ultracheck
  1. سياسة
  2. حقوق وحريات

السيطرة على شبكة الإنترنت بوصفها ساحة صراع سياسي وإعلامي في فنزويلا

7 يناير 2026
فنزويلا
زاهر هاشم زاهر هاشم

تشير منظمات دولية مختصة بالحريات الرقمية إلى أن فنزويلا تُعدّ من أكثر دول أمريكا اللاتينية تقييدًا لحرية الإنترنت، وتتمثل أبرز أدوات هذه الرقابة في حجب المواقع الإخبارية المستقلة ومنصات المعارضة، وتقييد الوصول المؤقت أو المتكرر إلى شبكات التواصل الاجتماعي خلال فترات الاحتجاج أو التوتر السياسي، والتحكم بالبنية التحتية عبر شركة الاتصالات الحكومية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة الإنترنت في البلاد.

وتراجعت حرية الإنترنت بشكل ملحوظ في فنزويلا منذ الانتخابات الرئاسية التي جرت في تموز/يوليو 2024 وما تلاها، والتي أعلن فيها الرئيس نيكولاس مادورو فوزه على مرشح المعارضة إدموندو غونزاليس أوروتيا، وما تبعها من حملة قمع ضد معارضين للحكومة.

تراجعت حرية الإنترنت بشكل ملحوظ في فنزويلا منذ الانتخابات الرئاسية التي جرت في تموز/يوليو 2024 وما تلاها،

فقد حجب النظام مواقع الأخبار المستقلة ومنصات التواصل، ونفّذ عمليات اعتقال تعسفية واسعة النطاق، بما في ذلك بسبب أنشطة على الإنترنت، وتلاعَب بالنقاشات الإلكترونية من خلال عمليات التأثير، وشجَّع المخبرين على الإبلاغ عبر آلية شكاوى رقمية.

وأفادت منظمة "في إي سين فيلترو" غير الحكومية بحجب عشرات العناوين الإلكترونية بين تموز/يوليو 2024 وكانون الثاني/يناير 2025، بالتزامن تقريبًا مع بداية الحملة الانتخابية وتنصيب مادورو المثير للجدل، ومن بين المواقع المحجوبة مواقع أنشأتها المعارضة لنشر نتائجها الخاصة بالتصويت، والتي أظهرت فوز غونزاليس بفارق كبير، كما حُجبت أدوات تجاوز الرقابة ومنصات التواصل الاجتماعي والاتصالات خلال الفترة نفسها، واعتبارًا من مايو/أيار 2025، ظل 61موقعًا إخباريًا مستقلًا، بالإضافة إلى منصات تشمل إكس وسيغنال ويوتيوب وتيك توك وتيلغرام، في قوائم الحظر.

الحجب الانتقائي كأداة سيطرة سياسية

من السمات البارزة للرقابة في فنزويلا اعتماد ما يُعرف بـ الحجب الانتقائي (Selective Blocking)، حيث لا يُقطع الإنترنت بالكامل، بل تُحجب خدمات أو مواقع محددة في أوقات حساسة.

تُظهر بيانات الرصد الشبكي الصادرة عن منظمة  NetBlocks أن السلطات الفنزويلية استخدمت خلال السنوات الماضية نمطًا متكررًا من التقييد الانتقائي للإنترنت بوصفه أداة سياسية لإدارة الفضاء العام الرقمي، فقد وثّقت المنظمة حجب أو إبطاء منصات كبرى مثل يوتيوب وتويتر وفيسبوك وإنستغرام وخدمات غوغل، في لحظات سياسية حساسة، من بينها خطابات لزعيم المعارضة خوان غوايدو في أبريل ويونيو 2019، وجلسات منقولة مباشرة للجمعية الوطنية، إضافة إلى أحداث مرتبطة بمحاولات تعبئة شعبية أو تحركات عسكرية.

وتشير هذه الوقائع إلى اعتماد الدولة، ولا سيما عبر مزوّد الخدمة الحكومي CANTV، على تدخلات تقنية دقيقة لا تصل إلى الإغلاق الشامل للإنترنت، لكنها تُقيّد الوصول إلى المعلومات وتحدّ من قدرة الجمهور على متابعة البث الحي والتغطيات المستقلة، ما يعكس بنية رقابية راسخة سبقت الأزمات السياسية الأخيرة وأسهمت في تهيئة بيئة خصبة لانتشار التضليل المعلوماتي.

ويسمح هذا النمط للسلطات بتقليل ردود الفعل الدولية مقارنة بالإغلاق الشامل، مع الحفاظ على السيطرة على تدفق المعلومات.

تشريعات فضفاضة

لا يقتصر التحكم في المحتوى الرقمي في فنزويلا على الإجراءات التقنية (مثل الحجب المؤقت للمنصات)، بل يمتد جذريًا إلى الإطار القانوني نفسه الذي يمنح الدولة صلاحيات واسعة للرقابة والملاحقة.

وغالبًا ما تُصاغ هذه القوانين بصياغات عامة وفضفاضة، ما يعرّض حرية التعبير عبر الإنترنت إلى مخاطر كبيرة ويسهم في إسكات الأصوات المعارضة أو النقدية.

من هذه القوانين قانون "مكافحة الكراهية" الذي أقرته جمعية تأسيسية مثيرة للجدل في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، ويُعرف باسم "القانون الدستوري ضد الكراهية من أجل التعايش السلمي والتسامح"، وهو من أبرز التشريعات التي تُستخدم لضبط المحتوى الرقمي في البلاد.

وينص هذا القانون على عقوبات جنائية مشدّدة تتراوح بين 10إلى 20عامًا سجنًا لأي شخص يُتهم "بإثارة الكراهية أو العنف" عبر وسائل إلكترونية، بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي.

كما يجبر القانون المنصات الرقمية أو الوسطاء التقنيين (مثل مواقع التواصل) على إزالة المحتوى المصنّف ضمن خطاب الكراهية خلال فترة قصيرة وإلّا سيواجهون غرامات ثقيلة أو عقوبات إضافية.

ويتركز الانتقاد الدولي لهذا القانون على صياغته العامة جدًا وغير المحددة، ما يفتح الباب أمام التعسف في تفسير ما يمكن اعتباره خطاب كراهية، وبالتالي استهداف المعارضة أو الصحفيين المستقلين بدلًا من فهمه كأداة لحماية المجتمعات.

كما أقرت فنزويلا قانون "المسؤولية الاجتماعية في الراديو والتلفزيون والإعلام الإلكتروني" ويُطبق على النطاق الإعلامي والتلفزيوني والإلكتروني، ويفرض هذا القانون على المنصات والمواقع الإلكترونية مسؤولية مباشرة عن المحتوى الذي ينشره الآخرون، ما يعني أن المنصة قد تُعاقب أو تُغلَق مؤقتًا أو تُفرض عليها غرامات إذا اعتُبر أن محتواها ينشر الفوضى أو يعطل النظام العام.

ووسّع نظام صادر عن الهيئة الوطنية للاتصالات (كوناتيل) متطلبات التسجيل لمستخدمي الهواتف الثابتة والمتنقلة، مُلزمًا شركات الاتصالات بالاحتفاظ بسجلات بيانات المستخدمين وتقديمها لأجهزة أمن الدولة عند الطلب، دون الحاجة إلى أمر قضائي.

البعد التقني للرقابة

تتخذ الرقابة على الإنترنت في فنزويلا شكل تدخّلات تقنية متعددة الطبقات على شبكات مزوّدي الخدمة بهدف منع الوصول إلى محتوى معيّن أو تعطيله جزئيًا أو تأخيره، وتُستخدم هذه التدخّلات بشكل متكرر أثناء الأحداث السياسية الحسّاسة أو ضد المنصات الإخبارية غير الموالية.

من هذه الأدوات يبرز التلاعب في نظام أسماء النطاقات (DNS Tampering).

فعندما يقوم المستخدم بطلب موقع على الشبكة يقوم نظام أسماء النطاقات DNS في الأحوال العادية بتحويله إلى عنوان IP فعلي، لكن أنظمة الرقابة هذه تقوم بتعديل أو تعطيل استجابة نظام DNS بحيث لا يصل جهاز المستخدم إلى الموقع الصحيح حتى لو كان موجودًا.

بالإضافة إلى ما سبق، تُستخدم أساليب حجب بروتوكولات HTTPوHTTPSلتقييد الوصول إلى مواقع معيّنة، إذ يمكن لمزوّد الخدمة اعتراض وتعديل حزم البيانات التي تنتقل بين المستخدم والخادم، مثل حجب رؤوس HTTPأو وضع قواعد تصفية على بروتوكول SSL/TLS.

وفي بعض حالات الحجب، لا يُقدَّم للمستخدم صفحة تفسير، بل تُعاد الاتصالات فارغة أو تُعلّق الطلبات مما يُعطي انطباعًا عن تعطل الموقع بدلًا من حجبه.

تعمد السلطات أيضًا إلى منع أدوات التجاوُز مثل Tor، وتظهر بيانات الرصد أن الشبكات الفنزويلية تمنع الوصول إلى Tor Network وبعض جسور الاتصال (Tor Bridges)، وتعطيل حلول بديلة أخرى مثل الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN)، ما يجعل استخدام الشبكة دون كشف الهوية أمرًا صعبًا جدًا بدون إعدادات متقدمة.

التأثير على الإعلام وحرية التعبير

تُظهر التقارير الدولية أن قيود الإنترنت والرقابة الرقمية في فنزويلا لا تمس فقط الوصول إلى المواقع والمحتوى، بل تمس بشكل مباشر حرية الإعلام والتعبير، وهو أمر أثّر على قدرة المجتمع على الاطلاع على المعلومات الأساسية والمشاركة في النقاش العام بحرية.

ووفق تقرير منظمة "فريدوم هاوس"، تصنّف فنزويلا كدولة "غير حرة" في حرية الإنترنت، بمعدل 26%، حيث تواصل السلطات حجب مواقع الأخبار المستقلة ومنصات التواصل الاجتماعي وإطلاق حملات إساءة استعمال القانون لاستهداف النشطاء والصحفيين على خلفية آرائهم أو نشرهم معلومات سياسية حساسة.

وتُظهر تقارير منظمة "اسباسيكو بابليكو" أن القمع الرقمي وصل إلى حد العقوبات القضائية والسجن؛ ففي عام 2025، حُكم على ناشط معارض بالسجن لمدّة15 عامًا بسبب تعليقات على وسائل التواصل تُعتبر معارضة للحكومة، ما يُعد مؤشرًا على استخدام الأجهزة القانونية لقمع التعبير الرقمي بدلًا من حمايته.

وامتد هذا المناخ الرقابي كذلك إلى اعتقالات وتعسّف في التعامل مع الصحفيين الميدانيين؛ فقد أفادت تقارير صحفية دولية بأن السلطات الفنزويلية قامت هذا العام باعتقال عدد من الصحفيين واحتجازهم بعد الإطاحة بالرئيس مادورو، وصادرت معداتهم وبيانات أجهزتهم، ما يعكس نمطًا من ترهيب العاملين في الإعلام ومحاولة تقييد التغطية المستقلة للأحداث الجارية.

نتيجة هذه السياسات، يواجه الإعلام المستقل واقعًا صعبًا يتسم بانعدام الشفافية، وتقييد الوصول للمصادر، وارتفاع معدلات الرقابة الذاتية لدى الصحفيين والمؤسسات الإخبارية، الذين قد يمتنعون عن نشر معلومات ذات أهمية عامة خوفًا من الملاحقة القانونية أو التضييق الأمني.

تكشف التجربة الفنزويلية أن الأزمة السياسية والاقتصادية لم تعد منفصلة عن الفضاء الرقمي، بل أصبحت التكنولوجيا والاتصالات ساحة مركزية للصراع على الرواية والمعلومة، فالرقابة التقنية، وتقييد المنصات، واستهداف الصحفيين والناشطين لا تؤدي فقط إلى إضعاف حرية التعبير، بل تُسهم أيضًا في توسيع دائرة التضليل وغياب الثقة العامة، وتحويل الفضاء الرقمي إلى أداة إضافية لترسيخ الأزمات بدل معالجتها.

كلمات مفتاحية
الأمم المتحدة

ما أسباب تراجع دور المؤسسات الدولية في الأزمات الكبرى؟

تعتبر مهمة حفظ السلام والأمن الدوليين وظيفة أساسية للمؤسسات الدولية الكبرى، فلماذا تفشل الآن هذه المنظمات في تفعيل القانون، ولماذا نشعر أنها غير فاعلة في هذه الأوقات؟

ملصق لهند رجب

"العدالة لهند رجب".. ديمقراطيون يطرحون مشروع قانون في الكونغرس الأميركي

طرح مشرعون ديمقراطيون في الولايات المتحدة مشروع قانون جديد باسم "قانون العدالة لهند رجب"، يهدف إلى دفع الإدارة الأميركية للتحقيق في ملابسات مقتل الطفلة الفلسطينية

اللاجئون في أميركا

مراجعة ملفات اللاجئين في الولايات المتحدة تشعل مخاوف قانونية وإنسانية

سياسة أميركية جديدة لإعادة تدقيق ملفات اللاجئين تثير مخاوف قانونية وإنسانية بعد اعتقال واستجواب لاجئين حصلوا سابقًا على الحماية

الجزائر
رياضة

عن الليلة التي أرعب فيها صائمو الجزائر منتخب ألمانيا

كيف تحولت موقعة الجزائر وألمانيا في مونديال 2014 من هزيمة إلى انتصار معنوي خالد؟

بعثت
رياضة

كيف قلبت الحرب الرياضة الإيرانية رأسًا على عقب؟

تسبب العدوان بتدمير عدد من الملاعب والمنشآت، ما أدى إلى توقف النشاط الرياضي وتعطل مشاركات دولية لفرق ومنتخبات إيرانية

الصين والولايات المتحدة
سياق متصل

كيف استفادت الصين من الحرب على إيران؟

بينما تنشغل واشنطن بالحرب في الشرق الأوسط، تبدو بكين مستعدة لاستثمار اللحظة لتعزيز حضورها السياسي والعسكري في شرق آسيا

رئيس لجنة الاتصالات الفيدرالية، بريندان كار
سياق متصل

هيئة الاتصالات الأميركية تهدد الصحافة .. ماذا ردت الأخيرة؟

هيئة الاتصالات الأميركية تهدد بسحب تراخيص البث.. صحفيون ومؤسسات إعلامية يردون بأن الخطوة غير دستورية وتمثل ضغطًا على حرية الصحافة