ultracheck
  1. الترا لايت

الشباب العربي يتصدر العالم في البطالة

14 أغسطس 2026
حين لا تفتح الشهادة باب الوظيفة
حين لا تفتح الشهادة باب الوظيفة (Getty)
وفاء الدهمانيوفاء الدهماني

شهادة في اليد، وطلبات توظيف بلا رد، وانتظار قد يطول لأشهر أو سنوات. هكذا تبدأ الحياة المهنية لعدد كبير من الشباب في المنطقة العربية، حيث لا تكفي سنوات الدراسة دائماً للوصول إلى أول وظيفة.

وتضع أحدث بيانات منظمة العمل الدولية المنطقة العربية في صدارة العالم في بطالة الشباب؛ إذ بلغ المعدل 26.2% عام 2025، مقابل 12.4% عالمياً. والأزمة أوسع من البطالة نفسها: واحد من كل ثلاثة شباب في الدول العربية وشمال أفريقيا خارج العمل أو التعليم أو التدريب.

وراء هذه النسب فجوة تتسع بين جيل شاب يدخل سوق العمل بأعداد كبيرة، واقتصادات لا تخلق ما يكفي من الوظائف لاستيعابه. ومع تراجع بعض الوظائف التقليدية وتسارع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، تصبح مهمة الحصول على أول فرصة مهنية أكثر تعقيداً.

لماذا يتصدر الشباب العربي العالم في البطالة؟ وأين تتعطل الرحلة من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل؟

لا تقف أسباب أزمة التشغيل عند ضعف خلق الوظائف وحده. فبحسب منظمة العمل الدولية، أسهم تباطؤ النمو الاقتصادي، وضعف خلق فرص العمل، والتوترات الجيوسياسية، والتغير التكنولوجي السريع في زيادة صعوبة انتقال الشباب إلى سوق العمل بين عامي 2023 و2025.

شباب أكثر.. وظائف أقل

تملك المنطقة العربية قاعدة سكانية شابة هي من الأكبر عالمياً، لكن هذه الميزة الديموغرافية تصطدم بسوق عمل لا يولّد وظائف بالسرعة الكافية لاستيعاب الداخلين الجدد إليه. ويشير البنك الدولي إلى أن نحو 300 مليون شاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سيكونون في سن طلب العمل بحلول عام 2050، ما يجعل قدرة الاقتصادات على خلق وظائف منتجة واحدة من أهم رهانات المنطقة خلال العقود المقبلة.

ولا تقف أسباب أزمة التشغيل عند ضعف خلق الوظائف وحده. فبحسب منظمة العمل الدولية، أسهم تباطؤ النمو الاقتصادي، وضعف خلق فرص العمل، والتوترات الجيوسياسية، والتغير التكنولوجي السريع في زيادة صعوبة انتقال الشباب إلى سوق العمل بين عامي 2023 و2025. وفي الدول العربية، انعكست هذه الضغوط في وصول بطالة الشباب إلى 26.2% عام 2025، وهي الأعلى عالمياً.

وفي شمال أفريقيا، تبدو الفجوة أكثر وضوحاً؛ إذ يشير البنك الأفريقي للتنمية إلى أن نحو 31.2% من الشباب خارج العمل أو التعليم أو التدريب، رغم امتلاك المنطقة قاعدة شابة وقطاعات اقتصادية قادرة على النمو. ويربط البنك معالجة الأزمة بزيادة الاستثمار في المهارات، وريادة الأعمال، والوصول إلى التمويل، وتعزيز قدرة القطاع الخاص على خلق وظائف منتجة.

لذلك، لا تختصر أزمة البطالة في عدد الوظائف المتاحة فقط، بل في الفجوة بين أعداد الشباب الذين يدخلون سوق العمل، والمهارات التي يحملونها، والوظائف التي تستطيع الاقتصادات العربية خلقها ونوعيتها. وكلما اتسعت هذه الفجوة، طال انتظار الشباب لأول فرصة، وتحولت الميزة الديموغرافية من فرصة للنمو إلى ضغط متزايد على الاقتصاد والمجتمع.

من الجامعة إلى البطالة

الحصول على شهادة جامعية لا يعني بالضرورة الوصول إلى وظيفة. ففي عدد من اقتصادات المنطقة، يجد الخريجون أنفسهم أمام سوق عمل لا تتطابق احتياجاته دائماً مع ما اكتسبوه خلال سنوات الدراسة، بينما تظل الوظائف الجيدة محدودة مقارنة بأعداد الداخلين الجدد إلى السوق.

ويشير البنك الدولي إلى أن المنطقة تواجه عجزاً في الوظائف الجيدة ومشكلة في توافق المهارات مع احتياجات سوق العمل، فيما لم يتحول التوسع في التعليم إلى زيادة مماثلة في فرص العمل. ويظهر تحليل للبنك أن نحو 60% من سكان المنطقة حصلوا على الأقل على تعليم ثانوي أدنى، لكن هذا التقدم التعليمي لم يتحول بالقدر نفسه إلى فرص توظيف.

وتزداد صعوبة الانتقال من التعليم إلى العمل مع تغير طبيعة الوظائف نفسها. فقد أظهر تقرير منظمة العمل الدولية أن وظائف كانت تمثل مدخلاً تقليدياً للشباب، مثل الأعمال الكتابية والإدارية والخدمات والمبيعات وبعض وظائف التصنيع والمهن التقنية، تشهد تراجعاً منذ عام 2023، بينما يتزايد الطلب على مهارات مرتبطة بالعلوم والتكنولوجيا والهندسة والصحة.

وهكذا يجد الشاب نفسه أمام فجوة مزدوجة: تعليم لا يضمن الوصول إلى الوظيفة، وسوق عمل يتغير بسرعة أكبر من قدرة كثير من أنظمة التعليم والتدريب على مواكبته. ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مزيد من المهن، تصبح معركة الشباب العربي مزدوجة أيضاً: الحصول على أول فرصة، ثم امتلاك المهارات التي تسمح لهم بالبقاء فيها.

البطالة ليست القصة كاملة

تكشف فئة الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب، المعروفة اختصاراً بـNEET، جانباً آخر من الأزمة. فقد بلغت نسبتها عالمياً 20% عام 2025، أي أن نحو شاب واحد من كل خمسة في هذه الفئة العمرية لم يكن يعمل أو يدرس أو يتلقى تدريباً، ليصل عددهم إلى أكثر من 257 مليون شاب.

وفي الدول العربية وشمال أفريقيا، تبدو الصورة أكثر حدة؛ إذ كان واحد من كل ثلاثة شباب على الأقل خارج العمل أو التعليم أو التدريب عام 2025. وهذه النسبة لا تقيس البطالة فقط، بل تكشف حجم الشباب الذين لا يشاركون في أي من المسارات الرئيسية التي تقود عادةً إلى الاستقلال الاقتصادي وبناء المسار المهني.

وتزداد خطورة هذه الفئة لأن البقاء خارج العمل والتعليم والتدريب يعني خسارة فرص اكتساب الخبرة والمهارات في مرحلة مبكرة من الحياة المهنية. ومع مرور الوقت، قد تصبح العودة إلى سوق العمل أكثر صعوبة، خصوصاً في سوق تتغير فيه المهارات المطلوبة والوظائف المتاحة بوتيرة متسارعة.

شمال أفريقيا.. أزمة داخل الأزمة

لا تتوزع أزمة تشغيل الشباب بالتساوي داخل المنطقة العربية. ففي شمال أفريقيا، بلغ معدل بطالة الشباب 22.6% عام 2025، فيما كان واحد من كل ثلاثة شباب على الأقل خارج العمل أو التعليم أو التدريب، ما يضع المنطقة ضمن أكثر المناطق التي تواجه صعوبة في تحويل نمو السكان الشباب إلى فرص اقتصادية.

وتقدم بيانات البنك الأفريقي للتنمية مؤشراً إضافياً على حجم الفجوة؛ إذ يقدّر أن 31.2% من شباب شمال أفريقيا كانوا خارج العمل والتعليم والتدريب. ويربط البنك معالجة هذه المشكلة بالحاجة إلى تطوير المهارات، ودعم ريادة الأعمال، وتحسين الوصول إلى التمويل، وتعزيز قدرة القطاع الخاص على خلق وظائف أكثر شمولاً.

والفارق بين مؤشري البطالة وNEET مهم هنا: الشاب العاطل يبحث عن وظيفة، أما الشاب المصنف ضمن NEET فقد يكون خارج سوق العمل والتعليم والتدريب معاً. لذلك، فإن قياس البطالة وحده لا يرسم الصورة الكاملة عن مدى ابتعاد الشباب عن المسار الاقتصادي والمهني.

التكنولوجيا تعيد رسم سوق العمل

لا يواجه الشباب أزمة نقص الوظائف فقط، بل سوق عمل يتغير بسرعة. ويشير تقرير منظمة العمل الدولية إلى أن التقدم التكنولوجي، بما فيه الذكاء الاصطناعي، يعيد تشكيل الوظائف المتاحة أمام الشباب، بالتزامن مع تراجع عدد من الوظائف التي كانت تمثل مدخلاً تقليدياً إلى سوق العمل، خصوصاً الوظائف متوسطة المهارات.

وتقدّر المنظمة أن 6.1% من الوظائف التي يشغلها الشباب بين 15 و29 عاماً تقع ضمن المهن شديدة التعرض للتغيرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. ويتداخل كثير من هذه الوظائف مع الأعمال الكتابية والإدارية، التي شهدت تراجعاً في أعدادها بالنسبة إلى الشباب منذ عام 2023، ما يزيد صعوبة حصولهم على أول فرصة مهنية.

لكن التقرير لا يرى التكنولوجيا باعتبارها تهديداً فقط. فبينما تتراجع بعض الوظائف، يستمر الطلب في النمو على مهن عالية المهارات في مجالات مثل العلوم والهندسة والصحة. وهذا يضع الشباب أمام تحدٍ جديد: ليس فقط العثور على وظيفة، وإنما امتلاك المهارات التي يحتاجها سوق العمل الذي يتشكل الآن.

وتحذر منظمة العمل الدولية من أن التعامل مع هذا التحول لا يمكن أن يقتصر على التعليم التقليدي، بل يتطلب زيادة الاستثمار في المهارات، والتعلم مدى الحياة، والحماية الاجتماعية، حتى يتمكن الشباب من التكيف مع التغير التكنولوجي والاستفادة من الفرص الجديدة بدلاً من أن يصبحوا من أكثر الفئات تأثراً بها.

في المنطقة العربية، لا يبدو التحدي مجرد خفض نسبة البطالة في جداول الإحصاء، بل بناء طريق واضح من التعليم والتدريب إلى وظيفة منتجة ومستقرة.

من البطالة إلى العمل اللائق

حتى العثور على وظيفة لا يعني بالضرورة انتهاء الأزمة. ففي البلدان منخفضة الدخل والبلدان متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا، يعمل نحو 9 من كل 10 شباب عاملين بين 15 و29 عاماً في التشغيل غير المنظم، ما يحد من حصولهم على دخل مستقر وحماية اجتماعية وحقوق كافية في العمل.

ولهذا تركز منظمة العمل الدولية على مفهوم العمل اللائق، وليس مجرد خفض أرقام البطالة. ويشمل ذلك توفير وظائف تمنح الشباب دخلاً مستقراً، وحماية اجتماعية، وحقوقاً في العمل، وفرصة لبناء مسار مهني مستدام.

وتدعو المنظمة إلى الاستثمار في التعليم الجيد، والتعلم مدى الحياة، وبرامج التلمذة المهنية، وتحسين خدمات التشغيل، وتوسيع الحماية الاجتماعية، إلى جانب سياسات اقتصادية قادرة على خلق المزيد من الوظائف اللائقة.

وفي المنطقة العربية، لا يبدو التحدي مجرد خفض نسبة البطالة في جداول الإحصاء، بل بناء طريق واضح من التعليم والتدريب إلى وظيفة منتجة ومستقرة. فالمشكلة ليست في أن المنطقة تفتقر إلى الشباب، وإنما في قدرتها على تحويل هذه الكتلة الشبابية الكبيرة إلى قوة اقتصادية قادرة على مواكبة سوق عمل يتغير بسرعة.

كلمات مفتاحية
الذكاء الاصطناعي

65% من "جيل Z" يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي للمشورة الطبية

كشف استطلاع واسع النطاق أن غالبية أفراد "جيل Z" في المملكة المتحدة باتوا يفضلون روبوتات المحادثة والذكاء الاصطناعي على الأطباء للحصول على المشورة الطبية

غابرييل بيريز

الرهان على كلمات ترامب يورّط موظفًا سابقًا في البيت الأبيض

تعين على موظف سابق بالبيت الأبيض دفع قرابة 170 ألف دولار أميركي، بسبب مراهنته على كلمات سيقولها ترامب في خطاباته

يورو فيجن

احتجاجًا على مشاركة إسرائيل.. هيئة البث الهولندية تقاطع "يورو فيجن 2027"

قرار هولندا ليس جديدًا تمامًا، إذ لم تشارك في نسخة 2026 للسبب نفسه، وبالتالي تغيب عن المسابقة الأوروبية للنسخة الثانية تواليًا

الليالي البيضاء.. من دوستويفسكي إلى BookTok
أدب

الليالي البيضاء لدوستويفسكي: كيف أعاد "تيك توك" الرواية إلى الواجهة؟

في ليلة هادئة من ليالي سان بطرسبورغ، كان رجل وحيد يمشي بلا وجهة، كأنه يبحث في شوارع المدينة عن شيء لا يعرف له اسمًا

فيلم "عطلة منتصف الشتاء"
أفلام

فيلم "عطلة منتصف الشتاء".. الماضي يسافر معنا

الفيلم جيد جدًا، بالنسبة لي على الأقل، لأنه لا يتحدث عن الحرب تقريبًا. لا يعيد سردها ولا يحولها إلى درس في السياسة أو التاريخ

صورة تعبيرية
مجتمع

إن كنت تريد تعزيز سعادتك وحماية دماغك.. لا تأكل بمفردك

قد لا يحتاج تحسين الصحة النفسية والرفاهية دائمًا إلى حمية غذائية جديدة أو ممارسة رياضية شاقة، فبعض الفوائد قد تبدأ من عادة يومية قديمة وبسيطة، هي تناول الطعام برفقة الآخرين

تلوث
علوم

الحرائق وموجات الحر تهددان جودة الهواء عالميًا.. تحذير أممي من أزمة صحية متفاقمة

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أن الدخان الناتج عن الحرائق أصبح مصدرًا متزايدًا للتلوث، حتى في مناطق نجحت في خفض انبعاثات الصناعة والنقل