الشاويش كهرمان يقاوم "العربيزي" بـ"شرطة اللغة العربية"
9 يوليو 2026
يقول أمير الشعراء أحمد شوقي متغنيًا باللغة العربية: "إِنَّ الَّذي مَلَأَ اللُغاتِ مَحاسِناً - جَعَلَ الجَمالَ وَسَرَّهُ في الضادِ". وهي بحقٍّ أمُّ اللغات وأحد أقدمها، إذ تشير الأدلة إلى ظهورها في أوائل الألفية الأولى قبل الميلاد على نقوش حجرية، ويتحدث بها اليوم قرابة 550 مليون نسمة حول العالم؛ منهم 300 مليون لغتهم الأم، و250 مليوناً لغتهم الثانية.
اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين
اللغة هي جوهر الإنسان، وقد عرّفها ابن جني بأنها: "أصوات يعبّر بها كل قوم عن أغراضهم"، أما ابن سنان الخفاجي فذكر أنها ما تواضع عليه القوم. والسؤال هنا: هل اللغة شيء جامد أم متطور؟ تأتي الإجابة عند الباحث أبكر عبد البنات آدم في دراسته المعنونة بـ "وسائل التواصل الاجتماعي وأثرها على تعليم اللغة العربية في ظل التطور التكنولوجي"، حيث يصف اللغة بأنها وعاء فكر الأمة وعواطفها؛ ولما كانت العاطفة والفكر عرضةً للتغير، فإن اللغة تخضع بدورها للتطور وفق الظروف التي تمر بها الجماعة الإنسانية.
ولو لم تكن اللغة متغيرة لما استهلَّ مجمع اللغة العربية مقدمة الجزء السادس من كتاب"الألفاظ والأساليب"، الصادر عن لجنة أصول اللغة، بالقول:"اللغة كائن حي، حياتها الاستعمال، ونموها التداول وجريان ألفاظها على الألسن والأقلام، وتجدد خلاياها في ابتكار تراكيب جديدة، وخلق أساليب تعبيرية متميزة. والعربية المعاصرة بهذا المعنى دائبة الحركة، سريعة التطور، باذخة الثراء، يتجلى هذا في المعاني المحدثة التي تكتسبها كثير من الصيغ والأوزان الشائعة في الفصحى، وفي اتساع نطاقها ليضم إلى حصيلتها كثيرًا من ألفاظ الحياة اليومية وتراكيبها التي لها سندٌ يؤيدها من الفصيح، كما يتجلى أيضًا في قدرتها الهائلة على استيعاب لغة العلوم والفنون ومواكبتها".
تمثّل آخر إنجازات اللجنة السابقة في "مسرد الألفاظ والأساليب"، الذي يضم 1716 مفردة وتعبيرًا أُقِرَّت منذ تأسيس اللجنة عام 1971 حتى عام 2024. وقد أجاز المسرد مفردات حديثة، منها: الإلكترونية، ولوجستي، والدبلجة، والدوبلاج، والذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والفذلكة، والكاريزما، والهرتلة، و"الفُسْبُك"، مع إجازة جمعه بـ "فسابكُ" واشتقاق فعل "فسبكة".
انطلقت "شرطة اللغة العربية" في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2021 بأسلوب ساخر، يهدف إلى تصحيح الأخطاء الشائعة وتدقيقها، سواء في التداول اليومي، أو عبر الإنترنت، أو الإعلانات، أو المنشورات الحكومية
شرطة اللغة العربية
في ظل تراجع الممارسة السليمة للغة العربية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وشيوع أخطاء نحوية ولغوية باتت توصف -مغالطةً- بالصحيحة، برزت "شرطة اللغة العربية" لتتصدى لهذه الظاهرة، وهي مبادرة أجرينا مقابلة مُصغرة مع مؤسسها ومشرفها.
انطلقت "شرطة اللغة العربية" في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2021 بأسلوب ساخر، يهدف إلى تصحيح الأخطاء الشائعة وتدقيقها، سواء في التداول اليومي، أو عبر الإنترنت، أو الإعلانات، أو المنشورات الحكومية.
يقول مؤسس الصفحة الذي فضّل تعريف نفسه بلقب "الشاويش كهرمان" في حديثه لموقع "التراصوت": "أحب أن يعرفني الناس باسم الشاويش كهرمان؛ لأن جوهر العمل هو اللغة العربية". ورغم أن هذه المبادرة لم تكن تجربته الأولى، يوضح كهرمان أن دافعه الأساسي هو كونه عربيًا يرى في تعلم اللغة العربية واجبًا لا مسوّغ لإهماله، مبديًا تعجبه من حالة اللامبالاة المنتشرة في الكتابة بها.
ويضيف كهرمان أن تجربته السابقة تعود لسنوات مضت حين دشن حسابًا شخصيًا باسم "مالك شرطي اللغة"، كان يتفاعل من خلاله مع المنشورات والتعليقات التي تحتوي على أخطاء، لكنه لم يستمر في التجربة حينها بسبب انشغالاته العملية.
وفي عام 2021، تبلورت لديه فكرة إنشاء صفحة تُحرر "محاضر بالمخالفات" وتلقي القبض على "المخالفين" بأسلوب فكاهي وودود؛ بهدف إيصال المعلومة بطريقة مُحببة تبتعد عن أسلوب التلقين المُنَفِّر.
في البداية، اعتمدت آلية "الشرطة اللغوية" على رصد شخصية "الشاويش كهرمان" للمنشورات عبر منصات التواصل الاجتماعي، أو الإعلانات الطرقية، أو لافتات المحال التجارية. ومع مرور الوقت، تطور الأمر ليصبح المتابعون أنفسهم "شرطيين صالحين" يبلغون عن أي مخالفة لغوية يواجهونها، بحسب تعبيره.
وتعد وسائل الإعلام والصحافة، والإعلانات، والمؤسسات الحكومية، والمشاهير من أكثر الجهات التي تكثر فيها الأخطاء الإملائية، لا سيما الخلط بين همزتي الوصل والقطع، والتباس التاء المربوطة بالهاء، فضلًا عن الأخطاء الشائعة في صيغة "الصلاة على النبي".
"العربيزي" وأخطاء مشاهير التواصل الاجتماعي
حذرت دراسة أبكر من تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على اللغة العربية، نتيجة انتشار المصطلحات المختصرة وشيوع الأخطاء الإملائية؛ كتفشي كتابة همزة الوصل بدلا من القطع، والهاء بدلًا من التاء المربوطة. كما حذرت من تأثير اللغات الأجنبية، وتحديدًا الإنجليزية، التي بات بعض الشباب يستخدمونها للتعبير عن مفردات عربية، وهي ظاهرة عُرفت بـ "العربيزي"؛ وهي لغة دردشة غير رسمية تستخدم الحروف والأرقام الإنجليزية لكتابة الكلمات العربية بنطقها، وقد ظهرت لتسهيل التواصل عبر الأجهزة والإنترنت.
وعلى الرغم من أن التكنولوجيا توفر في وقتنا الحالي أدوات سهلة للتصويب والتدقيق، وتتيح اهتمامًا متزايدًا بتلافي الأخطاء، إلا أن "الشاويش كهرمان" لا يزال يصحح أخطاء العديد من المشاهير في منشوراتهم الرسمية، مثل الفنان مراد مكرم، وميشيل ميلاد، والمؤثر إسلام فوزي وغيرهم. وفي أغلب الأحيان، يقوم المسؤول عن صفحة المشهور بتصحيح الخطأ دون تواصل مباشر، ويضيف كهرمان مازحًا: "أحيانًا يتواصل معنا بعض المخطئين، وبعد تصويب الخطأ ننشر محضر تصالح".
ولعل أغرب وأجمل رد فعل تلقاه كهرمان، بحسب وصفه، كان من الدكتور عمرو خالد، الذي تواصل مع صفحتهم بعد رصدهم لخطأ في صفحته وأثنى على عملهم. ومع ذلك، لم يمنع هذا من تعرضهم لانتقادات عديدة بسبب أسلوبهم الساخر، بل وتلقيهم شتائم في بعض الأحيان على منشوراتهم.
لا يعذر كهرمان وقوع المؤسسات الكبرى في الأخطاء النحوية أو اللغوية، ويعدّ ذلك تقصيرًا في إتقان العمل، لا سيما في ظل ضعف المراجعة اللغوية وتراجع الاهتمام باللغة العربية نتيجة تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، التي أسهمت في إهمال التدقيق. ويضيف: "لقد أثرت الكتابة الإلكترونية بوجه عام سلبًا على مستوى الكتابة العربية؛ فمنذ ظهور الهواتف النقالة وانتشار التواصل الكتابي، استشرت الأخطاء الإملائية، ومع غياب من يصححها أصبحت واقعًا مفروضًا حلّ محل الصواب".
ولا يرى مؤسس "شرطة اللغة العربية" أن السخرية من الأخطاء قد تنفّر الناس من التعلم، معتبرًا أن المنفّر الحقيقي هو التصويب القائم على غير علم، كأن يصحح شخص لآخر وهو في الأصل يقدم معلومة خاطئة، لافتًا إلى أن الحد الفاصل بين التصويب والسخرية يضعه الشخص الذي يتصدى لعملية التصويب.
وفي الختام، يطمح كهرمان من خلال صفحته، التي وصل عدد متابعيها حتى كتابة هذه السطور إلى أكثر من 300 ألف متابع، إلى أن يتقن كل من يتعامل مع اللغة العربية عمله، سواء في الإعلانات أو منشورات الشيوخ والعلماء أو المسؤولين، وألا تظهر هذه المحتويات مليئة بالأخطاء.