"الشخصية الليبية: ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة".. حفر في عمق المجتمع الليبي

غلاف كتاب "الشخصية الليبية: ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة" (ألترا صوت)

يمثل تناول المسألة الليبية، على ضوء حالة الاحتراب الأهلي وتفكك المؤسسات السياسية وترهّل الدّولة، بالاكتفاء بالعنصر السياسي، من حيث الدوافع والمظاهر والمآلات، تناولًا قاصرًا على الحفر في عمق المسألة لتبيّن جذورها وفهم خيوطها ومن ثم للمضي نحو معالجة عميقة. إذ لا تشهد ليبيا منذ ثورة شباط/فبراير 2011 مجرّد أزمة سياسية على ضوء مأزق الانتقال الديمقراطي، ذلك أن هذه الأزمة ليست بدورها إلا نتيجة لما هو أعمق: انخرام النسيج المجتمعي على ضوء ما مثلته الثورة من مسّ للتوازنات داخل المجتمع القبلي، وهو ما أنتج بالتبعية مسارًا جديدًا ليس لإعادة بناء النظام السياسي، كالحالة التونسية أو المصرية المجاورتين غربًا وشرقًا، بل لإعادة بناء توافق مجتمعي يأخذ بعين الاعتبار التوازنات والصراعات والمصالح، وإعادة صياغة مشروع وطني جامع داخل إطار الدولة.

إن الحفر السوسيولوجي الأنثروبولوجي، مبحثًا وأدوات، لا غنى عنه لفهم المسألة الليبية، وضمن هذا المجهود، قدم الباحث التونسي في علم الاجتماع المنصف وناس كتابًا بعنوان "الشخصية الليبية.. ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة"

في هذا الجانب، إن الحفر السوسيولوجي الأنثروبولوجي، مبحثًا وأدوات، لا غنى عنه لفهم المسألة الليبية، وضمن هذا المجهود، قدم الباحث التونسي في علم الاجتماع المنصف وناس كتابًا بعنوان "الشخصية الليبية.. ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة" الصادر عن "الدار المتوسطية للنشر" عام 2013، والأكاديمي، الذي يشغل حاليًا خطة مدير مركز البحوث الاجتماعية والاقتصادية بتونس (عمومي) هو من أهم المختصين في ديناميكيات التغير السياسي والاجتماعي في المغرب العربي وتحديدًا في ليبيا.

اقرأ/ي أيضًا: ماذا يريد حفتر من حملته العسكرية على طرابلس؟

وجمع وناس في كتابه بين اهتمامه الأكاديمي بمبحث "الشخصية القاعدية" ودراساته المتخصصة في الشأن الليبي، وهو بهذا المعنى قدم كتابًا تراكميًا معرفيًا. إذ سبق وصدر له، في مبحث الشخصية القاعدية، مؤلف "الشخصية التونسية: محاولة في فهم الشخصية العربية" عام 2010، وصدر له، ليبيًا، عام 2009 "العسكر والنخب والتحديث في ليبيا المعاصرة" (باللغة الفرنسية) ثم صدر تحت إشرافه عام 2012 كتاب "التاريخ المجهول العلاقات الليبية الفرنسية في فزان 1943-1956"، وقدم عام 2014 "الانتفاضة وإعادة البناء في ليبيا" (باللغة الفرنسية)، وآخر إسهاماته السوسيولوجية حول ليبيا هو مؤلف "ليبيا التي رأيت ليبيا التي أرى: محنة بلد" عام 2017، والذي تضمن خلاصاته لدراسته للمجتمع الليبي طيلة العقود الأخيرة.

المنطلق والمنهجية والمفهوم.. الحذر أولًا

رغم تناوله السابق لمبحث الشخصية القاعدية في كتابه "الشخصية التونسية"، حافظ وناس على حذر بيّن في طرق هذا المبحث الأنجلوسكسوني الذي لا تكاد توجد حوله أدبيات فرنسية كما يؤكد، وهو مفهوم مبناه دراسة لتراكم تاريخي واجتماعي واقتصادي للمجتمع لتتبيّن صعوبته النظرية وبالخصوص تطبيقاته الميدانية، ولذلك يحذر وناس، منذ البداية، أن دراسته تطمح إلى "خلق حالة من الحيرة الفكرية"، وأن غاية الكتاب هي "خلق فرصة للحوار".

وهو ينطلق من سؤالين مؤسسين كمنطلقين لدراسته أولُا حول مدى إمكانية تطبيق مفهوم الشخصية القاعدية كمدخل لفهم الشخصية الليبية، وثانيًا حول خصائص المجتمع الليبي إعمالًا لهذا المفهوم، ويقدم فرضيتين أولهما أن القبيلة في ليبيا ظلت قوية ومؤثرة رغم ارتفاع نسبة التحضر على مدى عقود، وثانيهما أن فهم ما حصل في 2011 يظل قاصرًا دون العودة للخصائص الأساسية لليبيين التي تتحكم في السلوك العام. واستعراضًا لمنهجيته، عرض الباحث 3 أدوات أولها الملاحظة الأنثروبولجية بفضل دراسته للمجتمع الليبي على مدى 25 سنة، والمقابلات التي ظهر بعضها بأسماء مختصرة إضافة لتحليل مضمون عينة من الشعر الشعبي اُستعرضت للدلالة على الخصائص.

وإن ما اختار الحفر في مبحث نادر الطرق والأهم وعر المضي نحوه بالنظر لنتائجه الخطيرة، خصص الكاتب المبحثين الأولين لتعريف "الشخصية القاعدية" و"البداوة" رفعًا لكل "الالتباسات" بخصوصهما.

إذ يقدّم الشخصية القاعدية بأنها "حالة متوسطة من التماثل النفسي والثقافي والاجتماعي التي يتم التعبير عنها من خلال سلوكيات وعلاقات اجتماعية وإنسانية شبه متماثلة وشبه مشتركة على الرغم من وجود تباينات واختلافات"، متبنيًا بذلك التعريف المقدّم من الباحث الأمريكي أبرام كاردنر، وهو يعّدّ من مؤسسي الأنثروبولوجيا الثقافية في القرن العشرين.

 ويدعو، وناس، في هذا السياق، أولًا إلى تمييز الشخصية القاعدية باعتبارها محصّلة لكل التراكمات التاريخية والاجتماعية والإثنية عن مفاهيم أخرى مثل "الشخصية الوطنية" أو "الشخصية القومية" التي تُقدم بتعريفات مغايرة، وثانيًا إلى التأكيد بأن الشخصية القاعدية ليست شمولية أو تحديدية أي أنها ملزمة لكل الأفراد، مشددًا على أنها تحمل عنصري التغيّر والتحرّك مع محيطها.

وأما بخصوص مفهوم "البداوة"، ينتقد الكاتب التعريف الخلدوني الذي يقصر البداوة على أنها نظام اجتماعي ومعيشي، مقدمًا ما يسمّيها "البداوة الذهنية" بالتأكيد على نظام القيم والتمثلات باعتبار البداوة هي "نظام ذهني وثقافي ورمزي"، بل يذهب إلى الفصل بين القاعدة الاقتصادية والاجتماعية للبداوة ومفهومها المعروض، باعتبار أن البداوة "ثقافة قبل كل شيء". وفي هذا الإطار، يضرب مثلًا عن تعايش ما يسميها البداوة الذهنية مع مظاهر الاقتصاد الرأسمالي في ظل الريع النفطي في ليبيا.

ماهي خصائص الشخصية الليبية؟

يشير ونّاس إلى فكرة عامة، يشدد أنها قابلة للنقاش تاريخيًا ومجتمعيًا، مفادها أن البدو هم أكثر قابلية للثورة وأكثر ثورية قياسًا للحضر، مبينًا أن هذه الفكرة سيطرت، فعلًا، على مختلف مفاصل الدولة الليبية بسيطرة "بدويين" على الإدارة والتعامل معها كـ"غنيمة"، منتهيًا إلى أن الشخصية القاعدية البدوية "هي غالبًا ارتجالية". ويشير، في هذا الجانب، أن المؤتمرات الشعبية، والتي ضمت البدو أساسًا، كانت ترى "الثورة الإدارية" التي أعلنها معمر القذافي عام 1973 دعوة لتجاوز القوانين ما أدى لتهيئة الأرضية لخدمة مصالح القبيلة على حساب حوكمة إدارة المال العام إنفاذًا لعنصر "الغلبة".

ويطرح المؤلف، في هذا الجانب، توظيف القبيلة في التعبئة والرقابة السياسيتين وهو ما أعاق التحديث المجتمعي وفق تقديره، في ظل اعتبار البداوة "هوية وانتماء ونمط حياة". ويتحدث هنا عما يسميها "البدونة السياسية" ضاربًا مثل فلسفة نظام القذافي لتدمير الدولة التقليدية تحقيقًا للديمقراطية الشعبية وفق تصوره، معتبرًا أن هذه الفلسفة لم تكن مفهومة ولا واضحة كيفية التفعيل، مبينًا في المقابل، أن تبني البدو لها جاء انطلاقًا من رفضهم أصلًا لفكرة الدولة والقانون إعلاء لمنطق الغنيمة.

ووفق منطق تبادل المصالح بين القبيلة والنظام، قدم وناس عرضًا لمدن وقبائل استفادت من هذه المقايضة، منها مصراتة والزنتان والقذاذفة والعبيدات، مقابل تضرر قوى أخرى على غرار الطرابلسية والأمازيغ وزوارة وترهونة، ولكن لم يعرض لنا معايير ثنائية القوى المستفيدة وأخرى غير المستفيدة من المعادلة التي حكم بها نظام القذافي الليبيين لنحو 4 عقود عدا أنها تمت وفق "الثقل السياسي والاجتماعي للقبائل والمدن". ولم يستعرض قياسات وبيانات على غرار التطور العمراني أو الاقتصادي أو المالي للمدن أو ولوج القبائل للسلطة وغنى أفرادها. فإن كان مثلًا المؤكد أن "القذاذفة" استفادت من النظام باعتبارها قبيلة رأس النظام، لازال لا يُعلم، على وجه التحديد لا التخمين أو الخلاصة الجاهزة، عن التباينات في هذه الاستفادة بين الطرابلسية والمصراتيين مثلًا أو بين الزنتان وزوارة إلخ، ذك أن "الثقل" لا يمكن أن يكون عنصرًا تفسيريًا لوحده خاصة مع تشابه الثقل السياسي والاجتماعي للقوى المعنية من الجهتين.

وفي ثنائية طلب النظام للولاء وطلب القبيلة للغنيمة، يحّل منطق الزبونية السياسية كنتيجة ختامية بين الطلبين، ويطرح هنا وناس مسألتين قال عن الأولى إنها تحتاج لدراسة خاصة فيما أكد أن الأخرى لم تُدرس بما فيه الكفاية وهما: أولًا مسألة مشاركة القبيلة في الإدارة دون بلوغ مسألة الشريك للنظام، وثانيًا مسألة مساهمة القبيلة في إنجاح البدونة.

والخاصية الثانية للشخصية القاعدية الليبية وفق الكاتب، هي أنها غير ميالة للاستقرار ما أدى لعدم استقرار مجتمعي وداخل الدولة بفضل دعم النظام للنمط البدوي، وهي خاصية مؤدية بذلك للبراغماتية وفق تقديره. ويقفز مباشرة وناس، هنا، للتأكيد بأن انحياز عدد من القبائل لانتفاضة 2011 جاء لـ"تدخل الحلف الأطلسي الذي جعل الأمور واضحة منذ البداية"، ويضرب مثلًا لقبيلة الزنتان الحليفة للنظام والتي تحالفت ضده من باب "الواقعية السياسية" وفق تعبيره كما تحالفت سابقًا مع الأتراك.

وتتمثل الخاصية الثالثة والأبرز بوصف الكاتب وهي أن الليبي يتميز بـ"روح الغلبة والحرص على الهيمنة والواقعية في التعامل مع الآخرين" مشيرًا لتباين مواقع التحالفات إبان فترة الاحتلال الإيطالي، ويعرّج، في هذا الجانب، لتوظيف الكرم في المجتمع القبلي للإكراه الرمزي. ويسرد الكاتب، في هامش مطوّل، لقراءة تقول إن ليبيا لم تجابه أزماتها التاريخية إلا اعتمادًا على العامل الخارجي عارضًا أمثلة تمتد من القرن 13 وصولًا لـ"انتفاضة فبراير 2011". ثم يعرض الخاصية الرابعة وهي الشمول "التي تعني السيطرة والاستفراد ورفض المنافسة وإزاحة المنافس مهما كانت الأدوات المستعملة"، وهي خاصية يربطها مباشرة بعدم قبول الاختلاف.

ثم ينتقل الكتاب للغلبة، التي ظهرت خطًا أفقيًا حاضنًا لأغلب الخاصيات، بتعريفها أنها "مجموعة من الحلقات المتشابكة والمترابطة التي تضمن للفاعل ريعًا رمزيًا وقوّة إكراهية تحقق السطوة وإعادة إنتاج القبيلة ومنع تدفق الثروة من جهة والحيلولة دون وصولها إلى الفئات الخصمة"، ليربطها بالخاصية الخامسة وهي الاستثارية لتحلّ ثنائية الاحتكار في مواجهة العدالة في التوزيع، والهيمنة في مواجهة التقاسم التشاركي. ولكن يرفض وناس هنا اختزال 17 فبراير بأنها "ثأر بين القبائل التي استأثرت بالثروة البترولية" معتبرًا أنها "مطالبة بمراجعة الأداء السياسي برمته وبتوزيع عادل للثروات الوطنية".

ويستطرد الكتاب بالتتابع في عرض الخاصية السادسة وهي "عدم الميل للجهد وضعف الحماس للإنتاج والعمل"، مع الإشارة أن البدو يحتقرون الحرف والصناعة مقابل تفضيل الرعي والتجارة، ليأتي الربط تباعًا بين هذه الخاصية وحقيقة الريع البترولي الذي ولد "ظاهرة الاسترخاء في العمل والإنتاج" وعلامته التسيب الإداري. ويقول الكاتب هنا إن من شروط إعادة بناء النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في ليبيا هو إعادة الاعتبار لقيمة العمل لبناء شخصية قاعدية منتجة.

فيما تتمثل الخاصية السابعة للشخصية القاعدية البدوية بأنها "غير مراكمة وغير حريصة على حسن توظيف التجارب"، ويضرب المؤلف مثالًا لافتًا بالإحالة لظاهرة إدارية زمن نظام معمر القذافي وهي أن الدولة عاشت دون تراكم وثائقي ودون أرشيفات منظمة ومحيّنة، ويُربط، في هذا الجانب، بانتشار الرواية الشفوية وبالخصوص لمسألة قال وناس إنها "غير مدروسة" وهي دور الشفوي في تدمير العلاقات القبائلية وفي إعادة ما يسميها إنتاج جغرافيا الأحقاد عبر استذكار الذاكرة الدموية (مصراتة/ورفلة ومصراتة/تاورغاء/الزنتان/المشاشية إلخ).

ثم خصص الكاتب محورًا حول القبيلة والتحديث في ليبيا محوره فرضية تقول إن التحديث "السطحي" أو "المادي" الذي يقوم على توفير متطلبات البنية التحتية، تمايزًا عن التحديث "العميق" الذي يستهدف تغيير البنيات الذهنية والاجتماعية، لا يفضي ضرورة إلى تفكيك المجتمع القبلي متحدثًا عن "تعايش" و"تأقلم" القبيلة مع هذا الصنف من التحديث، مقدما فرضية ثانية أن القبلية نفسها يمكن أن تتلاءم مع التحدث المادي "لأنه لا يفكك بنيتها العميقة" مقابل رفضها للتحديث العميق. ويأتي، التدليل في هذا المقام، بفشل التحديث الثقافي العميق رغم "الاختيارات الثورية" زمن النظام السابق، وإن يأتي السؤال هنا حول مدى اعتبار هذه الخيارات ذاتها استهدفت التحديث العميق وهي التي وظفت القبيلة في إطار البدونة السياسية. وهذه النقطة لا يغفل عنها وناس حينما يقرّ أن الأداء السياسي وزبونية القبيلة أديا لتشكل بيئة طاردة للتحديث الاجتماعي العميق وهو ما اقضى إلى ما سماه "التحديث المأزوم أو المعطل".

وبعد أن عدّ المؤلف خاصيات سبع حلت في باب تحليل لإخلالات سلبية في المجتمع الليبي، خير وناس أن يختم كتابه بعنوان أخير هو "شخصية قابلة لإعادة البناء" متحدثًا عن خاصية ثامنة وأخيرة وهي "عبقرية التكيف والتحول" على غرار الشخصية القاعدية التونسية، وكأنه أراد أن يرمي بنقطة ضوء في عتمة كتابه، منتشيًا أن الشخصية الليبية "قادرة على تجاوز معوقاتها" في صورة توفر برنامج وطني شامل لإعادة بناء المجتمع الليبي. ولكن وكأن وناس يأبى، في النهاية، أن يلعب دور الحالم متمسكًا بدور الكاشف عن الحقيقة دون مواربة حينما يقيّد حلمه بأن "القول إن المجتمع الليبي قادر على أن يتجاوز بسهولة الانشطارات والشروح قول متفائل ويحتاج إلى إثبات" رغم تأكيده أن "إعادة البناء ممكنة".

مقدمة مفيدة لتشريح المجتمع الليبي

حاول المنصف وناس في "الشخصية الليبية.. ثالوث القبلية والغنيمة والغلبة" أن يقدم فتحًا أوليًا في تطبيق مبحث الشخصية القاعدية على المجتمع الليبي، وقد اتكأ في مغامرته البحثية أساسًا على خبرته عبر ملاحظاته التراكمية في دراسة ديناميكيات هذا المجتمع منذ عقود، وهي مغامرة جريئة بالنظر إلى نتائجها الخطيرة مع عرض لخاصيات مجتمع غلب عليها المدلول السلبي.

ويساعد الكتاب بذلك في فتح آفاق لتعميق دراسة الحالة الليبية بماهي ليست حالة أزمة انتقال ديمقراطي على مستوى السياسي، بقدر ما هي أزمة مجتمع استعاد، خاصة طيلة السنوات الأخيرة، عنصره البنيوي الجوهري، القبيلة، للفعل الاجتماعي والسياسي، عبر استعادة جغرافيا الأحقاد التاريخية المتوارثة عبر الأجيال والعنف الرمزي والمادي الممارس. وعليه إن جهد إعادة البناء الحقيقي والمستدام في البلاد لا يعني بناء هياكل مؤسساتية دولتية بل إعادة صياغة مشروع وطني يقوم على معالجة شروخ الماضي وجبر الأضرار اللازمة، إن استلزم ذلك، لتحقيق مصالحة وطنية شاملة تنهي الاحتراب الأهلي الذي عمقه العنصر الخارجي.

ولعل الكتاب، من جانب آخر، يمثل مدخلًا نظريًا مفيدًا في علاقة بمسألة البداوة السياسية التي لا تنحصر فقط في الحالة الليبية، بل يمكن توسيعها في المجال العربي خاصة في البلدان التي لا زالت تبني أنظمتها السياسية شرعيتها على توظيف القبيلة دون القدرة بعد على صهرها ضمن هوية وطنية متجاوزة للقبلي.

اقرأ/ي أيضًا: مغامرة حفتر في طرابلس.. ما فرص طرفي الصراع؟

وتظل في الأثناء النتائج المستخلصة، ورغم خطورتها على النحو المذكور، ليست عناصر يقينية باعتبار أن الكتاب لم يستخرجها على أساس دراسات ميدانية دقيقة بقدر ما انبنت على الملاحظة الأنثروبولوجية لصاحبه، وهذه اللايقينية يشدد عليها وناس بنفسه، فالكتاب هو دفع للحوار وخلاصاته قابلة للنقاش.

لعل الكتاب، من جانب آخر، يمثل مدخلًا نظريًا مفيدًا في علاقة بمسألة البداوة السياسية التي لا تنحصر فقط في الحالة الليبية، بل يمكن توسيعها في المجال العربي 

ولكن يظل المعروض مغامرة تُحسب لصحابه بتوظيف مبحث الشخصية القاعدية، ضمن الأنثروبولوجيا الثقافية، الذي يندر طرقها في المكتبة العربية، في تشريح المجتمع الليبي وبالخصوص في ظل السياق المتوتر الراهن. وهو طرق قد يشجع الباحثين على تناول مسائل ذات علاقة منها تاريخية الذهنية البدوية التي أشار إليها الكاتب، أو تعميق النظر في مسائل مرتبطة عمومًا بفاعلية العنصر الاجتماعي الثقافي في ليبيا وذلك بفضل هذا المؤلف الذي يعد مقدّمة نظرية مفيدة للباحثين والفاعلين السياسيين، داخل ليبيا وخارجها، لاستبيان عناصر وأدوات لا غنى عنها في رسم السياسات والحلول الملائمة للتعامل مع الأزمة السياسية والاجتماعية في هذا البلد.