الشوف ينتفض.. روح الثورة اللبنانية التي تسري في الجبل

الشوف ينتفض.. روح الثورة اللبنانية التي تسري في الجبل

التحقت منطقة الشوف مبكرًا بالانتفاضة اللبنانية (ألترا صوت)

داخل خيمة بسيطة بقرية "بعقلين" على بُعد ساعة من العاصمة بيروت، وفي طقس بارد كعادة المنطقة الجبلية، التف العشرات حول المدفئة يتناقشون حول أزمة الدين والموقف من صندوق النقد الدولي وأهمية تنظيم الحراك الثوري. كانت تلك واحدة من الفعاليات الكثيرة التي غزت جبل الشوف خلال الشهور الماضية.

ما كان مشتركًا وواضحًا، في تلك الخيمة وفي محيطها، أن المنطقة التي عاشت لسنوات طويلة تحت سطوة "الزعيم"، تخرج من ظله بحلة جديدة، وبأفق أوسع

قبل أربعة شهور، وتحديدًا في 17 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، كان جبل الشوف، المعقل الرئيسي للطائفة الدرزية في لبنان، يعيش في كنف عدة رموز سياسية، يأتي على رأسهم وليد بيك جنبلاط، زعيم الطائفة ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، والذي شكل الجبل مصدر قوته ونفوذه لعقود طويلة منذ اغتيال والده، الزعيم اللبناني التاريخي كمال جنبلاط عام 1977.

اقرأ/ي أيضًا: دفعة جديدة على حساب اللبنانيين: ما الذي سيحدث بعد تسديد اليوروبوندز؟

عبر مجموعة نسائية مغلقة في موقع فيسبوك تُسمى "Ladies in Shouf"، غير سياسية بالمرة، تداولت نساء وفتيات الجبل ما يحدث من انفجار شعبي في بيروت العاصمة وعدة مناطق أخرى في لبنان. ولما كان الجبل وأهله يعيشون الواقع المشترك لكل المناطق اللبنانية، من أزمات اقتصادية وشحن طائفي ورزح تحت نير الزعامات، قرر عدد من عضوات المجموعة إطلاق مسيرة صباح اليوم التالي، الجمعة 18 تشرين الأول/أكتوبر، من بقعاتا، العاصمة الاقتصادية للجبل، نحو النُصُب التذكاري لشهداء الجبل عند دوار بعقلين – بيت الدين.

في صباح اليوم التالي انطلقت المسيرة من عشرات النساء وأطفالهن التحاقًا بانتفاضة اللبنانيين التي لطالما راودت خيالهم منذ ربيع الثورات العربية عام 2011. تفاجأت المشاركات بوجود عناصر حزبية تابعة للحزب الاشتراكي تمنعهن من إكمال المسيرة نحو النُصُب التذكاري، وحاولوا تحويل مجراها إلى بيت الدين، حيث المقر الصيفي لرئيس الجمهورية.

"لقد أراد الحزب أن يُبعد الحراك عنه ويوجهه نحو بيت الدين حتى يظهر حراك الجبل بأنه موجه ضد العونية، إلا أننا رفضنا ذلك وأكملنا مسيرتنا من طريق أخرى حتى وصلنا عند نُصُب الشهداء، حتى نقول بأن الحزب الاشتراكي وزعيمه هو أحد أهم أضلع الفساد في لبنان، وجزء أصيل من شعار الانتفاضة كلن يعني كلن"، تقول إحدى المشاركات في المسيرة.

وعند النُصُب، كانت المتظاهرات المفعمات بالحماس يقفن بأعلام لبنان فقط، ربما للمرة الأول ليس في تاريخ الجبل وحسب وإنما في تاريخ لبنان الذي لطالما عُرف بالأعلام الحزبية. إلا أن أعضاء الحزب لم يستسلموا، وحاولوا إنزالهن إلى بيت الدين أكثر من مرة، أو الاندساس داخل المظاهرة ومنع ترديد هتاف "كلن يعني كلن"، والذي أُضيف له عبارة "جنبلاط واحد منن"، ليقوم رئيس الحزب الاشتراكي سريعًا بالدعوة إلى مظاهرة عند نفس المكان، وفجأة تمتلئ الساحة بمتظاهرين يحملون أعلام الحزب الاشتراكي ويهتفون ضد ميشال عون رئيس الجمهورية.

وفي بعقلين، حيث تم اغتيال كمال جنبلاط، نصب الثوار خيمتهم الدائمة. "لقد فطنا إلى خطة جنبلاط بالدفع نحو التظاهر في العاصمة بيروت أو في عاصمة الشوف بيت الدين ذات الأغلبية المسيحية، ومقر القصر الجمهوري، لأنه أراد أن يُبعد الحراك عن مراكز نفوذه وعدم المساس به، إلا أننا أفشلنا خطته وأصبحت بعقلين هي مركز انتفاضة الشوف، لنقول بأن جنبلاط هو أحد أسباب الانهيار الذي وصل إليه لبنان وهو أحد أكبر الفاسدين بالدولة". يقول أحد المعتصمين بالخيمة.

ويُضيف في حديث لـ "ألترا صوت"، "إن أهل الجبل عاشوا عقودًا تحت سيطرة جنبلاط، الذي خلط بين ما هو طائفي وما هو سياسي، ليظل زعيمًا للجبل ومستفيدًا بشكل كبير، ورغم الحالة الاقتصادية الصعبة التي يعيشها الكثير من أهل الجبل لا يزالون ينظرون إليه على أنه زعيمهم وأباهم".

وخلال الشهور الأربعة الماضية تعرض المتمردون على القبضة الجنبلاطية إلى الكثير من التحرشات. "لقد حاولوا إحراق خيمة الاعتصام، افتعال المشاكل مع المتظاهرين، إفساد الفعاليات السياسية والاعتداء على المعارضين، بجانب النبذ والمقاطعة التي تُشن على رموز الحراك، وصلت إلى عدم البيع والشراء منهم ومحاصرتهم. إن الناس موجوعون ولكنهم خائفون، لقد مثل لهم الزعيم المنطقة الآمنة والحماية من الآخر الذي لطالما تمت شيطنته بشحن طائفي شديد، وخوف من فشل الحراك وخسران رضا الزعيم وما يستتبعه من خسارات اجتماعية ومعيشية". تقول مشاركة أخرى في حراك الجبل لـ "ألترا صوت".

داخل خيمة الاعتصام نفسها، انعقدت مساء الأربعاء حلقة نقاشية حول وضع المصارف وسبل حماية المودعين بحضور أحد أعضاء حملة "الدفاع عن المودعين"، وأحد أعضاء حملة "مش دافعين" التي تدعو لتوقف المواطنين عن دفع الرسوم للدولة للضغط عليها لتنفيذ مطالب الحراك.

يقول أحد المتحدثين إن هذا الأسبوع هو نقطة مفصلية في مسيرة الانتفاضة والثورة، فخلال أيام ستشرع الحكومة الجديدة في المُضي في برنامجها الاقتصادي باللجوء إلى صندوق النقد الدولي، إكمالًا للسير على نفس النمط الذي اتبعته الحكومات السابقة، وبنفس برنامج السلطة الحاكمة ومصرف لبنان.

يضيف آخر: "نحن ضد صندوق النقد الدولي لأنه تاريخيًا أثبت أن سياساته مدمرة للمجتمع مثلما حدث في اليونان، فالصندوق يتبع سياسات تقشفية لا تحل الأزمة بل تزيدها تأزمًا، وحتى أمريكا نفسها أم الرأسمالية لم تلجأ للتقشف في أزمتها بل على العكس ضخت المليارات للإنفاق على المؤسسات والبرامج الاجتماعية. وهذا التقشف المرجو من الحكومة لن يُنتج عنه سوى زيادة في فقر الناس، وزيادة مداخيل الدولة التي يعد بها الصندوق لن تكون عن طريق محاربة الفساد والاحتكار وإنما عن طريق بيع أصول الدولة وزيادة الضرائب، لذا فإننا نرفض برنامج الحكومة وعلى رأسه اللجوء لصندوق النقد الدولي".

خلال أيام ستشرع الحكومة الجديدة في المُضي في برنامجها الاقتصادي باللجوء إلى صندوق النقد الدولي، إكمالًا للسير على نفس النمط الذي اتبعته الحكومات السابقة

كان هناك آراء عديدة، ونقاشات متنوعة، بيد أن ما كان مشتركًا وواضحًا، في تلك الخيمة وفي محيطها، أن المنطقة التي عاشت لسنوات طويلة تحت سطوة "الزعيم"، تخرج من ظله بحلة جديدة، وبأفق أوسع هذه المرة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 "يسقط حكم المصرف".. عقدة رياض سلامة في منشار الاقتصاد اللبناني

 التشبيح يخيم فوق بيروت.. الأمن والميليشيات يعتدون على المنتفضين