السودان يواجه تصعيدًا متزايدًا بعد مجازر الفاشر وتباين المواقف حول الهدنة
9 نوفمبر 2025
يتكشّف يومًا بعد آخر حجم الفظائع المرتكبة في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليها في الـ26 من تشرين الأول/أكتوبر الماضي.
وفي أحدث الفظائع المكتشفة والموثقة، أكدت شبكة أطباء السودان، في م صادر عنها اليوم الأحد، أنّ قوات الدعم السريع "جمعت مئات الجثث من شوارع وأحياء مدينة الفاشر ودفنت بعضها في مقابر جماعية، وحرقت مجموعة من الجثث في محاولة يائسة لإخفاء جرائمها بحق المدنيين".
ووصفت الشبكة هذه الجريمة بأنها من "أبشع الممارسات اللاإنسانية التي تضاف إلى السجلات الإجرامية لانتهاكات قوات الدعم السريع في السودان".
كما اعتبرت الشبكة أنّ "حرق الجثث والدفن في مقابر جماعية يعدّ جريمة إبادة جماعية مكتملة الأركان، تمارسها الدعم السريع، ضاربةً عرض الحائط بكل الأعراف الدولية والدينية التي تحرّم التمثيل بالجثث، وتمنح الموتى حق الدفن بصورة تحفظ كرامة الضحايا".
قوات الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية مكتملة الأركان في مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور
وحمّل بيان شبكة أطباء السودان قيادة الدعم السريع مسؤولية الجرائم والانتهاكات المرتكبة في مدينة الفاشر، وشددت الشبكة على أن هذه الجرائم "لا تتقادم ولن تُمحى أو تُطمَس آثارها بالتستر أو الحرق".
ولضمان تحقيق العدالة للضحايا، دعت شبكة أطباء السودان "المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري والعاجل لفتح تحقيق دولي مستقل في ما يجري بالفاشر"، وشددت الشبكة على أنّ الأوضاع في المدينة "تجاوزت حدود الكارثة الإنسانية إلى جريمة إبادة ممنهجة، تستهدف الإنسان في حياته وكرامته، في ظل صمت دولي مخزٍ يرقى إلى التواطؤ".
وكانت كبريات وسائل الإعلام قد أكّدت، استنادًا إلى صور الأقمار الصناعية وشهادات الناجين والفارين، ارتكاب مجازر جماعية، ووجود الجثث بالعشرات على قارعة الطرق، ومئات أخرى مكدّسة في تجمعات قرب الثكنات وحول أطراف المدينة.
وتتحدث تنسيقية لجان مقاومة الفاشر عن قتل ما لا يقل عن 2000 من المدنيين خلال الهجمات التي شنتها قوات الدعم السريع على المستشفيات والأحياء السكنية وملاجئ النازحين خلال اقتحامها للمدينة وسيطرتِها عليها.
البرهان يتوعد بالاقتصاص
وفي سياق متصل، زار رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، أمس السبت، مناطق النازحين والفارين من الفاشر بمحلية الدبة بالولاية الشمالية في شمال البلاد.
وتعهّد البرهان للأهالي "بالاقتصاص لدماء الشهداء" في مدينة الفاشر وجميع أنحاء السودان من قوات الدعم السريع، كما تعهد البرهان بتوفير المساعدات الإنسانية اللازمة للنازحين في دبة بشكل عاجل.
وتوجد بمحلية الدبة 3 مخيمات لإيواء النازحين من الفاشر. يشار إلى أن الدبة تؤوي أيضًا أكثر من 4 نازحين من إقليميْ كردفان ودارفور. ولتأمين الحاجيات الأساسية لأعداد النازحين المتزايدة منذ سقوط الفاشر بيد قوات الدعم السريع، دعت لجان الطوارئ والأزمات هناك إلى "تقديم العون في مجاليْ الصحة والمياه".
استمرار التصعيد
إلى ذلك، صعّد الجيش السوداني من عملياته ضدّ قوات الدعم السريع في مناطق تمركزها الرئيسية في إقليم دارفور، حيث شنّ الطيران الحربي التابع للقوات المسلحة السودانية، مساء أمس السبت، غارات جوية على مطار نيالا في ولاية جنوب دارفور والمواقع التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع في الإقليم، وذلك في محاولة "لتقليص قدرات قوات الدعم السريع"، حيث دمّر الطيران الحربي، في تلك الغارات، "إمداداتٍ عسكرية ولوجستية بينها منصات إطلاق الطائرات المسيّرة الاستراتيجية التي كانت تُستخدم لاستهداف مواقع عسكرية ومدنية في مناطق سيطرة الجيش" بحسب مصادر تحدثت لموقع "الترا سودان".
ورجّحت تلك المصادر أن تشهد الأيام القليلة المقبلة "ضربات مكثفة في عمق مواقع الدعم السريع، في إطار جهود الجيش لتعطيل قدرات المليشيا على شنّ هجمات جديدة".
يشار إلى أنّ مطار نيالا تستخدمه قوات الدعم السريع "في جلب الإمدادات والعتاد الحربي"، وسبق للطيران الحربي التابع للجيش أن استهدفه خلال العام الجاري عدة مرات.
وادعت قوات الدعم السريع، الأربعاء الماضي، أنّ "طائراتٍ مسيّرة انطلقت من قاعدةٍ خارجية نفّذت ضرباتٍ جوية استهدفت مناطق مأهولة في مدينتي زالنجي وكبكابية بإقليم دارفور".
وتوعّد قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو الملقّب "حميدتي"، بضرب أي "مطار تُقلع منه المسيّرات والطائرات التابعة للجيش السوداني".
وفي سياق متصل، استبعدت القوة المشتركة المتحالفة مع الجيش السوداني أن يتوصل فرقاء الحرب إلى أي هدنة في السودان "قبل انسحاب الدعم السريع من المرافق المدنية"، واعتبرت القوة المشتركة أن أي حديث عن هدنة، في ظل هذا الوضع، عبارة عن "تجميل للعنف وإعادة تموضع للمعتدي تحت لافتة السلام".
وعبّرت القوة المشتركة عن قلقها من الحديث المتزايد عن الهدنة، في إشارة إلى مبادرة الآلية الرباعية التي تقترح هدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، يليها وقف دائم لإطلاق النار ومرحلة انتقالية يعود خلالها المسلحون إلى ثكناتهم.
واعتبرت القوة المشتركة أنّ "الهدنة الحقيقية لا تبدأ بالتصريحات، بل بانسحاب القوات المعتدية، وضمان حماية المدنيين، ومحاسبة الجناة على جرائمهم"، وشددت القوة المشتركة على أنّ "حماية المدنيين، وتوثيق جرائم الإبادة، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم بأمان، هي الأسس الوحيدة لأي عملية سلام ذات مصداقية". وحذرت القوة المشتركة ممّا سمته "تجاهل الحقائق على الأرض عند الحديث عن الهدنة حتى لا يؤدي ذلك إلى كارثة جديدة".
يشار إلى أنّ القوة المشتركة تضم كلًّا من: حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وقوات عضو مجلس السيادة عبد الله يحيى.
الحكومة المركزية تتمسك بخريطة الطريق المعلن عنها من طرفها
من الواضح أن لدى الجيش السوداني والحكومة المركزية هواجس من الهدنة المقترحة من طرف الآلية الرباعية التي تضم الولايات المتحدة الأميركية ومصر والسعودية والإمارات، وبدلًا من إعلان موقف صريح بالرفض أو القبول، دفعت الحكومة نحو توجيه النقاش إلى خريطة الطريق التي أعلنت عنها في شباط/فبراير من العام الجاري.
وفي هذا الصدد قال سفير السودان في واشنطن محمد عبد الله إدريس إن الحكومة ملتزمة بتلك الخريطة التي "تنتهي بتنظيم انتخابات حرة، تُراقب دوليًا، يختار فيها الشعب من يمثله في الحكم".
واعتبر السفير السوداني أنه من الأهمية بمكان كبير "إنهاء خطر مليشيا الدعم السريع في السودان، ووقف إمدادات السلاح التي تتلقاها ومحاسبة من يشعلون الحرب في السودان من دول الإقليم" وفق تعبيره.
وبناءً على الانتهاكات الموثّقة بالصوت والصورة في الفاشر، دعا السفير السوداني في واشنطن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية أجنبية.
يشار إلى أن رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان سلم في وقت سابق خريطة الطريق إلى الأمم المتحدة. وفي حين ترى الحكومة أن خريطة الطريق تمهد لإنهاء تمرد قوات الدعم السريع، فإن بعض القوى المتحالفة معها، ولا سيما حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، يرى أنها "تحتوي على بنود تقود إلى انفصال دارفور".
لكن أوساط مقربة من الحكومة والجيش تعتقد أن تفسيرات مناوي غير دقيقة، لا سيما أن قائد الجيش السوداني شدد أكثر من مرة على ضرورة "تجميع قوات الدعم السريع في معسكرات رئيسية بغرض التسريح وإنهاء هذه القوات"، مؤكدًا "عدم وجود مستقبل سياسي لها ولقادتها".






