السويداء.. تاريخ طويل يستريح

السويداء.. تاريخ طويل يستريح

بوابة المدينة القديمة (Getty)

هناك على عرش الجبل تتربع مدينة الجمال. مدينة السويداء التي تقع في أقصى الجنوب السوري. تبتعد عن العاصمة دمشق جنوبًا نحو مائة كيلومتر بمساحة تبلغ نحو 6550 كم²، وبتعداد سكاني يبلغ 476000 نسمة. امتازت هذه المحافظة بموقعها الجغرافي الجميل، وبآثارها الرومانية القديمة، وبمناخها الجبلي، وبربيعها الهادئ. تعتبر السويداء بمعايير الأمم المتحدة متحفًا طبيعيًا للأوابد الأثرية والتاريخية، فهي تضم العديد من ذاكرة العالم.

مدينة شهبافليبو بوليس. الاسم ليس مألوفًا، لكنها مدينة أثرية إمبراطورية، بناها الإمبراطور فيليب العربي ابن مدينة شهبا. واهتم بتصميمها وجعلها مشابهة لروما. كانت تسمى الصغيرة. وجعلها الإمبراطور مركزًا هامًا في الإمبراطورية الشرقية، فهي تحتوي على المسرح الروماني الشهير والمعابد والحمامات الرومانية الضخمة.

سلطان باشا الأطرش هو قائد الثورة السورية الكبرى ضدّ الفرنسيين وابن السويداء وفخر أهلها

قنوات أو كاناثا وهي مدينة أثرية دينية تضم معابد وكنائس موجودة أيضًا في السويداء، إضافة إلى صلخد، وهي أيضًا مدينة أثرية معروفة قديمًا باسم صرخد. تشتهر بقلعتها. أما الفسيفساء النادرة على مستوى العالم فهي في المجدل. وكما في المجدل كما في داما، معابد وآثار بيزنطية والدير التاريخي. تاريخ عميق في السويداء. ربما من أغنى المناطق أركيولوجيًا. فلا تكاد توجد قرية أو بلدة إلا ويوجد فيها آثار رومانية أو يونانية أو غيرها على امتداد مساحة المحافظة. كما وفي ربوعها أيضًا تتواجد آثار خلفها الآراميون والصفويون والأنباط، الذين دخلوها بعد انتصارهم في موقعة موناثا في امتان، أصبحت مدن المحافظة في عهد الأنباط مركزًا هامًا، تحديدًا في صلخد. فقد تعزز موقعها العسكري بفضل قلعتها الضخمة.

وفي أماكن عديدة من هذه المدينة وجد الباحثون آثارًا وكتابات نبطية قديمة. ومن جهة أخرى كانت طبيعة هذه المحافظة تشد إليها أنظار الخلفاء العرب أمثال الخليفة عمر بن عبد العزيز، والوليد بن عبد الملك الذي بنى لنفسه قصرًا في ريمة اللحف.
للسويداء حصة من شعراء العرب الكبار، كامرؤ القيس، وجرير الذي تعلق بهذا الجبل حبًا وذكرها قائلًا:
يا حبذا جبل الريان من جبل      وحبذا ساكن الريان من كانا
هبت شمالًا فذكرى ما ذكرتكم     عند الصفاة التي شرقي حورانا

إن لهذه المحافظة تاريخ عريق منذ القدم. حيث كان لها مكانًا متميزًا في التاريخ السوري الذي نتداوله جيلًا بعد جيل، وخصوصًا دورها في الثورة السورية الكبرى التي قادها سلطان باشا الأطرش ابن القرية في 1925. ومن أشهر معاركها معركة المزرعة ومعركة الكفر. فقد كان سلطان القائد العام للثورة ورمزها. يفتخر به جميع السوريين اليوم.

أحب السويداء خلفاء العرب والشعراء كتبوا فيها القصائد كجرير الأموي

اللافت، أن فسيفساء التاريخ تنعكس على الحاضر. فالمدينة هي الحضن الذي احتوى جميع أبنائه بكافة الطوائف، وبمختلف الفئات الاجتماعية. إلى ذلك، السويداء قلبها كبير. إنها البيت الكبير الذي استقبل العديد من اللاجئين والنازحين السوريين، نظرًا للحرب التي تشهدها البلاد منذ سنوات.

وبما أن هذه المحافظة تعتلي الجبل فإن مناخها ملائم للزراعة. رغم المآسي ما زال المزارعون صامدين. تاريخيًا اشتهرت بزراعة الكرمة أو العنب والتفاح والزيتون واللوزيات. الزراعة تعتبر مصدر العيش الأساسي لكثير من قاطني السويداء، حيث إن معظم أبناء المحلة يعتمدون على الزراعة ومنتجاتها في كسب دخلهم، كما يعتمدون على الصناعات المحلية والتقليدية كصناعة السجاد والأنسجة والمشروبات الكحولية كالعرق والنبيذ طبعًا.

أهل السويداء معروفون بالكرم والنخوة والشجاعة. هذا ليس مديحًا مجانيًا، هذا شائع عنها. بضعة أسطر لا تكفي لكتابة تاريخ هذه المدينة الرقيق، وحاضرها العليل، كنسمة هواء تمر من الجبل القريب.

اقرأ/ي أيضًا:

غرداية... الوجه الأزرق الساطع للجزائر

طريق عمّان ــ الشام.. وداعًا