السوري التائه

السوري التائه

فاسكو جارجالو/ البرتغال

خارج الأهداف العامة والكبرى للسوريين المشاركين في الثورة والمنحازين إليها والمؤيدين لها لم يعد، كما يتضح في التعبيرات السورية المتنوعة إن عبر وسائل التواصل أو عبر وسائل الإعلام المختلفة، لم يعد ثمة اتفاق سوري على الكثرة الكثيرة من الأمور التي تحدث ومن القضايا التي تبزغ ومن التفاصيل، وبنوع من التجرؤ في الأحكام يمكن القول إنهم لم يعودوا يتفقون على أي شيء!

أي حديث عن أي أمر طارئ سيكون حديثًا عن آراء السوريين الشخصية، لا عن رأي الثورة ولا عن رأي الفصائل المقاتلة!

ولى الزمن الذهبي الذي أشاع روحًا وطنية عالية بمرجعية الثورة السلمية، ولدى ظهور السلاح بدأ انقسام قاس بين من يؤيده انطلاقًا من رأي أن النظام السوري لن يسقط إلا بالقوة العسكرية، أو انطلاقًا من أن السوريين أرغموا على استخدام السلاح بمواجهة القوة العاتية التي لجأ إليها النظام، أو لاعتبارات أخرى، وبين من رفض اللجوء إلى السلاح تحت أي سبب على الإطلاق.

اقرأ/ي أيضًا: حملة بوتين على إدلب.. الخفايا والمآلات

وتعمق الاختلاف أكثر فأكثر لدى انحسار ظاهرة الجيش الحر، الذي انشق بداية عن جيش النظام السوري الذي يقتل شعبه، وانتشار القتال الفصائلي بغالبية فصائلية انطلقت من مرجعيات إسلامية وليست وطنية سورية، وكان قسم منها مرتهنًا للمموّل وينفذ سياسته لا سياسة الثورة. ولم تستطع المعارضة الرسمية التي تشكلت على خلفية الثورة أن تشكل مرجعية جديدة للسوريين بعد انكفاء مرجعية الثورة التي حصل عليها خلاف حاد هي الأخرى: إذ ظهرت خلافات سورية - سورية  حول تعريف الثورة منذ التسلح وانتشار الفصائل.

بالإضافة إلى ذلك فقد فشل عموم السوريين في تشكيل بنية مرجعية لهم، إن على شكل أحزاب أو هيئات سياسية، أو حتى ثقافية أو اجتماعية أو تجمعات أو تيارات تجتمع على مشتركات وتكون مرجعًا للسوريين في الحالات العامة التي تظهر باضطراد على الساحة المتفجرة. الأمر الذي جعل المواقف والآراء والانحيازات فردية بالمطلق، تتعلق بمزاج وآراء وانحيازات وانفعالات واضطرابات السوري بصفته فردًا!

وعليه فإن أي حديث عن أي أمر طارئ سيكون حديثًا عن آراء السوريين الشخصية، لا عن رأي الثورة ولا عن رأي الفصائل المقاتلة، ولا حتى عن رأي المعارضة المتعلق أصلًا برأي المموّل، وهذا الأخير ليس واحدًا أيضًا، بل متعدد ومختلف ومتقاتل أحيانًا!

لكن انعدام المرجعية السورية حسب ما تقدم هو واحد من أسباب النزاع السوري -السوري الدائم حول كل شيء، قد يكون أحد أهم الأسباب، وربما يكون السبب الأهم، لكن ثمة أسباب أخرى بالتأكيد، أكثرها إيلامًا هو الوضع المأسوي الذي يعيشه السوريون على الجغرافيا السورية الشرسة. هذا الوضع يؤدي إلى مزيد من تشتت رأي السوري وموقفه، ويشتت انحيازاته أيضًا بين من يرى، مثلًا، أن فصيلًا معينًا يدافع عنه وبين من يراه يبيعه. بين من يرى تركيا، مثلًا، تدافع عنه وبين من يراها تبيعه. وهذا يؤدي بدوره إلى بناء آراء متعلقة بكافة التفاصيل التي تنتج عن ذلك. وثمة تشتت أيضًا في آراء وانحيازات ومواقف المعارضين الذين يعيشون في مناطق سيطرة النظام (لا تتحدث المقالة عن المؤيدين الذين لديهم مرجعية ثابتة هي النظام) ناتجة عن تواجدهم في محيط غير آمن أمنيًا من جانب، وعن الوضع الاقتصداي المتردي حد الكارثة من جانب آخر، فمن يبحث عن لقمة العيش وعن الكهرباء والدفء وغير ذلك لن يكون بمستطاعه بناء موقف أو رأي أو انحياز، بشكل متواصل، انطلاقًا من مصلحة الثورة وسوريا المشتهاة!

الوضع المأسوي للجغرافيا وتحولاتها وتقلباتها والكارثة التي يعيشها سوريو "الداخل" سبب انهيارات نفسية عميقة، خاصة، للاجئين في دول الشتات. ثمة العديد من حالات الموت المفاجئ، والعيش في مصحات، والانتحارات، وغيرها... ترمي بظل غامق عليهم. ثمة الكثير من الصفحات تم إنشاؤها على الفيسبوك لأسباب إنسانية بحتة، منها ألا يشعر السوري أنه وحيد، وأن بإمكانه أن يبوح ويشتكي ويبكي دون تحفظات، وأن ثمة من يستطيع المساعدة. بالاطلاع على تلك الصفحات يشعر المتابع أن الكثير، بل الأغلبية من سوريي المنافي يعيشون أوضاعًا نفسية مزرية غلب عليها الشعور بالوحدة والخذلان وانعدام الأمل بل اليأس والشعور بالعجز المبرّح تجاه سوريي "الداخل" من أهل وأصدقاء ومعارف وجيران وأولاد حي... وأولاد بلد!

ثمة إحساس عارم يثيره ما ينشره سوريون مخذولون أن السوري، بمطلق الصفة، مريض

ثمة إحساس عارم يثيره ما ينشره سوريون مخذولون أن السوري، بمطلق الصفة، مريض. هذه الانهيارات النفسية مثلما هي ناتج تمزقات سورية - سورية هي أيضًا سبب لتمزقات. فالسبب والنتيجة يعملان كشيء واحد في وضعيات معينة ويتبادلان الأدوار.   

اقرأ/ي أيضًا: التمويل بالإكراه.. بِدع الأسد في إنعاش خزينته

هذا التوهان السوري تجلى في الاختلاف حول "كل شيء". هو سبب ونتيجة. من تجلياته المأسوية هو ذلك التفارق الكبير من مشاعر إنسانية طافحة لدى بعض، وانعدام هذه المشاعر أحيانًا لدى بعض آخر لدى ظهور حالة إنسانية صرف كحالة مازن حمادة، الناجي الذي عاد إلى سوريا النظام بعد أن قام بإجراء الكثير من الظهورات الإعلامية بين مقابلات صحفية وأفلام يروي فيها اعتقاله الخاص واعتقال باقي السوريين، وما عاناه شخصيًا ويعانيه باقي المعتقلين، ونشط في برلمانات أوروبية ومؤسسات دولية عديدة، وشهد على جرائم النظام في العديد من المحاكم الدولية والأوروبية، ونتيجة شعوره بالخذلان العظيم عاد ليواجه مصيرًا يعرفه هو أيضًا عند نظام فعل كل شيء للتعبير عن توحشه وهمجيته تجاه السوريين جميعًا بمن فيهم موالوه، عودة انتحارية صنعها أو سهّلها عليه انهياره النفسي. 

السوري المخذول، فاقد الأمل، العاجز عن الفعل، المترقب، الوحيد، الهارب، الجائع، الخائف... كيف، والحال هذه، لا يكون تائهًا؟!

 

اقرأ/ي أيضًا:

المحاسبة وسؤال العدالة

إدلب.. قصة موت معلن