الشيطان مرّ بموسكو

الشيطان مرّ بموسكو

شيطان الرواية في ممر مبنى في موسكو

ما الذي يحدث إذا زار الشيطان مدينتنا؟ أي مدينة؟ ما الذي يحدث إذا زار الشيطان موسكو السوفييتية إبان حكم ستالين؟ جواب ميخائيل بولغاكوف كان متعدد الأوجه، لكنه يدور حول محور واحد: إننا نفقد السيطرة على مصائرنا، بل تحديداً، إننا نفقد إيماننا بقوتنا وجبروتنا البشري وتهتز قناعاتنا الثابتة.

ربما إطلاق قيمة وحيدة على رواية المعلم ومرغريتا، التي صدرت حديثاً ترجمةٌ جديدةٌ لها عن منشورات الجمل للسوري هفال يوسف، قد يكون خطيئة كبيرة بحق العمل الذي كرّس صاحبه عالمياً. لكن لا يسعنا تغطية طبقات المعنى التي تحملها الرواية من مواضيع الخطيئة والغرور والموت والمجتمع السوفييتي، وبخاصة الحياة الثقافية فيه، في مقال سريع.

تعرّي رواية المعلم ومرغريتا المظاهر الأخلاقية في المجتمع السوفييتي

العمل لا يبدأ بداية فخمة أو كبيرة عن زيارة الشيطان، بل هي بسيطة إلى درجة أنها تُشعرنا بأن الشيطان قد يمرّ بأي امرئ منا من دون أن يتمكن الأخير من ملاحظته أو معرفة كنهه. بكل بساطة، يظهر الشيطان عندما يتدخل، مقنّعاً بمظهر البروفيسور فولاند المتخصص في أعمال الشعوذة، في حديث حول المسيح يجري بين الشاعر الشاب بيزدومني والأديب برليوز رئيس رابطة الماسوليت الأدبية. هنا يحشر الشيطان/ فولاند نفسه في الحديث ويقص عليهم حكاية المسيح ابتداء من أسره ولقائه مع بيلاطس البنطي وانتهاء بمقتل يهوذا الخائن. ينقلنا بولغاكوف بذلك إلى زمن آخر ويسرد علينا رواية أخرى عن صلب المسيح، والأهم من ذلك عن بيلاطس البنطي الذي أصدر الحكم المباشر بإعدام الناصري، تخالف نسخة الإنجيل وأيضاً الرواية السوفييتية الرسمية عن الموضوع.

وبين مغامرات الشيطان وعبثه بمدينة موسكو ورجالاتها المثقفين وبين حكاية بيلاطس البنطي المتعاطفة معه والمستفزة للسائد، ننتقل إلى قصة حب بين كاتب يلقب بالمعلم وامرأة متزوجة تدعى مرغريتا. تتداخل الأحداث إلى درجة نكتشف فيها أن المعلم أيضاً كتب رواية عن بيلاطس النبطي، وأن خلاصه يكون على يد الشيطان نفسه، إذ تضطر مرغريتا إلى التعاقد معه لإنقاذ حبيبها من الأسر في مستشفى الأمراض العقلية.


منشورات الجمل

أثناء قراءة "المعلم ومرغريتا"، لا يمكننا تجاهل النَفَس الفاوستي الموجود فيها، إذ إن العملين يخوضان في وحول الشيطان وموضوع الخلاص. ولكن أيضاً لا يسعنا التغاضي عن التشابه في عملية الكتابة بين بولغاكوف وغوته. فقد استغرق الأخير سنوات عديدة حتى استطاع إنجاز رائعته فاوست، يشرع بكتابتها حيناً ويهجرها حيناً آخر. كذلك الأمر مع بولغاكوف، فقد اشتغل الكاتب الروسي بين عامي 1928 – 1940 من دون أن يتمكن من إنهاء صفحات "المعلم ومرغريتا" الأخيرة، الأمر الذي تولته زوجته بعد وفاته اعتماداً على المسودات والمخطوطات التي تركها بولغاكوف. لقد أنجز الأخير أربع مخطوطات للرواية، واكتمل العمل عام 1940، ولكن بسبب ظروف الرقابة لم ينشر العمل كاملاً إلا سنة 1967.

العمل أساساً هجاء للحكم السوفييتي، ومآل المجتمع والحياة الثقافية فيه، ويتوضح ذلك في تساؤل الشيطان أثناء عرضه السحري على مسرح موسكو إن كان الناس قد تغيروا. تساؤل عما قدّمه أو أنجزه الحكم الشيوعي الستاليني.

زيارة الشيطان لموسكو استهدفت بيروقراطيي وسطها الثقافي. إذ عمل على إهانتهم من دون رحمة، ودفعهم إلى السجون والمصحات العقلية، وحتى قتل بعضهم. لقد عرّى الشيطان المظاهر الأخلاقية في المجتمع، وفي مقابل الرصانة السوفييتية احتفى هو وأعوانه بالضحك والعُري. فافتداء المعلم كان بتخلص مرغريتا من رصانتها وطيرانها عارية فوق موسكو، ولعبها دور مضيفة في حفلة ضيوفها قدموا من الجحيم وهم أناس سيئو السمعة من مشاهير التاريخ.

تحدى بولغاكوف الفكر السوفييتي المكرّس للإلحاد واليقين العلمي، ليس بإثبات وجود الله، بل عبر حضور الشيطان. لم يكن الأمر بالنسبة إلى الكاتب تحدياً للإلحاد، إذ لا شيء في الرواية يثبت إيمان صاحبها، بل غرضه الأساسي كان عبر تحدي اليقينيات والمظاهر الأخلاقية الكاذبة والقمع والبيروقراطية، ومن يمكنه فعل ذلك أفضل من الشيطان؟