السودان والجزائر بين تطبيعيْن

السودان والجزائر بين تطبيعيْن

يتناقض التطبيع مع إسرائيل ونظام الأسد مع المسار الديمقراطي (الأناضول)

يبدو واضحًا أن الموجة الجديدة من الربيع العربي، تنفتح الآن على أسئلة ورهانات جديدة، حتى يُظن أنها تواجه أزمة شرعية. ففي السودان، تواجه المرحلة الانتقالية تحدي التطبيع مع إسرائيل، حيث يقود التيار العسكري التواق إلى شرعية دولية، موجة غير مسبوقة من مد الجسور الرسمية مع تل أبيب، في حين بدا موقف الحكومة الانتقالية، حتى بالنسبة لأنصارها، باهتًا، مع التسوية التي قادها الرجل العسكري الثاني في البلاد، حميدتي، لرأب الصدع بين الجانبين، لكن دون أن يتم تغيير أي شيء على الأرض، أو أن توقف إجراءات التطبيع التي بدأت بالفعل.

التطبيع مع إسرائيل والنظام السوري، يعني بوجه من وجوهه انقلابًا على أحد الإنجازات، التي حققتها المرحلة الثانية من الاحتجاجات عربيًا

في الجزائر أيضًا، فإن سؤالًا آخر لا يقل أهمية يلوح في الأفق، مع تصريح الإدارة التي جاء بها المشهد الانتخابي، بشأن ضرورة "إعادة سوريا إلى الجامعة العربية"، وهو تصريح غير مسبوق عربيًا، حتى لو قورن مع المساعي الإماراتية لإعادة ترويج النظام السوري، وتواطؤ بعض حلفائه العرب.

اقرأ/ي أيضًا: الموجة الثانية من الربيع العربي.. عن إعادة الاعتبار للمسار الإصلاحي

ثمة تطبيع في الحالتين، سواء مع استعمار يمثل الصراع ضده جزءًا من الهوية الجمعية لساكني المنطقة العربية، أو مع نظام يعتبر على نطاق واسع رمزًا للفاشية، ولإفشال التطلعات العربية بالحرية والديمقراطية، بالعنف والبراميل المتفجرة. وهو تطبيع لا يمكن المرور عليه ببساطة، خاصة في دولتين تمثلان الآن نموذجًا واعدًا للانتقال الديمقراطي.

لا يتعلق الأمر بالموقف السياسي المتبنى هنا، برفضه أو قبوله، ولكن والأهم، بعلاقته بمسألة الديمقراطية نفسها. في حالة إسرائيل، فإن أبجديات التصور الأمني في تل أبيب، تتعارض بالكامل مع التطلعات الشعبية العربية لبناء أنظمة ديمقراطية، ولطالما ارتبط التطبيع في الذهن العربي، باعتباره وسيلة الديكتاتوريات من أجل اكتساب شرعية، تتغاضى عن الوضع الحقوقي ومسألة الحريات. كما أن الأنظمة المستبدة كانت الأسبق دائمًا للتطبيع أو محاولة التطبيع مع إسرائيل. بينما كانت الاحتجاجات الشعبية، بمثابة العائق الأول أمام موجات التطبيع تلك، بدءًا من مشهد إغلاق السفارة الإسرائيلية في القاهرة بعد ثورة يناير، وصولًا إلى التقارير التي تحدثت عن مشروع تسوية كان يتطور بين النظام السوري وإسرائيل بوساطة أمريكية، عطلته الانتفاضة الشعبية في البلاد، وهو ما يوضحه بالتفصيل وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري في مذكراته.

هذا في حالة التطبيع مع إسرائيل، أما في حالة التطبيع مع النظام السوري، فلا بد من التأكيد أن ما يمثله نظام الأسد بالنسبة للتطلعات الديمقراطية في الوطن العربي، ليس مجرد نظام مجرم، قتل مئات الآلاف من شعبه، وقام بتطهير عرقي لم يشهد مثله القرن الواحد والعشرون. ولكن وفوق ذلك، فإن النظام السوري، مثل في خطاب الثورة المضادة عربيًا، مثالًا يحتذى به على "المصير الأسود" لأي توق للتغيير. وكانت حالة الثورة السورية، بمثابة قاعدة أساسية لبروبغاندا الأنظمة الطائفية الخائفة من تمدد الانتفاضات، والتي بنت خطابًا كاملًا يستند إلى مقولة أن الاحتجاجات تقود إلى الدمار، وهددت شعوبها بأن أي تحرك سيكون ما حدث في سوريا نتيجة له.

ما كان مفاجئًا في الموجة الثانية من الربيع العربي في السودان والجزائر والعراق ولبنان، أنها قفزت عن تلك السردية، حتى بدا أن ثنائية الاستبداد أو الخراب لم تعد كافية، لجعل الناس راضين بالقمع وغياب الحريات والاستبداد. بموازاة ذلك، كان هناك ثنائية أخرى تريد الأنظمة المناصرة لإيران فرضها، وهي إما الاستبداد والطائفية في حالات سوريا ولبنان والعراق، أو الارتماء في أحضان تل أبيب. ومجددًا كانت الموجة الثانية من الربيع العربي تقويضًا بالممارسة لتلك السرديات.

وببساطة، فإن التطبيع مع إسرائيل والنظام السوري، يعني بوجه من وجوهه انقلابًا على هدا الإنجاز، الذي حققته المرحلة الثانية من الاحتجاجات عربيًا. مع ذلك، فإن المسؤولية الأساسية على عاتق مناصري التغيير عربيًا، والشوارع التواقة للديمقراطية في السودان والجزائر، ألا تعزز تلك الثنائيات أكثر. لأن القول بأن ما حدث يمثل فشلًا للاحتجاجات لا يصب سوى في صالح الأنظمة.

إن ما حدث يمثل مشكلة أساسية وبنيوية داخل النمط الإصلاحي، الذي كان لا بده له من التفاوض مع أجزاء من النظام القديم من أجل الوصول إلى تسوية تبدأ بمسار ديمقراطي، لكن هذا لا يكفي لرفض المسار كله. ومن الخطأ الافتراض أن الانتفاضتين في الجزائر والسودان، سيغيران من قناعات تلك الأجزاء القديمة من النظام.

 لكن ما يمكن للشارع ولممثلي الحراكين أن يفعلوه، هو الضغط على تلك الأجزاء، باستخدام تلك القضايا نفسها، فهي ليست مجرد قضايا ثانوية تتعلق بالسياسة الخارجية، ولكنها في قلب مصير الانتقال الديمقراطي، ويجب أن يتم إقحامها داخل عمليات التفاوض نفسها.

اقرأ/ي أيضًا: مساءلة جزائرية تأخرت "قليلًا"

ما لم يحدث في كل من السودان والجزائر للأسف، هو أن يتم استخدام تلك القضايا في الاستقطاب السياسي الداخلي، للضغط على الأجزاء القديمة من النظام، والمساومة معها، وإجبارها على تقديم تنازلات، على قاعدة الرفض الشعبي للتطبيع سواء مع إسرائيل أو مع مجرم حرب مثل بشار الأسد. أما الاكتفاء ببيانات باهتة، والشعور بأن السياسة الخارجية ليست أولوية، فلن يكون مفيدًا.

المسار الإصلاحي في سبيل إنجاز انتقال ديمقراطي مسار طويل بالتأكيد، والتفاوض مع النظام وفرض أنماط استقطاب عليه، ضرورة على المدى الطويل، لكن ما هو مطلوب الآن بالتأكيد، أن تكون تلك القضايا ضمن أولويات هذا الاستقطاب.

 

اقرأ/ي أيضًا:

 الدولة العميقة.. "مؤامرة" بلا متآمرين