03-مارس-2016

يريد السيسي أن يظهر "عسكريته" وعقيدة الأرض فيها، ليوصّف جُرمه كـ"واجب عسكري"(ساشا مردوفيتس/Getty)

حينما قال في ألمانيا في حزيران/يونيو الماضي، "ربنا خلقني طبيب وزعماء العلماء قالوا اسمعوا كلام الرجل ده ومنهم خبراء المخابرات وكبار الفلاسفة"، انتابتني حالة خوف رهيبة في وسط موجات السخرية حينها. وتيّقنت جازمًا، حينما كنت أعيد مرارًا وتكرارًا التسجيل المصوّر للسيسي، أنّنا نواجه رجلًا غير الذي واجهناه طيلة ثلاثة عقود، والحديث عن مبارك. وحينما زاد ما زاد في خطابه الأخير الذي قال فيه بكل بساطة "اوعوا تسمعوا كلام حد غيري"، تأكد واجب الحذر، لأننا أمام رجل استثنائي ولكنّه ليس برجل إنقاذ، كما يصوّر نفسه، بل كـ"مسجّل خطر".

من خلال تصريحات السيسي، تبينا أننا أمام رجل استثنائي لكنه ليس رجل إنقاذ كما يصوّر نفسه، بل كـ"مسجّل خطر"

والحديث عن الحذر في هذا الباب، هو بموضع أن يُطلب من السّجين ألا يكلّ من أجل الخروج من سجنه وألا يستسلم في مواجهة بطش سجّانه، ولكن عليه الحذر من سجّان يمكن أن يهدم السّجن على الجميع. وربّما ذلك هو مقصده، "هو انتو عايزين نبقى زي سوريا والعراق"؟ هكذا يقول أحد أنصاره. بل سبق وأن أشار السيسي نفسه إلى ذلك عند تناوله أزمة اللاجئين السوريين في مقارنة بيّنة فجّة ومساومة خفية حقيرة.

اقرأ/ي أيضًا: السيسي.. خُطب الدكتاتور المأزومة

يتأكد في كلّ مناسبة أننا أمام رجل يتعامل مع المصريين كرهائن، ويتعامل مع الدولة كقطعة أرض اكتسب فيها حق انتفاع مؤقت، يريد أن يجعل فيها لنفسه حق ملكية مؤبد، بل هو يرى أن ذلك مسؤولية. فهو دائمًا ما يريد أن يظهر "عسكريته" وعقيدة الأرض فيها، ليوصّف جُرمه كـ"واجب عسكري".

والفارق بين السّيسي ومبارك واضح في هذا الجانب، فمبارك قال "خليهم يتسلوا"، وحتّى حينما اندلعت الثّورة، كان يعرف الرجل موقعه جيّدًا ويقدّر موقفه. فحينما سخرنا من عبارة القذافي "من أنتم"، أكثر مما نستذكره من خطاب مبارك قوله "لم أكن أنتوي الترشح". ولا أزال بصدق لا أعلم سبب انتشار هذه العبارة تحديدًا على سبيل السخرية، هل هو موضوعها المتعلق بالترشح للانتخابات القادمة، أو العبارة نفسها من خلال فعل "أنتوى"، قليل الاستعمال، فكانت الطرافة لنُدرة الاستعمال. وإجمالًا، لم يخرج مبارك، ورغم الحشود المليونية في الشارع، بمظهر مثير للسخرية عدا بعض الارتباك.

اقرأ/ي أيضًا: فيديوهات السيسي "الواد ما بيجمعش"

في المقابل، لا يفوّت السيسي فرصة للظهور بشكل مثير للسخرية، حتى بتنا ننتظر خرجاته الإعلامية وكأننا في انتظار العرض الأول لمسرحية كوميدية. والأهم، هو تلازم مصدر السخرية بالمضمون الخطير المصرّح به والذي يعكس جنونًا مخيفًا، وهذه هي المفارقة.

لا يفوّت السيسي فرصة للظهور بشكل مثير للسخرية، حتى بتنا ننتظر خرجاته الإعلامية وكأننا في انتظار العرض الأول لمسرحية كوميدية

فحينما يذهب الرّجل إلى ألمانيا ويخاطب الجالية المصرية هناك، وأغلبهم من الطلبة المتفوّقين ومن الموظّفين المتميّزين في واحدة من أرقى دول العالم، بما قاله وما أشرنا لجزء منه أعلاه، لا يتأكد فقط أننا أمام شخص مجنون بالمدلول السياسي، بل كذلك أمام مريض نفساني بالمدلول الطبّي، لذلك فالجنون هو توصيف لحالة مرضية قبل كل شيء، وهنا يتأكد مجدّدًا الخطر الأكبر، فهو من طينة القذافي وبشار.

لذلك فالتساؤل جدي، هل الرجل يعي ما يقوله مستبلهًا إيانا أم فعلًا يعتقد فيما يقوله؟ إن الخشية حينما ينفجر البركان الذي يغلي الآن من حوله، حيث من المؤكد أنه ستصيبه نوبة جنون قد تؤدي لكارثة وذلك إن لم يكبحه الرجال الذين حوله، إن لم يكونوا هم مجانين مثله أو ربّما أكثر جنونًا خاصة من بيادقه في الإعلام على غرار أحمد موسى.

ولذلك، يجب على القوى الثورية أن تأخذ حذرها من هذا الرجل مقارنة بالمستبدّ الذي سبقه، فمن المهمّ حينما تعمل القوى على ضبط وسائل إنهاك هذا النظام وإسقاطه أن تأخذ بعين الاعتبار حالة جنون رئيسه! فالخشية كذلك أنه حينما نسقط نظامه ونحاكمه على جرائمه، يدفع محاميه، وأظنه سيكون فريد الديب، بعدم قيام مسؤولية منوبّه، مرفقًا طلبه بشهادة طبيّة في ثبوت الجنون!

اقرأ/ي أيضًا:

كواليس النصب باسم الرئيس

تكلفة بقاء نظام السيسي