السودان في 2025: الحرب المستمرة ومسار التحديات نحو السلام
31 ديسمبر 2025
مع إطلالة فجر آخر يوم من العام 2025، تكون حرب السودان قد أكملت 990 يومًا منذ اندلاعها في 15 نيسان/أبريل 2023. وشهد العام المنصرم أحداثًا مهمة على عدة أصعدة، يأتي في مقدمتها التحولات في مشهد الحرب والتغيرات على خارطة السيطرة على الأرض بين القوات المتحاربة. كما تميز العام بتطورات سياسية وإنسانية، وضغوط دولية مستمرة لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين، إلى جانب استمرار الأنشطة المدنية والفنية والرياضية للسودانيين رغم صخب الحرب، والعديد من الأحداث التي رصدتها "الترا صوت".
تغيرات المشهد العسكري
من أبرز الأحداث التي شهدها العام 2025 التغير الكبير في خريطة السيطرة العسكرية على الأرض. فبعد التقدم الذي أحرزته قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب وحتى نهاية 2024، بسيطرتها على العاصمة الخرطوم وولايات الجزيرة وسنار في وسط السودان وأجزاء من ولاية النيل الأبيض، حدث تحول كبير في المشهد الميداني.
ففي كانون الثاني/يناير 2025، استعاد الجيش السوداني السيطرة على مدينة ود مدني، عاصمة ولاية الجزيرة، في خطوة اعتُبرت تحولًا استراتيجيًا أعاد له مركزًا اقتصاديًا وسكانيًا بالغ الأهمية. وكان قبلها بنحو شهرين قد استعاد الجيش مدينة سنجة، عاصمة ولاية سنار، من قبضة قوات الدعم السريع.
وفي آذار/مارس، واصل الجيش تقدمه باستعادة القصر الرئاسي ومطار الخرطوم وعدد من المقار الحكومية السيادية. وتُوج هذا المسار في أيار/مايو 2025 بإعلان خلو ولاية الخرطوم من قوات الدعم السريع بعد أكثر من عامين من سيطرتها على معظم الولاية.
من أبرز الأحداث التي شهدها العام 2025 التغير الكبير في خريطة السيطرة العسكرية على الأرض
في المقابل، وبعد حصار استمر منذ أيار/مايو 2024، تمكنت قوات الدعم السريع من السيطرة على مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في 26 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لتصبح آخر المدن الرئيسية في إقليم دارفور التي يسيطر عليها الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه. وبهذا التقدم، بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها على معظم إقليم دارفور ومدنه الرئيسية، عدا بعض المناطق المحدودة.
بعد نحو ستة أسابيع من سيطرتها على الفاشر، أعلنت قوات الدعم السريع اقتحامها قيادة الفرقة 22 مشاه في مدينة بابنوسة، إحدى أهم مدن ولاية غرب كردفان. وبهذا التغير على الأرض، تكون قد أحكمت سيطرتها على ولاية غرب كردفان، فيما تسيطر على أجزاء من ولايتي جنوب وشمال كردفان.
المشهد السياسي
بعد تعثر استمر منذ انقلابه على شريكه المدني في الحكومة الانتقالية في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021، عيّن رئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في أيار/مايو 2025، الدكتور كامل إدريس رئيسًا لوزراء الحكومة الانتقالية التي يقودها الجيش.
في تموز/يوليو من العام نفسه، أعلن تحالف السودان، المعروف اختصارًا بـ"تأسيس"، تشكيل مجلس رئاسي لحكومة انتقالية برئاسة قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو "حميدتي". وقرر التحالف خلال اجتماع في نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، اختيار محمد التعايشي رئيسًا للحكومة الانتقالية. كما تم تعيين عبد العزيز آدم الحلو، رئيس الحركة الشعبية، نائبًا لرئيس المجلس الرئاسي.
وتواصلت خلال العام الجهود لجمع الفرقاء السياسيين من أجل الوصول إلى أرضية مشتركة لتشكيل رؤية لحكم مدني لما بعد الحرب، لكن هذه الجهود دخلت العام الجديد ولا تزال متعثرة.
الضغوط الدولية والرباعية
استمرت الضغوط الدولية خلال عام 2025 من أجل إعلان هدنة وحماية المدنيين، حيث واصل مجلس الأمن الدولي تعامله مع أزمة السودان من خلال تمديد قرارات سابقة دون اتخاذ خطوات قانونية جديدة كبرى.
وكان من أبرز ما صدر تجديد العقوبات الدولية المفروضة على أطراف النزاع، وتشمل حظر السلاح وتجميد الأصول ومنع السفر بحق أشخاص متهمين بارتكاب انتهاكات جسيمة أو بعرقلة جهود السلام. وأكد المجلس أن هذه العقوبات موجهة لأفراد وجهات محددة، ولا تستهدف الدولة السودانية ككل.
كما مدد مجلس الأمن عمل لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة، وهي الجهة المسؤولة عن مراقبة تنفيذ العقوبات وتوثيق الانتهاكات ورفع تقارير دورية للمجلس، ما يعني استمرار السودان تحت المراقبة الدولية القانونية.
وفي مواقف سياسية ذات طابع قانوني، عبّر المجلس عن رفضه لأي محاولات لإعلان حكومات موازية في السودان، مؤكدًا تمسكه بوحدة البلاد ورفض تغيير السلطة بالقوة، دون أن يصدر قرارات ملزمة بهذا الخصوص.
ورغم التحذيرات المتكررة بشأن الانتهاكات ضد المدنيين وتدهور الأوضاع الإنسانية، لم يصدر في 2025 أي قرار أممي بفرض وقف إطلاق نار ملزم، أو بنشر قوات حفظ سلام، أو باستخدام القوة.
وفي أيلول/سبتمبر 2025، تشكّلت الرباعية الدولية المعنية بحل أزمة السودان، وتضم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر ودولة الإمارات. وأعلن رسميًا عن تشكيل الرباعية في 12 أيلول/سبتمبر عبر بيان مشترك لوزراء خارجية الدول الأربع، أكدوا فيه تنسيق جهودهم لوقف الحرب في السودان، ودعم حل سياسي شامل، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين.
وتهدف الرباعية إلى ممارسة ضغط دبلوماسي موحّد على أطراف النزاع، ودفعهم نحو وقف إطلاق النار وبدء عملية سياسية تقود إلى استعادة الحكم المدني في السودان.
الأزمة الإنسانية
تفاقمت الأزمة الإنسانية في السودان كنتيجة طبيعية لتداعيات تصاعد العمليات العسكرية خلال 2025، خاصة بعد سقوط مدينتي الفاشر وبابنوسة واستمرار النزاع في جنوب كردفان.
وشهدت دارفور في نوفمبر الماضي زيارة وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، كأول مسؤول أممي رفيع المستوى منذ اندلاع الصراع. وجاءت هذه الزيارة في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من أن الوضع في السودان يزداد سوءًا، حيث يواجه أكثر من 21 مليون شخص، أي نحو 45% من إجمالي السكان، انعدامًا حادًا للأمن الغذائي بعد أكثر من عامين ونصف من النزاع.
وعلى صعيد متصل، تصدّر السودان مجددًا قائمة "مراقبة الأزمات الإنسانية العالمية" الصادرة عن "لجنة الإنقاذ الدولية"، في ظل الصراع المستمر الذي أودى بحياة عشرات الآلاف، تلاه في الترتيب الأراضي الفلسطينية وجنوب السودان وإثيوبيا وهايتي. وهذه هي المرة الثالثة على التوالي التي يتصدر فيها السودان هذه القائمة، التي تسلط الضوء على الدول الـ20 الأكثر عرضة لحالات طوارئ إنسانية جديدة أو تفاقم أزمات قائمة.
وقال الرئيس التنفيذي للجنة الإنقاذ الدولية، ديفيد ميليباند، في بيان له: "ما نشهده على أرض الواقع ليس حادثًا مأساويًا عابرًا. فالعالم لا يكتفي بالتقاعس عن الاستجابة للأزمة، بل إن الأفعال والأقوال تسهم في تفاقمها وإطالة أمدها". وأضاف: "حجم الأزمة في السودان، التي تصدرت قائمة المراقبة للعام الثالث على التوالي وأصبحت الآن أكبر أزمة إنسانية مسجلة على الإطلاق، دليل على هذا الخلل".
"غرف الطوارئ"
من إشراقات العام 2025، على الرغم من قتامة الأوضاع الإنسانية بسبب الحرب، فوز "غرف الطوارئ" بالعديد من الجوائز العالمية، مما عزز مكانة العمل الطوعي المحلي الإنساني كشريك فعّال للمنظمات الدولية.
من أبرز الإنجازات خلال فترة الحرب فوز شبكة "غرف الطوارئ السودانية" بجائزة "Right Livelihood Award " لعام 2025، وهي جائزة دولية مرموقة تُمنح لمبادرات التغيير والعمل الإنساني. جاء التكريم تقديرًا لدور الغرف في إنقاذ الأرواح وتقديم الخدمات الأساسية وسط القصف وانهيار الدولة.
سبق أن حصلت الشبكة على جائزة "تشاتم هاوس"، وجائزة "رافتو"، وجائزة "ريتشارد سي. هولبروك للمناصرة الدولية"، وجائزة الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان، جميعها في عام 2025. كما تم ترشيحها لجائزة نوبل للسلام ثلاث مرات خلال عامي 2024 و2025 بواسطة معهد "أبحاث السلام في أوسلو"، ورشحت منصة " AidEx" السنوسي آدم، منسق الاتصال الخارجي لـ"غرف الطوارئ السودانية"، لجائزة البطل الإنساني للعام 2025.
كما مُنحت جائزة "Aurora Prize for Awakening Humanity " للطبيب السوداني جمال الطيب، الذي واصل العمل داخل الخرطوم في ظروف بالغة الخطورة، في اعتراف عالمي بالبطولة المدنية الفردية في مواجهة الحرب.
من إشراقات العام 2025، على الرغم من قتامة الأوضاع الإنسانية بسبب الحرب، فوز "غرف الطوارئ" بالعديد من الجوائز العالمية
الرياضة والفنون
لم توقف الحرب المستمرة جهود السودانيين في النهوض في مجالي الرياضة والفنون والكتابة. إذ شهد العام 2025 نشاطات مستمرة في المنافي لإبراز صوت السودان وفضح آثار الحرب من خلال الأفلام والفنون التشكيلية.
كان هناك حضور ونجاحات مهمة للأفلام السودانية أو المرتبطة بالسودان في مهرجانات دولية، وفازت بعدة جوائز عام 2025، أهمها:
- فيلم "ملكة القطن" من إخراج سوزانا ميرغني، نال جائزة "Golden Alexander" لأفضل فيلم في مهرجان "سالونيك السينمائي الدولي" (Thessaloniki Film Festival) في اليونان، وهي أعلى جائزة في المسابقة الرسمية للمهرجان. كما حقق الفيلم جائزة الجمهور في مهرجان الدوحة السينمائي، وفق تقارير الأخبار السينمائية الأخيرة.
- فيلم "السودان.. تذكرونا"، وهو فيلم وثائقي من إخراج هند مدب، يسلّط الضوء على الثورة السودانية والتحولات الاجتماعية بعد سقوط نظام الرئيس عمر البشير. وقد فاز بالجائزة الرئيسية في مهرجان أسوان الدولي للأفلام النسائية لعام 2025، ولاقى أيضًا عروضًا مميزة في مهرجانات مثل فينيسيا وتورنتو، مع تقدير نقدي واسع.
- فيلم "عن الحب وقوانين سبتمبر" لمحمد كردفاني، كان من بين الفائزين في جوائز سوق البحر الأحمر لعام 2025، وهو حدث فني مهني ضمن مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي يكرّم المشاريع السينمائية والأعمال الإبداعية.
على صعيد الأدب، نالت الكاتبة السودانية الاسكتلندية ليلى أبو العلا جائزة "PEN Pinter Prize " لعام 2025، وهي من الجوائز المرموقة التي تُمنح للكتّاب الذين يجمعون بين القيمة الأدبية والالتزام الإنساني. اكتسب هذا التتويج دلالة خاصة في ظل الحرب، إذ أعاد تسليط الضوء على الأدب السوداني المكتوب بالإنجليزية بوصفه أدبًا يعبر الحدود، وقادرًا على مخاطبة القارئ العالمي من موقع أخلاقي وإنساني، لا من موقع الضحية فقط.
ولم تغب الفنون التشكيلية عن المشهد، إذ شارك فنانون سودانيون في معارض أوروبية ودولية تناولت الحرب والذاكرة والنزوح. وحصد الفنان معتز مختار اعترافات وترشيحات في مسابقات فنية عالمية، مثل "Luxembourg Art Prize".
وفي مجال الرياضة، ورغم الانهيار شبه الكامل للبنية التحتية الرياضية داخل السودان، شارك رياضيون سودانيون في العديد من المناشط الدولية والإقليمية، خاصة في كرة القدم والسباحة وألعاب القوى. هذه المشاركة، وإن كانت محدودة النتائج، حملت قيمة رمزية عالية، إذ حافظت على وجود السودان في واحدة من أكبر التظاهرات الرياضية العالمية.