السنعوسي في مصيدة فئران كامو

السنعوسي في مصيدة فئران كامو

(BQFP)

أنا أعرف ما لا تعرفه هذه الجماهير المتهيجة، والتي كان بإمكانها أن تتعلم أن جرثومة الطاعون لا تموت، بل تنام فقط.

* الدكتور ريو في رواية "الطاعون" لــ ألبير كامو

عندما حصل الروائي الكويتي سعود السعنوسي (1981) على جائزة "بوكر" العربية عن روايته "ساق البامبو"، انقسم النقاد والصحفيون والكتاب بين مرحب ومتحفظ، فالمتحفظون يرون أن الرواية لم تكن تستحق كل هذا الصخب، فيما يرى المرحبون أنها لفتة كريمة من الجائزة لموهبة "خليجية" شابة استطاعت أن تطرح قضية التعامل العنصري مع عاملات المنازل في الكويت ودول الخليج العربي، وهي قضية "مشينة" تحتل حيزًا ليس بالقليل في تقارير حقوق الإنسان.

ترسم رواية "فئران أمي حصة" مستقبل الكويت والخليج العربي في عام 2020

لكن شيئًا مختلفًا قدمه السنعوسي في روايته "فئران أمي حصة"، الممنوعة كويتيًا وخليجيًا، بطرحه منتجًا "فنيًا" يكاد يكون متكاملًا، بدءًا من العنوان وتصميم الكتاب، وتأريخ حربي الخليج الأولى والثانية وحتى توظيف الدراما الكويتية والأغاني الخليجية العاطفية منها والوطنية في الرواية، التي تتحدث عن فترة الحرب العراقية – الإيرانية وحرب الخليج وترسم مستقبل الكويت والخليج العربي في عام 2020.

كما أن الذكاء –غير المعلن- في الرواية تمثل في بعدها الأدبي بالتقاط "فئران" الأديب الفرنسي آلبير كامو في روايته الشهيرة "الطاعون". وإن كانت فئران كامو تتحدث عن مدينة وهران في فترة الاستعمار الفرنسي، والتي رآها النقاد إسقاطًا للحالة الاجتماعية والنفسية على الشخصية الأوروبية عقب الحرب العالمية الثانية، فإن فئران السنعوسي تتحدث عن الحالة الطائفية التي بدأت تظهر على استحياء فترة الحرب العراقية– الإيرانية في الثمانينيات حتى أصبحت واقعًا فجًا بعد ما بات يعرف بـ"الربيع العربي".

اقرأ/ي أيضًا: نساء حوض الشهوات

تبدأ "فئران أمي حصة" بصفحاتها 437، والصادرة عن "الدار العربية للعلوم" في لبنان، عقب تفجيرات المقاهي الشعبية في الكويت عام 1985، والتي اتهم بارتكابها نشطاء إيرانيون انتقامًا من دعم الكويت للحرب العراقية – الإيرانية المعروفة بـ"معركة القادسية الثانية"، في محاولة لإسقاط معنى ديني وقومي باستحضار قادسية سعد بن أبي وقاص، في ضم بلاد فارس للدولة الإسلامية الوليدة آنذاك.

الشخصية الرئيسية في الرواية الملقبة بـ"كتكوت" يبدأ طفلًا في السابعة من عمره، يكتشف آثار هذه الحرب على تركيبة أترابه في المدرسة والحي، فجاريّه حولا بيتهما إلى جدارية أحدها تمجد "روح الله الخميني" قائد الثورة الإسلامية في إيران، فيما تزين جدران جاره الثاني صور الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهو ما كان له أثر في تنشئة أصدقاء كتكوت.

عمد السنعوسي إلى توظيف ذكي وساخر إلى حد المرارة لعناوين الصحف الرئيسة الصادرة في الكويت، والتي تؤكد نبرة قوية لوزير الخارجية آنذاك –وهو الأمير الحالي لدولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح- الذي رفض إقامة قواعد عسكرية في بلاده، فيما يصدح وزير الدفاع الكويتي في واشنطن قائلًا "حلو عن سمانا وبحرنا". حتى أن السنعوسي استحضر أغانٍ كويتية وطنية لمهرجان "الصداقة والسلام"، والذي احتفى بما عُد حينها نصرًا للعراق على إيران، ولقبت صدام بـ"سيف العرب"، إذ تقول إحدى الأغنيات التي أداها الفنانان عبد الله رويشد وعبد الكريم عبد القادر: "هلا بسيف العرب ينحط على يمناي/ هلا بللي حكى التاريخ عن أصله/ هلا بللي زرع نخله/ وسقاها من شط العرب ماي".

يرى سعود السنعوسي أن نار الطائفية التي استعرت في العراق وسورية لا بد أن تطرق باب الخليج العربي قريبًا

وسطرًا فسطرًا، وحربًا فحربًا، تبدأ الصور تتساقط من جدران جاريه، وتبدأ الهوية تتقزم أكثر فأكثر في قلبي صديقيه، وتسقط فلسطين كقضية العرب الأولى، ويصبح الفلسطينيون يتحولون من صورة الشعب الذكي الشجاع البطل، إلى صورة قاتمة توصف بالخيانة والغدر بسبب موقف منظمة التحرير الفلسطينية من حرب الخليج الثانية. ففي أول حصة مدرسية يطلب من أطفال المدرسة تشويه صور أعلام الدول العربية التي وقفت مع العراق في الحرب، وتوارى العلم الفلسطيني خلف لون قاتم من الحبر الأسود.

تعد شخصية "أمي حصة" ضمير الرواية، وهي جدة لجار وصديق عٌمر "كتكوت"، وهي كالجدات زاخرة بالحكمة والأمثال الشعبية وقصص ما قبل النوم. كثيرًا ما كانت تروي قصصًا عن الفئران، الكائن القذر بحسب توصيفها، والذي يترك "برازه" ذي الرائحة النتنة تحت السجاد وفي زوايا البيت، وعلى الرغم من عدم مشاهدة الفئران بصورة جلية، إلا أن الجدة كانت تؤكد أنها لابد أن تكون هناك.

زاد من شعبية "الفئران" في مخيلة الكاتب مسلسل "على الدنيا السلام" من بطولة حياة الفهد وسعاد العبد الله، وهو عمل درامي كوميدي لكنه يستنطق شخصيات سوداوية خاصة أن أحداثه تجري في مشفى للأمراض العقلية، ومن بين تلك الشخصيات معلمة التاريخ فؤادة التي تؤكد في كل مرة أنها "التاريخ كله، وأحذركم من الآن، الفئران آتية، احموا الناس من الطاعون". فهذه الشخصة المنضوية في قالب كوميدي عام، كانت في الحقيقة تستنطق طاعون ألبير كامو، محذرة أن هذا المرض الذي يفتك بالأمم بعد خيبات كبيرة وحروب طاحنة، لا بد أن يجد له موطيء قدم في العالم العربي الذي تفتته الهويات القاتلة.

تُقسم الرواية إلى ثلاثة أجزاء سُميت بأسماء ثلاثة فئران، هم شرر وجمر ولظى، وكل فأر يتحدث عن فترة بدأت فيها "الفتنة" الطائفية والعرقية تتفشى في الكويت. فبدءًا من "عربي وأعجمي"، مرورًا بمع وضد "صدام"، وانتهاءًا بـ"سني شيعي". لكن، ليس الماضي "الفانتازي" هو ما تسبب في منع الرواية – بل ما رسمته الفئران الثلاث في المستقبل، إذ يرى السنعوسي أن نار الطائفية التي استعرت في العراق وسورية لا بد أن تطرق باب الخليج العربي قريبًا.

الكاتب يبرهن على نبوءة فؤادة بأخذ القارئ في جولة في الماضي عن طريق ذكريات الطفولة في حربي الخليج، ثم يعقبها مباشرة بمشهد مستقبلي متخيّل لكنه "نتيجة منطقية" لمعطيات الأحداث السابقة ما يحدث "رعبًا" من الغد لدى المتلقي.

في "طاعون" كامو، تنتهي معظم الشخصيات ولا يكاد يبقى سوى "مغسّل الموتى" والطبيب، أما "طاعون" السنعوسي فلا يبقي إلا "تبّاع الجيف"، وهو نسر يأكل الجثث، حتى أنك تشعر وأنت تنهي الصفحات الأخيرة من "فئران أمي حصة" بظلّه الثقيل المشبع بالموت!

اقرأ/ي أيضًا: عبد الرزاق بوكبة.. حشرجات السرد