السيدا في المغرب.. وحشٌ يحاربه المجتمع المدني

السيدا في المغرب.. وحشٌ يحاربه المجتمع المدني

من الأنشطة المدنية لمكافحة مرض السيدا في المغرب (عبدالخالق صناع/أ.ف.ب)

مع حلول شهر كانون الأول/ديسمبر من كل سنة، يتذكر المغاربة مرضى السيدا، بسبب الحملات الخاصة التي تبث على قنوات حكومية متلفزة، واهتمام وسائل الإعلام بالأرقام التي تعلنها وزارة الصحة في كل سنة حول الداء. بالإضافة إلى انطلاق الحملة الوطنية "سيداكسيون"، لجمع التبرعات لفائدة مرضى فقدان المناعة المكتسبة، والتي تنتهي إلى غاية 30 كانون الأول/ديسمبر.

يقدر العدد الإجمالي للمتعايشين مع السيدا في المغرب بما يناهز 24 ألفًا

والمجتمع المغربي كباقي المجتمعات العربية أو حتى الأجنبية، يخشى الاقتراب أو الاحتكاك بمرضى السيدا، فهو بمثابة "التابو" المحظور، الذي يأبى الانكسار. وبالرغم من حملات التوعية التي يقوم بها المجتمع المدني الذي ينشط في هذا الموضوع، إلا أنه من الصعب جدًا أن تقنع فردًا من المجتمع أن انتقال عدوى السيدا ليس بالضرورة عبر العلاقات الجنسية المحرمة، سواء كان الشخص من ذوي المستوى الثقافي العالي أو البسيط، ولاسيما إن كان يقطن في مدن مغربية محافظة.

فمرضى السيدا من الممكن جدًا أن يتواجدوا حولنا أو أن يكونوا أحد أقاربنا، والذين غالبًا ما يعانون في صمت، فأصحاب داء "فقدان المناعة المكتسبة"، يفضلون عدم البوح بمرضهم لأقرب المقربين، فما بالك بإخبار علتهم وسبب شحوبهم أو شرح اكتئابهم لباقي أفراد المجتمع.

اقرأ/ي أيضًا: المغرب.. نحو إلغاء مجانية التعليم العمومي!

تحكي سعيدة الزموري، ناشطة مدنية في جمعيات مكافحة السيدا، لـ"ألترا صوت" أنها لن تنسى أبدًا تلك اللحظة التي أخبرت فيها سيدة في الستينيات من عمرها أنها مصابة بمرض السيدا، في إحدى مدن الشمال. تقول سعيدة إن "المرأة كانت في الستين من عمرها، لم تقتنع في البداية بإجراء فحص "السيدا" والذي تجريه جمعيات المجتمع المدني الناشطة في موضوع السيدا لفائدة أفراد متواجدين سواء في المدن أو في القرى البعيدة إلا أن نتائج الفحص بينت أنها فعلًا مصابة بالمرض".

ردة فعلها، كما تحكيها سعيدة كانت مفاجئة، بعد شرح طويل من سعيدة وباقي الطاقم للسيدة المعنية، استوعبت أن العدوى انتقلت إليها من زوجها، والذي يبدو أنه لا يعلم هو الآخر أنه مصاب بالمرض، لكن السيدة فضلت الصمت وعدم البوح بمرضها على الأقل لأبنائها وعائلتها، وتناولت العلاج في سرية. راوية، إحدى هؤلاء المرضى أيضًا، سيدة في الثلاثينيات من عمرها، اكتشفت أنها مريضة بالداء عبر زوجها، لتبدأ رحلة العلاج هي وابنتها ذات الثلاث سنوات والمريضة أيضًا بنفس الداء. في البداية رفضت راوية الحديث معنا عن مرضها، إلا أنه بعد إصرار، ومساعدة ناشطة جمعوية والتي تربطها معرفة براوية، أخبرتنا عن معاناتها.

تقول راوية إنها "اكتشفت المرض في فترة حملها بابنتها الوحيدة، وبعد إجراء فحوصات تبين أنها حاملة لفيروس السيدا، الخبر نزل عليها كالصاعقة، والزوج هو الآخر لم يستوعب الأمر أبدًا". كانت لراوية العديد من الأفكار التي وصفتها بـ"السوداء"، مثل الإجهاض أو الانتحار، لكن "بعد تقربها من الله"، كما تقول، أحست بالتوازن المطلوب والطمأنينة، لهذا قررت العلاج وإخبار والدتها فقط بمرضها، لأنه المبرر الوحيد لإقناعها بقبول الطلاق من زوجها، الذي رفضت أن تسامحه بسبب خياناته وتسببه في نقل فيروس السيدا لها ولابنتها.

عدد الإصابات الجديدة بالسيدا في المغرب يقدر بـ1200 سنويًا وتنطلق حملة سنوية في ديسمبر لجمع تبرعات للمرضى

رفضت راوية الحديث أكثر عن زوجها، وركزت فقط على ابنتها، التي تتناول العلاج رفقة والدتها، تعلق راوية، أنها "محظوظة بالرغم من هذه المعاناة لأنها تنحدر من أسرة ميسورة وتملك المال الكافي لشراء الأدوية، أو استشارة أطباء في المغرب أو في فرنسا، لكن قد يكون الأمر صعبًا بالنسبة لمرضى آخرين".

تبقى أعداد مرضى السيدا في المغرب في انخفاض مستمر منذ سنة 2000، حسب إحصاءات وزارة الصحة، وأبرزت أن المرض يتطور في المغرب بوتيرة ضعيفة تقل عن 1%. وآخر التقديرات تبين أن العدد الإجمالي للأشخاص المتعايشين مع الفيروس بالمغرب يناهز 24 ألفًا وأن عدد الإصابات الجديدة يبلغ 1200 سنويًا. 

واعتمد المغرب على استراتيجية وطنية في هذا الصدد، تتناسب مع بلوغ أهداف التنمية المستدامة لوضع حد للوباء في أفق 2030، موازاة مع اعتماد استراتيجية البرنامج المشترك للأمم المتحدة لفيروس نقص المناعة المكتسبة (أونيسيدا)، ومنظمة الصحة العالمية في الفترة ما بين سنة 2016-2021 حيث ينتظر في سنة 2030، الوصول إلى 90% من الأشخاص المتعايشين مع الفيروس الذين يعرفون إصابتهم، مع ولوج 90% منهم إلى العلاج المضاد لهذا الفيروس، وحذف الحمولة الفيروسية عند 90% من أولئك الذين يتلقون العلاج. إلا أنه وبالرغم من المجهودات التي تقوم بها وزارة الصحة والمجتمع المدني في هذا الإطار إلا أن مرضى السيدا لا يزالون يعانون من نظرة المجتمع إليهم، وعدم تمكينهم من البوح بمرضهم خوفًا من عدم تقبلهم من طرف المجتمع المغربي.

اقرأ/ي أيضًا:

أسماء أمازيغية ممنوعة في المغرب!

أزمة السكن في المغرب.. البحث عن "قبر الحياة"