السيسي يضع خارطة طريق لتطوير الإعلام.. هل يتخلى عن إعلام عبدالناصر؟
12 أغسطس 2025
تٌخيم أجواء من التفاؤل على المتابعين للمشهد الإعلامي في مصر في أعقاب ما اعتبروه "تحريك المياه الراكدة" في بحيرة الإعلام المجمدة، وذلك في أعقاب مخرجات الاجتماع الذي عقده الرئيس عبد الفتاح السيسي مع كل من رئيس مجلس الوزراء، مصطفى مدبولي ، ورئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، خالد عبدالعزيز، ورئيس الهيئة الوطنية للصحافة، عبد الصادق الشوربجي، بجانب رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، أحمد المسلماني، الأحد العاشر من آب/أغسطس الجاري.
السيسي خلال هذا الاجتماع وجّه بوضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري، مشيدًا بالدور الحيوي الذي يضطلع به الإعلام المصري في بناء الشخصية الوطنية، وتشكيل وعي المواطنين، وتعريفهم بالمستجدات والتطورات على الساحتين المحلية والدولية، إلى جانب إبراز الإنجازات المحققة، والارتقاء بالذوق العام، وترسيخ القيم والثوابت المجتمعية، كما جاء على لسان المتحدث الرسمي باِسم رئاسة الجمهورية.
وأحدثت مخرجات هذا اللقاء الذي حظي بتغطية إعلامية مكثفة، انقسامًا واضحًا لدى الشارع المصري، بين من يراه خطوة نحو الارتقاء بالمنظومة الإعلامية وكسر الجمود الذي فرض نفسه على العديد من الملفات والقضايا الجدلية التي كان لها ارتدادها العكسي على صورة وقيمة وحضور الإعلام المصري، وأخرون يعتبرونه ذرًا للرماد في العيون في ظل الإصرار على المضي قدمًا في ذات المسار، حيث احتكار المشهد وهيمنة الصوت الواحد على الخارطة الإعلامية.
أثار اللقاء، رغم التغطية الإعلامية المكثفة، انقسامًا في الشارع المصري بين من يراه خطوة لتطوير الإعلام وكسر الجمود، ومن يعتبره مجرد تجميل لواقع يحتكره الصوت الواحد
تطوير شامل للإعلام.. خارطة طريق جديدة
تضمنت خارطة الطريق التي عرضها السيسي على ممثلي الهيئات الإعلامية العديد من النقاط البارزة التي كانت محل نقاش وتباحث طيلة سنوات طويلة، على رأسها ملف الحريات، حيث أكد الرئيس على التزام الدولة الراسخ بإعلاء حرية التعبير، واحتضان كافة الآراء الوطنية ضمن المنظومة الإعلامية المصرية، بما يعزز من التعددية والانفتاح الفكري.
كذلك الاستعانة بكل الخبرات والكفاءات المتخصصة، بما يضمن مواكبة التغيرات المتسارعة والمستجدات الإقليمية والدولية المتلاحقة، مما يُمكن الإعلام الوطني من أداء رسالته بما يتماشى مع توجهات الدولة المصرية الحديثة والجمهورية الجديدة، مشددًا على أهمية إتاحة البيانات والمعلومات للإعلام، خاصة في أوقات الأزمات التي تحظى باهتمام الرأي العام، حتى يتم تناول الموضوعات بعيدًا عن المغالاة في الطرح أو النقص في العرض.
الاعتماد على الكوادر الشابة المؤهلة للعمل الإعلامي كان أحد النقاط التي أثيرت ضمن خارطة الطريق المقترحة، مع تنظيم برامج تثقيفية وتدريبية للعاملين في هذا المجال، مع التركيز على مفاهيم الأمن القومي، والانفتاح على مختلف الآراء، بما يرسخ مبدأ "الرأي والرأي الآخر" داخل المنظومة الإعلامية المصرية.
في المجمل اشتبكت الخارطة المقدمة مع ثلاثة من أبرز خمسة ملفات طالما شكلت صداعًا في رأس المتابعين للمشهد الإعلامي، الحريات، تجديد الدماء بالعناصر الشابة المؤهلة، إتاحة المعلومات بلا قيود، حبس الصحفيين، والبنية التشريعية القانونية التي تضمن أداء الإعلامي لمهامه بحرية ودون قلق أو خوف
تراجع مٌحبط.. هذا هو الواقع
تأتي جرعة التفاؤل التي ضخها السيسي في وقت يقبع فيه الإعلام المصري في مراتب متدنية في مؤشرات حرية التعبير والصحافة، حيث يواجه ضغوطًا حادة ومغلظة، بعضها يمكن اعتباره إفرازًا منطقيًا لـ "فقه الضرورة" جراء المستجدات التي تشهدها المنطقة وتفرض حزمًا قاسية من التحديات، وأكثرها نتيجة الممارسات السلطوية التي أحكمت قبضتها على المشهد وقيدت مسارات حرياته بقائمة مطولة من الإجراءات والقوانين المكبلة.
البداية مع مؤشر حرية الصحافة لعام 2025 الصادر عن منظمة "مراسلون بلا حدود" (RSF) المعنية بحرية الصحافة، حيث تحتل مصر المرتبة 170 من أصل 180 دولة، وهي المرتبة التي تضعها ضمن الدول الأخطر على حرية الإعلام، هذا بخلاف التقرير الصادر عن منظمة (Freedom House) والذي صنف مصر ضمن الدول غير الحرة، جراء حصولها على درجات منخفضة في الحقوق السياسية والحريات المدنية.
وبحسب التقرير الصادر عن لجنة حماية الصحفيين(CPJ) الأميركية، فقد احتلت مصر المرتبة السادسة عالميًا في حبس الصحفيين لعام 2024، وذلك بعد الصين وإسرائيل وميانمار وبيلاروسيا وروسيا، وكانت بيانات حديثة لنقابة الصحفيين قد كشفت عن حبس نحو 25 صحفيًا مصريًا خلال السنوات الأخيرة، فيما دعا نقيب الصحفيين المصريين، خالد البلشي إلى الإفراج عن معتقلي الرأي من المحبوسين، ما لم يثبت تورطهم في قضايا جنائية.
علاوة على ذلك تعرضت الخارطة الإعلامية قبل سنوات لإجراءات حادة اعتبرها البعض تضييقًا للخناق على الحريات، منها صدور عدد من القوانين والتشريعات المقيدة، واحتكار المشهد الإعلامي من خلال ملكية معظم وسائل الإعلام المتواجدة على الساحة، فضلًا عن حجب عدد ليس بالقليل من المواقع الإلكترونية.
مرحلة مفصلية تتطلب إعادة صياغة
وصفت أستاذة الإعلام بجامعة عين شمس، وعضو المجلس القومي للمرأة، الدكتورة سوزان القليني، توجيهات السيسي بأنها تمثل مرحلة مفصلية يمر بها الإعلام المصري، تتطلب إعادة صياغة دوره بما يتواكب مع المتغيرات التكنولوجية المتسارعة، مستعرضة عددًا من الإجراءات اللازم اتخاذها لترجمة مخرجات لقاء الرئيس بممثلي الإعلام لواقع ملموس.
وترى القليني أن التطوير الحقيقي للإعلام لا يكتمل دون إطار تشريعي مرن وحديث يواكب الثورة الرقمية، ويستجيب للتحديات المستجدة في مجالات البث الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وحماية البيانات، لافتة في مقاللها أن "التشريعات ليست فقط لضبط الأداء، بل لضمان التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، ومنع استغلال التكنولوجيا في نشر الشائعات أو التحريض، بما يحافظ على استقرار المجتمع ويحمي حقوق الأفراد".
كما تعتبر خبيرة الإعلام المصري تمكين الكوادر الشابة، خطوة مهمة في مسار النهوض بالإعلام، فهم الأقدر على إنتاج محتوى مبتكر يصل إلى الجمهور بلغته وأساليبه المفضلة، ومن ثم تأتي أهمية الاستثمار في التدريب المتخصص، وفتح المجال أمام القيادات الإعلامية الشابة لصنع الفارق.
ومن الأضلاع الرئيسية التي يجب الاستناد إليها لتطوير المنظومة الإعلامية، الانفتاح على الرأي والرأي الآخر، فالإعلام الوطني القوي هو الذي يحتضن كل الأصوات في إطار من الانفتاح المسؤول والانضباط المهني، بحسب القليني التي تربط هذا الانفتاح بضرورة إتاحة المعلومات ودعم المصداقية، التي تصفها بأنها "رأس مال الإعلام" الحقيقي، و التي تتحقق عبر إتاحة البيانات والمعلومات للإعلاميين، خاصة في أوقات الأزمات، لتمكينهم من تقديم المعلومة الدقيقة، ومواجهة الأخبار المضللة التي تنتشر بسرعة في الفضاء الرقمي.
واختتمت أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس رؤيتها المستقبلية لتطوير الإعلام بما يواكب تحديات العصر بمحاور أربعة، مراجعة وتطوير التشريعات الإعلامية بشكل دوري، دعم التكامل بين الإعلام التقليدي والمنصات الرقمية، الاستثمار في التدريب والابتكار، وتعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور.
أشاد السيسي بإعلام عهد عبد الناصر، معتبرًا أنه كان داعمًا له، في تصريح أثار مخاوف من تكريس إعلام الصوت الواحد
هل انتهى حلم إعلام عبدالناصر؟
في آب/أغسطس 2014، وقف السيسي مشيدًا بالإعلام في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، مٌبديًا إعجابه بكيف أنه كان مساندًا له، قائلًا "عبد الناصر كان محظوظ، لأنه كان بيتكلم والإعلام كان معاه"، وهو التصريح الذي فٌسر على أكثر من قراءة، لعل أبرزها وأكثرها انتشارًا ما تخوف منه المراقبون بشأن ترسيخ إعلام الصوت الواحد وأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
كثيرون حذروا من تلك الاستراتيجية، لافتين إلى أن الصوت الواحد له عواقب وخيمة، كما حدث في إعلام عبدالناصر، الذي يصفه البعض بـ "إعلام أحمد سعيد" في إشارة إلى المذيع المصري الذي أذاع خبر انتصار الجيش المصري على إسرائيل في الوقت التي كانت فيه طائرات الاحتلال تقصف القاهرة.
أنصار هذا الرأي يعتبرون أن حرية الرأي والتعبير وفتح وسائل الإعلام للنقد والنقاش السياسي، والتعددية الإعلامية والسياسية، ورفع منسوب ومستوى الحريات، الإعلامية والأكاديمية والحزبية، وقبول الأخر، ومنح المعارضة المتنفس الصحي للتواجد والانتشار، هي أكبر ضمانة لعدم تكرار هزائم الماضي.
اليوم يطرح الرئيس المصري خارطة مغايرة لتطوير الإعلام، تتقاطع في كثير من محاورها مع استراتيجيات إعلام عبد الناصر، الأمر الذي يدعو للتساؤل: هل تخلى السيسي أخيرًا عن حلم إعلام الستينات الذي طالما أبدى إعجابه به؟.. هل تتٌرجم الحكومة والقائمون على المشهد الإعلامي تلك الخارطة لواقع ملموس وإجراءات عملية أم ستظل حبيسة الأدراج، شعارات للاستهلاك المحلي وفقط؟ اختبار جديد أمام الحكومة المصرية، ستثبت الأيام المقبلة ما إذا كانت ستجتازه بنجاح أم تواصل مسلسل السقوط.