السنوات الأخيرة في حياة تشارلز بوكوفسكي

السنوات الأخيرة في حياة تشارلز بوكوفسكي

بوكوفسكي مع زوجته ليندا (الموقع الرسمي للكاتب)

"كان من الصعب جدًا بالنسبة لي أن أغادر مسلخًا أو مصنعًا وأعود إلى منزلي لأكتب قصيدة عن الغيوم. لقد أدت الحياة الصعبة إلى العبارة الصعبة، والعبارة الصعبة أعني بها؛ العبارة الحقيقية الخالية من الحُلي".

في عام 1969، قرّر بوكوفسكي ترك وظيفته في خدمة البريد بالولايات المتحدة، بعدما عمل فيها لأكثر من عقد، فقد شعر أنه سوف يصاب بالجنون بسببها

بدا ممكنًا استعراض حياة تشارلز بوكوفسكي من خلال كتاباته، إذ قام بمشهدة جميع المواقف التي عاشها، ابتداءً من طفولته، بداياته ككاتب، ووظيفته في البريد. إلا أن هناك جوانب غير معروفة في سيرته؛ مثل يومياته الأخيرة، حقيقة علاقته بالنساء، وتفاصيل مرضه وموته.

اقرأ/ي أيضًا: تشارلز بوكوفسكي.. الشعر بلا جمالياته

في عام 1969، قرّر بوكوفسكي ترك وظيفته في خدمة البريد بالولايات المتحدة، بعدما عمل فيها لأكثر من عقد، فقد شعر أنه سوف يصاب بالجنون بسببها. وفقًا لمذكراته، كان عمره 46 عامًا حينها، وتوقع أنه سيموت قريبًا بسبب الاستهلاك المفرط للكحول، ما ألزمه منزله ودفعه إلى العزلة، والمداومة على أمرين كان يظن أنهما قد يسرعان حياته: شرب الكحول والنوم. لكنه وبخلاف ذلك، سوف يعيش أكثر مما يتخيل، وأطول مما يتوقع أي طبيب.

ضمن هذا الإطار، وبالرغم من هذه العدائية مع الواقع، فإن بوكوفسكي لم يضيع وقته؛ فقد كان كاتبًا مجتهدًا ومنتجًا، ولم يتوقف مطلقًا عن إرسال قصائده وقصصه ومقالاته إلى جميع المجلات الأدبية تقريبًا في الولايات المتحدة، وكذلك العديد من الصحف في أوروبا. حسب الموقع الرسمي للكاتب.

في عام 1972 كتب: "هناك أوقات يتعين فيها على الرجل أن يقاتل كثيرًا من أجل الحياة لدرجة أنه لم يعد يملك الوقت ليعيشها". لكنه بعد عدة صفحات، يذكر أن نسيبه جون مارتن، مالك ومؤسس "بلاك سبارو برس" وهو ناشر مستقل في كاليفورنيا. عرض عليه راتب شهري بقيمة 100 دولار مقابل التفرغ للكتابة. وعلق قائلًا في رسالة إلى مارتن "هذا الشيء الذي لا يصدق، الآن أستطيع النوم وتناول الطعام وشرب الفودكا والكتابة. طريق الخسارة قد انتهى أخيرًا".

منذ ذلك اليوم بدا أن بوكوفسكي قد امتلك الثالوث الأقدس في حياته: الكحول والكتابة، والمرأة متمثلة بصديقة مسنة صادفها تدعى "جين كوني بيكر". كانت بيكر بمثابة ملاذ بوكوفسكي الأول نحو النساء. لقد ألهمت خصوصيته الخيالية وشكلت أسلوبه الفريد، إذ كانت أول امرأة تَقبله، وكانت شريكته بالشراب، وأيضًا في تدمير الذات. بكى بوكوفسكي وكتب قصائد رثى بها بيكر حين ماتت.

في أوروبا، بدأت كتابات بوكوفسكي تنتشر كنوع من أنواع الروك لما تحويه من صخب، وفي عام 1978، خلال زيارته الأولى للقارة القديمة، وفي أثناء مروره بمدينتي كولونيا وهامبورغ في ألمانيا، اشتكت عدة منظمات نسوية من حضوره، في إشارة إلى استحقاره للنساء في كتاباته. لكن بالحقيقة كان بوكوفسكي رومانسيًا، بل كان يحب النساء، وكان لهن على مذبح، لكنه كان يعرف أيضًا أن لديهن القدرة على تدميره. وفقًا لمقابلته مع صحيفة "Chicago Literary Times".

بدأت علاقات بوكوفسكي مع النساء تتعدد بعدما أصبح مشهورًا، إلى أن لاقى في عام 1983 "ليندا لي بيغل" البالغة 46 عامًا بينما هو 64. سوف يتزوجها ويقضي بقية أيامه بجانبها.

منذ ليندا، حاول بوكوفسكي استبدال الكحوليات الثقيلة التي كان يشربها كالفودكا والويسكي بالنبيذ. كما بدأ بتغيير كل أعماله الروتينية، باستثناء رهاناته في ميدان سباق الخيل، ليعيش حياة شبه مستقرة حتى عام 1988، فقد بدأ يعاني من آلام صدرية رافقها ارتفاع في درجة الحرارة. أخفق طبيبان استشارهما في تحديد السبب وراء تلك الأعراض التي انتهت بإفقاده ربع وزنه، وأجبرته على الكتابة السريرية. بعد عدة أشهر أجرى صورة أشعة سينية لصدره، وعرف أنه مصاب بمرض السل، الذي أجبره على إيقاف الكحوليات والتدخين حتى يوم 14 نوفمبر 1989، حيث شرب أول كأس نبيذ، وسيجار ملفوف بورقة Kendu حسب زوجته.

بعد شهر، أهدته ليندا جهاز كمبيوتر Macintosh IIsi بمناسبة ميلاده سنة 1990، ليجري بوكوفسكي في عمر 69 عامًا دورة يتعلم خلالها كيفية استخدامه، وبالرغم من اعترافه بأنه لم يكن ماهرًا في إدارته، إلا أن الكمبيوتر ساعده في التعبير عن إبداعه. يقول: "لقد كنت أكتب تسع صفحات كل ثلاث ليال، لكن الكمبيوتر جعلني أفعل ذلك في ليلة واحدة". حسب الموقع الرسمي للكاتب.

في عام 1992، تم الكشف عن التهاب في عينيه. إنها المرة الأولى التي يضطر فيها للتوقف عن الكتابة. في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام، وخلال حفل موسيقي أقامته الفرقة الإيرلندية U2، أعلن المغني "بونو" أن الحفل على شرف تشارلز وليندا بوكوفسكي. انتهى الحفل وغادر الأخيران بواسطة ليموزين أعادتهما إلى البيت، وسرعان ما نزل بوكوفسكي من السيارة، تعثر وسقط على الأرضية الحجرية. الآن، إلى جانب ركبته التي التوت، هناك جروح عرضية في الرأس. كان بوكوفسكي يتقدم في العمر ويفقد ردود أفعاله. حسب زوجته.

في أوروبا، بدأت كتابات بوكوفسكي تنتشر كنوع من أنواع الروك لما تحويه من صخب

بعد عام، وتحديدًا في سبتمبر 1993 عاد المرض إليه، لكن هذه المرة مع "سرطان الدم"، ليقضي بوكوفسكي 64 يومًا في المستشفى لتلقي العلاج الكيميائي. بعد خروجه توقف عن الكحول والتدخين مرة ثانية، ليتفاجأ أن بإمكانه الكتابة دون كحوليات. لكن الوقت قد تأخر، فقد أخبره الأطباء أنه لن يعيش أكثر من عام.

اقرأ/ي أيضًا: بوكوفسكي.. وحشُ الكتابة لا يزال يتكلم في قبره

كان الواقع عنيدًا وزحف المرض بسرعة، وأضعفه العلاج الكيميائي بجعلِه عرضة للأمراض الأخرى بسبب ضعف جسده. فيما بعد، تم تشخيصه بمرض الالتهاب الرئوي، الذي ختم حياته في 9 مارس من عام 1994. في كاليفورنيا، دخل بوكوفسكي القبر مرتديًا "ملابس غير رسمية".

 

اقرأ/ي أيضًا:

"أجمل نساء المدينة": فانتازية بوكوفسكي

تشارلز بوكوفسكي.. الكتابة بالجسد