"السيد لا أحد يعارض بوتين": عن حربٍ لم تترك ساذجًا لم تُنضجه
21 مايو 2026
"حتى رجلٌ مثلي عليه أن يتحلّى بالمبادئ". بهذه الجملة، يقدّم بافل تالانكين، مخرج الفيلم الوثائقي "السيد لا أحد يعارض بوتين"، تلخيصًا لدوره كشاهد على الحرب الروسية الأوكرانية. إذ، بطريقة تبدو غير مقصودة، يحمل شابٌ كاميرته الخجولة، مقتضبة الفعل، العجولة والساذجة حتى، ليضعها برفقٍ فوق وجوه أطفال مدرسة ابتدائية ليتحسّسها، فيروي عبرهم حكاية الحرب من دون أن نرى نقطة دماء. بهذه الكاميرا نفسها، ينتقل بافل تالانكين من كونه مصوّرًا دعائيًا للسلطة إلى مخرج معارض. ومن تبدّل أدوار يطوّره الوعي والضمير، تبدأ الحكاية: من يدٍ واحدةٍ غيّرت اتجاه عدستها، فغيّرت معها اتجاه رؤية بلدٍ بأكمله، أو هكذا أريد.
كاراباش: بلدة الصدأ
لكي نفهم تالانكين، علينا أولاً أن نقف في المكان الذي شكّل كيانه الإنساني. فقد وُلد المخرج في كاراباش، تلك البقعة الصدئة في جبال الأورال، التي تُقدَّم في الإعلام بوصفها البلدة "الأكثر تلوّثًا وإثارةً للملل والأسى على سطح الأرض". بلدةٌ ينمو فيها الأطفال بين أبخرة النحاس المصهور وأناشيد الوطن، فيكبرون وهم لا يميّزون بين الهواء الملوّث والأيديولوجيا. هناك، في بلدة منسيّة، يلفّها اللون الرمادي حتى في الصور المضاءة بالشمس، كأن السماء ذاتها تواطأت مع الأرض على إخفاء ما يجري فيها.
ما يجعل "السيد لا أحد يعارض بوتين" فيلمًا يخصّنا، نحن أبناء العالم العربي، أنه يحكي حكاية نعرفها عن ظهر قلب. كاراباش ليست بعيدة عن دمشق أو القاهرة أو عدن. هي كل مدينة كبيرة أو صغيرة في بلادنا، حيث يقف طفل في طابور الصباح، يرفع علمًا، ويردّد قسمًا كُتب له قبل أن يولد
من مصوّر دعائي إلى مخرج
في شباط/فبراير 2022، حين بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا، تغيّرت وظيفة الشاب العشريني بافل تالانكين من مصوّر للمناسبات المدرسية إلى مصوّر بوظيفة بروباغاندية تعبويّة، حيث صارت السلطة تطلب منه أن يصوّر الأناشيد الوطنية، وتمارين التحية العسكرية، والدروس التلقينية. لكن على هامش هذه المهمة، كان يكبر شيءٌ ما في المادة المصوّرة وفي روح صاحبها معًا.
عادةً ما يأتي النضوج ببطء، لكنه هنا أتى على وقع الحرب، حيث كبر الأطفال أيضًا خلال عامين أمام أعيننا، ينتقلون من حصص الرياضيات إلى دروس يُلقيها عليهم عضوٌ في الحكومة يحمل تاريخًا من قتلى الحروب على كتفيه. في مكانٍ ما من هذه الرحلة نضج تالانكين، فاستجاب لإعلان اختيار ممثلين نشره مخرجٌ أميركي مقيمٌ في كوبنهاغن اسمه ديفيد بورنشتاين، وبدأ بمحادثاتٍ سرّية حول مشروعه، ثم بعد عامين من تهريب المواد المصوّرة والتنسيق السري، ترك تالانكين بلده عام 2024. وقبل مغادرته بيوم، نظّم حفلًا للطلبة المتخرّجين وألقى عليهم رسالةً مشفّرة: "أحيانًا، للتعبير عن حبّك، يجب أن تضحي بكل شيء". وفي اليوم التالي، اختفى.
الكاميرا: من لقطة تائهة إلى وجهة نظر
ثمة لقطة في الفيلم تتقدّم فيها الكاميرا داخل ممرّ المدرسة. الكاميرا هي عيننا، نحن نرى ما ترى. وفي مكانٍ ما من هذا الممر، تتخلّق على يد المصوّر "وجهة النظر"، لا تقنيًا بل أخلاقيًا. كاميرا تالانكين خجولة، شبه اعتذارية، تحمل سذاجته الأولى ووعيه الأخير معًا. لا لقطات ملحمية ولا موسيقى تصاعدية. كاميرا تقترب من وجوه الأطفال بلا حمولة كافية من القصد والنية، تمرّ بأعينهم وضحكاتهم والكلام الثقيل لأناشيدهم، أناشيد الموت، فلا تنكسر صورتهم، وهذا ما يؤلم: أنها لم تعد بريئة، حتى وهي تبدو كذلك.
أن تكون بطلاً لدى عدوّ بلدك
انتهى الفيلم، والتقط التناقضات كلها، والتقط البؤس في تجنيد الأطفال وفي رعاية فلاديمير بوتين للطلائع الروسية الجديدة. هكذا أخذ المخرج ما أملاه عليه ضميره من حقائق مصوّرة وغادر روسيا، لكنه دخل ليس إلى عالم جديد فحسب، بل إلى لعبة أكبر، خاصة حين جاءت جائزة الأوسكار وفتحت هوليوود شهيتها للحقائق عن العدو اللدود، فتحوّل من شاهدٍ إلى رمز، ومن رمزٍ إلى ورقةٍ في يدٍ ربما لم يخترها. فبافل تالانكين بالاشتراك مع ديفيد بورنشتاين أدركا هذه المفارقة، وقالها بورنشتاين من على منصة الأوسكار: "تفقد بلدك عبر آلاف الأفعال الصغيرة المتواطئة ضدك". الجملة قيلت عن روسيا، لكن صداها ارتدّ في القاعة كما لو أنها قيلت أيضًا عن الولايات المتحدة.
ثمن الحقيقة
من طرفي نقيضين لهذه المعادلة، يولد سؤال الفيلم الأخير: ما ثمن الحقيقة؟ وكم وجه لها؟ فالحقيقة في هذا الفيلم ليست متّسقة، إنها طبقات متناقضة من حقائق تصنعها السياسة في أعلى حالاتها نقاءً واكتمالًا وتشوهًا أيضًا. بافل تالانكين قال الحقيقة عن مدرسته، فخسر بلده. صوّر الأطفال لينقذهم من كذب السلطة، فاتهم بأنه استخدمهم وقودًا لطموحه ولأجندة سياسية.
هرّب الأشرطة دفاعًا عن الحقيقة، فذهبت إلى يد صناعةٍ سينمائيةٍ لها آلية مغايرة قد لا تفهم الحقيقة كما يجب أن تُفهم. الكرملين تجاهل الفيلم والفوز، والمتحدث باسم بوتين قال ببساطة: "لم أشاهد هذا الفيلم"، فيما ترددت وسائل الإعلام الروسية بين تجاهله أو وصفه بأنه "فيلم عن الرئيس فلاديمير بوتين فاز بجائزة الأوسكار".
"السيد لا أحد يعارض بوتين" واستقبال عالمي حافل
عُرض "السيد لا أحد يعارض بوتين" في مهرجان "صندانس" في كانون الثاني/يناير 2025، بوصفه إنتاجًا مشتركًا بين الدنمارك والتشيك وألمانيا. حصد هناك جائزة لجنة التحكيم الخاصة، ثم جائزة "البافتا" لأفضل فيلم وثائقي في إنجلترا، ليُتوَّج لاحقًا بأوسكار أفضل فيلم وثائقي طويل في آذار/مارس 2026. وعلى منصة الأوسكار، قال تالانكين بالروسية: "باسم مستقبلنا، باسم كل أطفالنا، أوقفوا كل هذه الحروب الآن". لكن في النهاية بقي السؤال معلّقًا فوق الفيلم كغيمة لا تحمل مطرًا: ماذا حلّ بأطفال كاراباش بعدما كبروا أمام عدسة تالانكين؟
يا أطفال العالم اتحدوا
ما يجعل "السيد لا أحد يعارض بوتين" فيلمًا يخصّنا، نحن أبناء العالم العربي، أنه يحكي حكاية نعرفها عن ظهر قلب. كاراباش ليست بعيدة عن دمشق أو القاهرة أو عدن. هي كل مدينة كبيرة أو صغيرة في بلادنا، حيث يقف طفل في طابور الصباح، يرفع علمًا، ويردّد قسمًا كُتب له قبل أن يولد. قد تختلف الأناشيد واللغة واسم القائد على الجدار، لكن الآلية المنتجة للعبث واحدة: مدرسة تتحوّل إلى ثكنة، وطلبة يتعلّمون إطلاق الرصاص بدل الرياضيات، ومعلّم يتحوّل إلى ضابط صغير، وطفل يتعلّم أن الموت من أجل الزعيم أجمل من الحياة من دونه.