الشّاعر هو النّاجي والمتورّط

الشّاعر هو النّاجي والمتورّط

لوحة لـ محجوب بن بلة/ الجزائر

يستضيف الشاعر العالم، عند نقطة علاقته بالنص، وبالحب وبالسياسة وبالمال أيضًا، فيكون الشاعر مستضيفًا لهؤلاء، وهو بيتهم، ويا لها من ضيافة تجلب الأعداء والفاقة والنفي! الضيافة كما يقول دريدا هي فعلٌ شعري، وكما يقول هولدرلين: "إقامتنا على الأرض، هي إقامة شعرية"، أي فعل ضيافةٍ مركّبٍ ومزدوج. وبهذا الفعل، يستطيع الشاعر مجاوزة الخيبات، ورفعها إلى الشعري، وأقول، يستطيع الشاعر بفعل الضيافة امتلاك ما يتعذّر عليه، ولكنّه لا يريد الانتصار ولا الفوز، لأنّهما نجاةٌ، ولا يريد أن يمثّل دور الناجي، يظلّ متورّطًا في العالم مبرّرًا الموت كضيافة أخيرة.

يتّفق قلم الرصاص مع فعل الضيافة بوصفه مقاومةً، تبدو هشّة ظاهريًا، ولكنّها كفعل الكتابة متينة، وكأحداث التاريخ قويةٌ ومعبّرة

الناجي ليس هو المتوّرط،، ويالبؤس الشاعر الذي لا يجيد فعل الضيافة، بمعنى، لا يجيد فعل الكتابة، وفعل الموت كحلٍّ أخير. الوجود ينفتح على الجود كما يقول ابن رشد، أي على فعل الضيافة. دريدا "أمّا أن تكون الضيافة لا نهائية أو لا تكون. إنها متّفقة مع استقبال فكرة اللانهائي، أي اللامشروط".

اقرأ/ي أيضًا: توَهَانُ الكتابة

وهكذا يتّفق قلم الرصاص مع فعل الضيافة بوصفه مقاومةً، تبدو هشّة ظاهريًا، ولكنّها كفعل الكتابة متينة، وكأحداث التاريخ قويةٌ ومعبّرة. وقلم الرصاص، باعتباره نزيهًا غير متكلفٍ، يفضلّه الشعراء على غيره من أدوات الكتابة، لارتباطه ميتافيزيقيًا بالبساطة والشرف والمقاومة، ممّا فيه من مقاومة ذاتية مستدامة، كالشمعة بفتيلها تضيء، بينما المصباح الكهربائي، يحتاج إلى زرٍ خارجي لعمله، إي يحتاج إلى قوّة خارجيّة، تسمح له بالعمل، وربّما، يصبح ذلك الزرّ، غزوًا خارجيًا يهدّد وظيفته التي نعتزّ بها، وهي فعل الإضاءة، مقارنة بالشمعة المحميّة بفتيلها.

الغزو، كما التهديد الخارجيّ، هما من أفعال الإضاءة. كلّ إضاءةٍ، لا توجد على رسلها، حتّى إضاءة الشمعة المعتمدة على ذاتها. ثمّة تهديدٌ خارجي هكذا لكلّ إضاءةٍ، وعلينا أن نحترس من المصابيح والشموع والمشاعل حتّى، إذا فكرنا بها عقائديًا وعلى ذلك النحو، هذا الاعتبار الأيديولوجي، سيحيل الوجود إلى نارٍ متلاطمة. علينا القبول بالتدخّل الخارجي إذًا، كما هو الزرّ في حالة المصباح، وعود الثقاب في حالة الشموع والمشاعل، ولا نخشى الغزو الخارجي، فهو بالتالي يمثّل الغريب وصفاته؛ لا بدّ من الغزو، يقع على كلّ فكرةٍ، وعلى كلّ مفهومٍ وكلّ روح.

يالسعادة النفوس التي تغزو، ثم تسمح للغازي أن يجول فيها في إطار استفادة والسماح بالمرور إلى كلا الجانبين، وليس في إطار تحكّم باتجاه واحد. كما يقول فالتر بنيامين "كلّ فعلٍ متمدّن، يسبقه فعلٌ بربري" وعليه، كلّ فعلٍ هو نتاج غزو؛ غازيًا أمّ مغزّوًا.

 

اقرأ/ي أيضًا:

ماذا يستطيع الأدب؟

كيف يفكر الشعراء؟