الشباب الجزائري والانتخابات البلدية.. فرص مُعلقة أمام فقدان الجدوى

الشباب الجزائري والانتخابات البلدية.. فرص مُعلقة أمام فقدان الجدوى

تعرف الانتخابات البلدية الجزائرية تدنيًا في نسب ترشح الشباب (فايز نورالدين/ أ.ف.ب)

في العادة، يهتمّ الشّارع الجزائري بالانتخابات البلدية المعروفة بالانتخابات المحلية، أكثر من اهتمامه بالانتخابات البرلمانية والرئاسية وكذا الاستفتاءات المتعلّقة بتعديل الدّستور. ويتجلّى الفرق في هذا الاهتمام في نسب المشاركة.

عبدالحميد إيزة، الأمين العام لبلدية رويبة الواقعة على بعد 20 كيلومترًا شرق العاصمة الجزائر، يُبرر هذا السلوك الانتخابي بقوله: "يلتصق المجلس البلدي بالحياة المباشرة للمواطن، لذلك فإن إحساسه بالمسؤولية المدنية تجاهها يكون أكبر"، مُضيفًا في حديثه لـ"ألترا صوت"، سببًا آخر هو: "المترشحون لهذه الانتخابات هم أبناء المنطقة نفسها، وعادةً ما يراهنون على الحشد القبلي".

صحيح أن قانون الانتخابات البلدية يسمح بترشح الشباب من 23 عامًا، لكن ذلك لم يرفع من نسبة إقبال الشباب على الترشح

وتضم الجزائر 1541 بلدية، موزعة على 49 محافظة. وتحكمها مجالس يتمّ انتخابها كلّ خمس سنوات. وقد أعلنت المديرية العامّة للحريات والشؤون القانونية، على مستوى وزارة الدّاخلية المشرف المباشر على الانتخابات في الجزائر، أن الأجل القانوني لمراجعة القوائم الانتخابية، انتهى يوم 13 أيلول/سبتمبر الجاري، مُسفرًا عن تسجيل 691 ألفًا و727 ناخبًا جديدًا، بين من بلغ السنّ القانونية للانتخاب يوم 23 تشرين الثاني/نوفمبر القادم، ومن بلغها ولم يسبق له التسجيل في القوائم الانتخابية، بالإضافة إلى سحب 20.000 ملف ترشح من طرف 57 حزبًا معتمدًا وثلاث تحالفات، فضلًا عن القوائم الحرّة.

اقرأ/ي أيضًا: الحكم في الجزائر.. ممنوع دخول الشباب

ومن بين ما يشترطه قانون الانتخابات البلدية الجزائرية في المترشّح أن يكون بالغًا 23 عامًا يوم الاقتراع. أي أنه يمنح الفرصة باكرًا للرّاغبين من الشّباب في خوض تجربة سياسية محلية، عكس الترشح للرئاسيات، الذي يشترط أن يكون المترشح بالغًا ضعف هذه السنّ.

غير أن تخفيض العتبة العمرية للترشّح في الانتخابات البلدية الجزائرية، لم ترفع من نسبة إقبال الشباب على ذلك، لأسباب يقول الناشط عمر بونيف، لـ"الترا صوت" إنها لا تتعلّق بالشباب أنفسهم فقط، بل تتعدّى، وفقًا له، إلى طبيعة المنظومتين الحزبية والاجتماعية أيضًا.

يشرح بونيف فكرته، فيقول: "معظم الأحزاب المتواجدة في السّاحة تتغنّى بالتشبيب، لكنها ترشّح في النهاية ذوي النفوذ والأموال، وهذه ميزة لا تتوفّر في شريحة الشباب، الذين يجدون أنفسهم في ذيل القوائم من باب التزيين"، مُضيفًا: "كما أن الجزائريين يربطون النضج والكفاءة بالتقدّم في السنّ، لذلك يجد الشابّ الرّاغب في الترشّح صعوبة في جمع التوقيعات الأوّلية، التي يشترطها عليه قانون الترشّح".

اقترب "الترا صوت" من نخبة من الشباب في ولايات برج بوعريريج، شرقًا، وبومرداس، وسط، ومعسكر، غربًا، قصد استطلاع آرائهم في هذا الباب، فكان ثمة شبه إجماع على أن سبب تدنّي اهتمام الجيل الجديد بالترشح للانتخابات البلدية الجزائرية، يتعلّق بنظرته إلى الانتخابات نفسها في البلاد.

عن هذا يقول الجامعي مهدي حاجّي، إن فعل الانتخاب بات مرتبطًا باللاجدوى وغياب النزاهة في أذهان الشباب، لذا فالشباب يعبّرون عن رفضهم للواقع السّياسي بمقاطعة الانتخاب، "فكيف بالترشّح؟"، مُتسائلًا قبل أن يضيف: "إذا جمعنا أعمار رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ورئيس أركان الجيش، وقسمناها على ثلاثة، فإننا سنحصل على 76 عامًا. هل يمكن أن نقنع شابًا بإمكانية التغيير بمثل هذا المعطى؟".

يرى معظم الشباب الجزائري أن فعل الانتخاب بات مرتبطًا باللاجدوى وغياب النزاهة، لذا يعبرون عن رفضهم لهذا الواقع بمقاطعة الانتخابات

من جهته، يقول الممثل أمين رارة، إن هناك قانونين في الترشّح والتأهل، أحدهما يبقى حبرًا على ورق، وهو قانون الانتخابات الذي أقرّه البرلمان، وثانيهما هو المتحكّم في الواقع، والمحدّد لطبيعة من يترشّح ومن يفوز، على حد قوله.

اقرأ/ي أيضًا: القوائم الانتخابية في الجزائر.. لمن يدفع أكثر

يُسهب رارة في شرح فكرته، فيقول: "يكفي أن نلقي نظرة على ترتيب المرشحين في معظم القوائم، خاصّة التابعة للأحزاب الحاكمة، فسنجد رجل المال والأعمال المتسرّب من المدرسة، على رأس القائمة، والشاب الجامعي وذا الكفاءة في ذيلها، من غير أن يتحرّك المجتمع المدني ليفرض العكس"، مختتمًا حديثه لنا بقوله: "بات عمر المولود غداة الاستقلال الوطني عام 1962 خمسة وخمسين عامًا، فمتى ننتبه إلى تأخرنا في تحكيم عنصر العطاء عوض عنصر الولاء؟".

في المقابل، هناك الناشط الشاب الهادي زروقي، الذي ترشح للانتخابات البلدية الجزائرية، موضحًا دوافعه في حديثه لـ"ألترا صوت"، بقوله: "أنا لا أزكّي منظومة سياسية فاسدة بترشحي، بل أعارضها من الدّاخل. إذ كيف يحصل التغيير إذا زهدت الكفاءات الحقيقية في تولّي المسؤوليات؟ إننا بهذا المنطق السّلبي نمنح الفرصة للنفعيين وذوي الطموحات الريعية الضيّقة لأن يهيمنوا على المشهد".

ويلفت زروقي الانتباه إلى معطى جديد، هو دور التكنولوجيات الحديثة في الوصول إلى الناس، "وهو امتياز على الجيل الجديد أن يستغلّه، حتى يتخلّص من هيمنة السياسيين الكلاسكيين، الذين لا يتحرّكون إلا في المنصات والصالونات"، كما قال، داعيًا الشباب إلى الترشح لقطع الطريق على "الرداءة"، بتعبيره، وداعيًا غياهم أيضًا إلى الانتخاب "لمنح الفرصة للكفاءة".

في المقابل، هناك شباب جزائري يدعون لضرورة المشاركة في الانتخابات لـ"قطع الطريق على الرداءة ومنح الفرصة للكفاءة"

الناشط السياسي والمدون عبدالجليل حكيمي، له رأي متقارب مع رأي زروقي، إذ يقول، إنّ "الاستقالة المعنوية للكفاءات الشابّة من لعب دور في الخدمة العامّة صحّر المشهد السّياسي، وجعله عرضة لهيمنة فئة ذات مستوى تعليمي محدود، لا تملك برامجَ وأفكارًا حقيقية، بل إنها لا تعرف حتى الأدوار المنوطة بها"، وهذا ما أدّى، بحسبه، إلى حالة من المقاطعة الشعبية لفعل الانتخاب، والإضرار بالأفق التنموي، والانسداد والصّراع بين أعضاء المجالس.

 

اقرأ/ي أيضًا:

من المسؤول عن هذا التسيب الجزائري؟

أحزاب الجزائر تبحث عن شبابها