السيد ريبلي في عودته الثانية: كيف أعاد ستيفن زايليان الرواية إلى جذرها المظلم
12 ديسمبر 2025
عرضت منصة "نتفلكس" مؤخرًا مسلسل "ريبلي" (Ripley)، وهو اقتباس تلفزيوني جديد لرواية باتريشا هايسميث "السيد البارع ريبلي" (The Talented Mr. Ripley). كتب المسلسل وأخرجه ستيفن زايليان، وقدم تجربة بصرية صارمة بالأبيض والأسود أعادت الشخصية إلى جذورها الأولى؛ جذر الجريمة بوصفها خطيئة أولى. يتابع المسلسل صعود الشاب توم ريبلي، المحتال الذكي والمنعزل اجتماعيًا، الذي يدخل حياة شابين ثريين في إيطاليا خلال خمسينيات القرن العشرين ليبدأ سلسلة من التقمصات والجرائم بهدف سرقة حياة ليست حياته.
فلماذا يعود ستيفن زايليان اليوم إلى رواية استهلكت سينمائيًا وحققت حضورًا طاغيًا في فيلم (The Talented Mr. Ripley) عام 1999، الذي تألق فيه مات ديمون، وجود لو، غوينيث بالترو، وفيليب سيمور هوفمان، ليعيد تقديمها هذه المرة في سياق بصري صارم بالأبيض والأسود؟
زايليان والخيار الحدّي بين الأبيض والأسود
في السابق، لم يكن خيار الأبيض والأسود مجرد حلّ عابر فرضته بدايات الصناعة، بل ظل يحمل سمات جمالية ولغة رؤيوية قائمة بذاتها. يعود إليه المخرجون الجدد، لا باعتباره إرثًا تقنيًا تجاوزه الزمن، بل كمن يمد يده إلى خزان معرفي لا ينضب. يحوّلون التجربة الأولى إلى مختبر للمخيلة، ويجعلون محدودية الإمكانات فرصة لصياغة هوية بصرية متماسكة.
في نهاية التسعينيات، قدّم كريستوفر نولان فيلمه الأول (Following) بميزانية شبه معدومة، لكنه استثمر الأبيض والأسود إلى أقصى حدوده. حوّل اعتيادية لندن إلى عالم غامض يفور بروح النوار. تحولت الأزقة والظلال إلى شخصية قائمة بذاتها، وصارت الملاحقة البسيطة أشبه بلعبة قدرية تكشف عن توتر دائم بين الوضوح والالتباس.
أما ما جعل مشروع "ريبلي" يتخذ هذه الهيئة، فهو أن زايليان لم يتعامل معه كاقتباس ثانٍ للفيلم الشهير، بل بوصفه محاولة لاستعادة العالم الأصلي الذي خرجت منه الرواية، أي قبل أن يسطع الفيلم ويلفّ الحكاية بغواية الضوء والأزياء وإيطاليا المشمسة. لم يدع مسلسل زايليان أنه مشروع صغير الميزانية، يبحث عن هوية للتمايز كما فعل كريستوفر نولان أو دارين أرونوفسكي أو جيم جارموش في بداياتهم، بل حضر منذ البداية على خارطة الأعمال كمشروع كبير يسعى إلى استرداد هوية ليست بصرية فحسب، بل سردية روائية، ضاعت تحت لمعان النسخة الملونة.
لم يكن خيار الأبيض والأسود مجرد حلّ عابر فرضته بدايات الصناعة، بل ظل يحمل سمات جمالية ولغة رؤيوية قائمة بذاتها
فيلم "السيد البارع، ريبلي" كان لامعًا بمعايير عصره: وجوه وسيمة، أزياء مترفة، شواطئ زرقاء تتلألأ حول الحكاية. لكن تلك اللمعانات حجبت ما هو مركزي في كتابة هايسميث: الظل النفسي الذي يتكثف فيه شك ريبلي وطبقته ودونيته، والفراغ الوجودي الذي يولّد مجرمًا، لا لأنه يحب الجريمة، بل لأنه عاجز عن عيش حياته دون استعارة حياة غيره.
من هنا جاء قرار زايليان باللجوء إلى الصورة الأحادية. ليس تحيةً للنوار الذي تنفسه نولان في (Following)، بل عودة إلى الجذر المعتم الذي خرجت منه الشخصية. الأبيض والأسود في "ريبلي" يحقق شرط الأسلوبية بمعناه المتعارف، ويشكل أيضًا موقفًا جماليًا. يحاول تجريد إيطاليا من رومانسيتها التجارية التي رسمها الفيلم، عبر استعادة شحوب ما بعد الحرب العالمية الثانية. يتيح ذلك نقد المدن كمتاهات طبقية، وقراءة البحر كحدّ جارح منتزع من زرقته المطمئنة، ومقذوف في اسوداده ورماديته؛ هناك داخل النفس، لا على الشطآن.
هل تحتاج الرواية لهذه القراءة الآن
بعد رؤية العمل المتقن، يفقد السؤال مشروعيته. ما يفعله زايليان على مستوى السرد يضخ حياة جديدة في النص عبر التأني. يحوّل الرواية إلى تجربة بطيئة الإيقاع، محكمة مكتوبة ومخرجة بحسّ وصوت فني نقي. يشرّح الشخصيات من الداخل مستفيدًا من ثماني ساعات تسمح بما لا يسمح به الفيلم. تلصص طويل على المناطق الظلية التي يفضحها الأبيض والأسود دون رأفة، وترك التوتر لينمو من دون استعجال. إصرار على إرهاق جمالي يصنع عالمًا خانقًا يطبق على أرواحنا كما تفعل العزلة في غرفة ضيقة يمشي الضوء فيها على أطراف أصابعه.
لهذا، لا يظهر "ريبلي" كإعادة اقتباس لعمل كبير، فهو عمل كبير بدوره. يمد يده بعيدًا في تاريخ الصورة المستغنية عن ألوانها، ويعامل أساتذة الأبيض والأسود باحترام لائق بهم، كما لو كانوا امتدادًا لسلالة بدأت مع نولان وأرونوفسكي ولينش وجارموش وسبايك لي وكيفن سميث، أولئك الذين لجأوا إلى الأبيض والأسود لأن مواردهم كانت محدودة. أما زايليان، فيلجأ إلى هذا الخيار التقني والجمالي ليمنع الرواية من الانزلاق مجددًا نحو البهرجة اللونية، ويعيدها إلى النفس القاتم الذي أرادته هايسميث.
لا يطلب مسلسل "ريبلي" من المشاهد الانبهار، بل يدعوه إلى التأمل في هشاشة الشخصيات العارية من الزينة والبهرج، المستغنية عن جاذبية الألوان، محاطة بما يكفي من الظلال لكشف حقيقتها.
على الرغم من المقارنة مع الفيلم الآخاذ حسن السمعة، يأتي "ريبلي" كعمل متقن الأفكار، كتيم وقاسٍ، يعلي من قيمة الزمن. يدرك، بدراسة واعية، أن للبطء قيمة كبرى، هي قيمة الإدراك والفهم، وأن الصمت اللوني ليس تقشفًا، بل جزء من بنية الحكاية، وإن حذفناه تتخلخل عناصر السرد.
يأتي "ريبلي" بعد ربع قرن من ولادة سميّه السينمائي "السيد البارع ريبلي"، كتصحيح مسار يعيد اللغة البصرية إلى مفرداتها الحدّية بين أبيض وأسود، ويعيد الرواية إلى عمائها الأصلي، هكذا كما في الخطيئة الكبرى لذاك "الضال" الذي لم ينفذ الوصية الأولى: لا تقتل.







