئات العمل التي يحمي فيها القانون الصحفيين إلى حد ما، هناك آخرون يعملون في أماكن تتلاشى فيها سيادة القانون، حيث موارد الأرض من بين المصادر القليلة للثروة والسلطة. 

اقرأ/ي أيضًا: وفق مؤشر "مراسلون بلا حدود".. العالم العربي هو الأخطر على الصحفيين!

وغالبًا ما يصطدم الصحفيون في أماكن مثل هذه بشركات تهتم أولًا وأخيرًا بمنفعتها، وتكون في معظم الأحيان مملوكة للسلطة أو حلفائها من الأجانب، بالإضافة إلى شبكة واسعة من المصالح المشتركة المتينة التي تم بناءها عبرعقود من المال الوفير غامض المصدر والمصير.

دور الصحفي في مثل هذه البيئات هو كسر الصمت المتواطىء عن شبكات المصالح تلك، وتعريتها للرأي العام، وبيان التأثير المباشر وغير المباشر لما تفعله على البيئة المحيطة بهم. 

وما يحدث في كثير من الأحيان، أنه حين تنتبه السلطات لما يفعله الصحفي، ترصده، وتهدده، وأحيانًا قد يكلفه الأمر حياته، كما أفادت لجنة حماية الصحفيين حول 13 صحفيًا قتلوا أثناء تغطيتهم قصص بيئية مهمة.

"الحقيقة تُلقي بظلالها الكثيفة على حياتي"

قبل وفاته، كتب الصحفي الهندي المخضرم جاجيندرا سينغ، على مواقع التواصل الاجتماعي منشورًا يكشف فيه تهديدات واجهها بسبب التحقيق الذي نشره حول استخراج المعادن في شمال الهند. هذا ما كشفته صحيفة الغارديان في قصة الصحفي الهندي ضمن سلسلة تحقيقات مطولة عن الدم المسفوك على عتبات قضايا البيئة في جميع أنحاء العالم.


الصحفي الهندي جاجيندرا سينغ

"العصابات والشرطة يطاردونني. كشف الحقيقة يلقي بظلاله الكثيفة على حياتي"، هكذا كتب سينغ، قبل أسبوعين من اقتحام منزله من قبل أفراد عصابة، سكبوا البنزين على جسده، وأحرقوه حيًا، ليموت لاحقًا متأثرًا بجراحه.

كان سينغ يحقق في عمليات الاستيلاء على الأراضي وزعم استخراج المعادن من نهر غارا، وهي أعمال تبلغ قيمتها مليارات الدولارات، وتوفر ما يصل إلى 50 مليار طن من المواد المعدنية اللازمة في البناء والتشييد. لكنها في حقيقة الأمر محظورة في عدد متزايد من الدول حول العالم، بحيث أصبح من الصعب تجاهل ما ينتج عن هذه الأعمال من تآكل لتربة النهر. 

ذروة قصة الصحفي الهندي تتمثل في ما خلصت إليه تحقيقات الشرطة، من أنه مات منتحرًا! ثم عرضت رشوة على العائلة بقيمة ثلاثة ملايين روبية هندية (34 ألف جنيه إسترليني) للسكوت، لكن العائلة رفضت.

يُذكر أنه منذ وفاة سينغ في 2015، قتل صحفيان آخران أثناء عملهما على تحقيقات حول استخراج المعادن في الهند.

الحياة ثمنًا للوجود في مسرح الجريمة

بالكاد يمكن رؤية الطريق المؤدية إلى أكبر مناجم النيكل في غواتيمالا، بسبب سحابة الغبار الأحمر التي تغطي الجو. إنها قضية أخرى ذات ارتباط وثيق بالتلوث البيئي وما نجم وسينجم عنه من تأثير على المناخ.

يعمل مصنع فينيكس في غواتيمالا على تصدير المعادن، وخصوصًا النيكل، إلى أوروبا، حيث يتم استخدامها في المصانع التي تنتج الفولاذ المقاوم للصدأ. والمشكلة هنا لا تتعلق فقط بالبيئة والمناخ، وإنما كذلك بمئات الأسر التي تسكن في محيط مناجم النيكل، والمهددة بالترحيل بسبب توسع أعمال الحفر والاستخراج.


من مظاهرات القرويين التي تعاملت معها الشرطة بعنف

لذا، كانت هذه المنطقة مكانًا جاذبًا لصحفيين يعملان على قضايا البيئة، قبل اعتقالهما، بسبب عملهما. ما حدث أن الصحفيين الغواتيماليين كانا مشاركين في تحقيق أجرته الغارديان مع صحف أخرى مثل لوموند الفرنسية وإلباييس الإسبانية وبرينسا كومنتاريا الغواتيمالية التي يعمل لصالحها الصحفيين. 

مراسل بيئي أم عسكري؟

خلال مسيرة عملها الصحفي التي تمتد إلى 24 عامًا، غطت عبير السعدي أحداث كبرى، بما في ذلك الحرب في العراق والثورة في مصر والحرب في سوريا، لكن الموقف الذي تعرضت فيه للضرب من البلطجية كان أثناء التحقيق في قصة عن شركات كيماوية تتخلص من النفايات السامة في نهر النيل. 

قالت عبير السعدي، فيما نقلته منظمة مراسلون بلا حدود في تقرير أعدته عن الصحفيين البيئيين: "كان الأمر صعوبة عندما قررت كشف التلوث. قامت المصانع باستئجار بلطجية لضربي".

يقول أحد الصحفيين، إن الفارق بين المراسل الصحفي العسكري والبيئي، أن الأول يكون مستعدًا دائمًا!

يعلق أحد الصحفيين الكنديين، وهو ستيفن ليهي، الحاصل على عدة جوائز على مقالاته عن البيئة وكتابه "Your Water Footprint"؛ قائلًا إن "الفارق بين المراسل الصحفي العسكري والبيئي، هو أن الأول مستعد دائمًا".

 

اقرأ/ي أيضًا:

عصر "النيومكارثية".. عشق أمريكي للتجسس على الصحافة

كيف سيكون تأثير الذكاء الاصطناعي على الصحافة بعد 10 سنوات؟