الشباب السوري الديمقراطي؟

الشباب السوري الديمقراطي؟

تمام عزام/ سوريا

خرج الشباب السوري إلى الشارع في خضم الزخم الثوري العربي في عام 2011 ليطالب بحقوقه في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وبعد أربع سنوات من حراكه المدني، يبدو الشعب السوري بعيدًا جدًا عن تحقيق أهدافه المشروعة التي خرج من أجلها. وبل أصبح بحاجة إلى عقود من الزمن، ليضمن أمنه الشخصي، ويتوفر له الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ولكن ماذا عن ذلك التيار الشبابي المدني الديمقراطي الذي هَبّ في وجه الاستبداد في ربيع عام 2011؟

بعد أربع سنوات من حراكه المدني، يبدو الشعب السوري بعيدًا جدًا عن تحقيق أهدافه المشروعة التي خرج من أجلها

عندما تعجز القوى السياسية التقليدية عن القيام بواجباتها في النهوض بمهمات إجراءات عملية التحول الديمقراطي. تظهر حركات اجتماعية جديدة، تتولى هذه الدينامية المعقدة، وهذا لا يعني نجاحها بالضرورة في هذه المهمة في النهاية. وعلى الرغم من أن القوى السياسية التقليدية السورية، ترهلت وعجزت عن القيام بهذه المهمة، وبل حتى عن تنظيم وقفة احتجاجية، لم تعرف سوريا هذا النمط من الحركات الاجتماعية العابرة للأيديولوجيات. ويعزى ذلك إلى سببين، يتعلق الأول بدرجة الاستبداد السياسي الذي احتكر المجال العام وأخضع المجال الخاص بالمراقبة والتخويف، وهيمن على كافة مؤسسات الدولة، فأغلق كافة القنوات السياسية النظامية والغير نظامية لأي حراك سياسي. وبذلك تقاعست السلطة السياسية عن دورها في بناء وتطوير المجتمع، وعجز المجتمع عن تطوير قدراته الذاتية بخلق مؤسسات وحركات جديدة بديلة عن الأطر التقليدية.

أما السبب الآخر فيتعلق بتبني السلطة السياسية السورية لأيديولوجيا قومية عربية تقوم على محاولة استمداد شرعيتها من دعم المقاومة في فلسطين ولبنان والعراق. وهو ما ينسجم مع الرأي العام العربي والسوري في تبني والتضامن مع القضايا القومية العربية. إن من يراقب حفريات الثورة المصرية، سيجد أن القضية الفلسطينية والموقف السلبي للنظام المصري منها، لعبت دورًا مركزيًا في توليد الحركات الاجتماعية العابرة للأيديولوجية التي أدى تجمعها إلى ولادة الثورة المصرية.

فقد ولدت حركة  كفاية في عام 2004 من إعادة الزخم الاحتجاجي للشارع المصري للتضامن مع القضية الفلسطينية بشكل خاص والقضايا القومية عامة (الانتفاضة الفلسطينية عام 2000- مجزرة جنين 2002- احتلال العراق 2003). وُلِدَ من رحم حركة كفاية المصرية حركة "شباب من أجل التغيير" ومن ثم انتشرت الحركات الشبابية في مصر ( 6 أبريل- كلنا خالد سعيد – حركة شباب من أجل العدالة والحرية...). أما في سورية، فقد كانت السلطة هي التي تنظم تلك "المسيرات" للتضامن مع القضايا القومية، ولذلك لم تستدعي هذه الأحداث القومية التنديد بالموقف السوري منها. فغابت الثقافة الاحتجاجية في الشارع السوري، وغابت معها تلك الحركات الاجتماعية. ولذلك من يراقب المظاهرات في حمص وجبلة واللاذقية في الشهرين الأوائل من عمر الانتفاضة السورية، سيجد أنها تشبه التشجيع في مباريات كرة القدم، لأن أبناءها، لم يعتادوا التجمع والتجمهر إلا في الملاعب الرياضية.

لم يترك العنف السلطوي والعنف المسلح المضاد مساحة لحرية الرأي أو الخطاب المدني

أدى غياب هذا النوع من الحركات الاجتماعية في سوريا إلى عدم وجود تيار، يخلق ويولد حركات ومبادرات شبابية، تسهم في عملية التحول الديمقراطي في مرحلتي ما قبل الانتفاضة وما بعدها. ظهرت الحركات الشبابية في سورية في نيسان/أبريل 2011، لترتيب وتنسيق المظاهرات والاحتجاجات في إطار الانتفاضة السورية. كانت "لجان التنسيق المحلية" أولى هذه الحركات، وقد مثلت النخب الشبابية التي انطلقت منها المظاهرات والاعتصامات، وقد غلب عليها الطابع العلماني. لكن الاستقطاب الإسلامي/العلماني الذي عم دول ثورات الوطن العربي، أصاب الانتفاضة سورية أيضًا حتى قبل أن تحقق أهدافها، فتشكلت حركة جديدة هي "اتحاد تنسيقيات الثورة" التي غلب عليها الطابع الإسلامي. ومن ثم تشرذم الشباب السوري الديمقراطي الغير محزب سابقًا في معمعة تشتت المعارضة التقليدية، وخضع لحساباتها السياسية، وخلافاتها التاريخية، وحساسياتها الشخصية.

لم يترك العنف السلطوي والعنف المسلح المضاد خلال الأزمة المسلحة مساحة لحرية الرأي والتعبير أو الخطاب المدني والديمقراطي في الواقع الميداني. حيث عرفت السلطة السياسية قمعها للانتفاضة بأنها "حرب على الإرهاب"، فاستمرت باعتقال الشباب المنتفض حتى امتلأت السجون السورية بهم. بينما تحول جزء كبير من هؤلاء الشباب إلى لاجئين في مختلف دول الجوار السوري وباقي دول العالم مع ابتلاع البحر المتوسط للمئات منهم. وفي المقابل، أخضعت الحركات المسلحة المعارضة الشباب السوري الذين لا يتبنون أيديولوجياتها، فتحولوا إلى العمل الإغاثي والإعلامي، أو انسحبوا من العمل السياسي إلى مخيمات اللجوء، فغابت أراؤهم وأفكارهم وأحلامهم، ليبحثوا عن فرص عمل أو قوارب هجرة غير شرعية أو فرص هجرة شرعية لاستكمال تعليمهم.

إن هذا لا يعني عدم وجود شباب سوري ديمقراطي، لكنه مشتت وغائب أو مهيمن عليه من قوى سياسية ودولية ومقموع من حركات مسلحة غير ديمقراطية، حولته إلى صوت من أصوات المفقودين.  استطاعت القوى الثورية الشبابية في مصر، توليد الشرارة الأولى للثورة المصرية، فانضم لها الشعب المصري، والحركات والأحزاب السياسية التقليدية لاحقًا. ولأنها كانت موحدة ومنسجمة مع ذاتها ومع مشروعها الديمقراطي، ومتجاوزة للحساسيات الإيديولوجية، استطاعت هزيمة الاستبداد العسكري وإسقاط رأس هرمه. لكنها عندما تشتت، ودخلت في ترهات المعارضة التقليدية وحساسياتها الأيديولوجية، عاد الاستبداد العسكري المصري، ليتلاعب بها، ويستعيد السلطة من جديد في يوليو / تموز 2013. أما سوريا الديمقراطية، والتي يجب عليها أن تستفيد من الدرس المصري، فما زالت تنتظر مبادرات شعبية قوامها الشباب، تحمل برنامجًا ديمقراطيًا من جديد، تراعى فيه مصالح جميع القوى الاجتماعية والاقتصادية السورية ضمن الإطار الوطني السوري، تستعاد فيه شعارات ثورة عام 2011، ليحقق التفافًا شعبيًا حوله، بعيدًا عن المصالح الإقليمية والدولية.