السلفادور.. شباب بين عنف العصابات وانتهاكات الشرطة وجنون ترامب

السلفادور.. شباب بين عنف العصابات وانتهاكات الشرطة وجنون ترامب

يعيش السلفادوريون مأساة حقيقية بين عنف العصابات وانتهاكات الشرطة (توماس مونيتا/ نيويورك تايمز)

لا يعبأ ترامب كثيرًا بالشعارات الرنانة التي اعتادت أن تروّج لها الآلة الدعائية للولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها أرض الحلم التي بإمكان الجميع أن يبدأ فيها من جديد، فها هو ببساطة، وفي سياق سياساته العنصرية الجنونية، يلغي برنامجًا كان يحمي السلفادوريين أن يرحّلوا من الولايات المتحدة، ما يهدد آلافًا منهم من التعرض لخطر العودة لبلادهم، التي تعد واحدة من أخطر بلاد العالم حيث يسيطر عليها عنف العصابات، وانتهاكات الشرطة. موقع "ذا إنترسيبت" أعد قصّة من داخل السلفادور، تستعرض جوانب من الحياة الخطرة التي يعيشها السلفادوريون كل يوم، ننقلها لكم مترجمة في السطور التالية.


أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الأسبوع، أنها ستنهي قريبًا برنامجًا من شأنه أن يمنح العديد من المهاجرين من السلفادور، الحماية من الترحيل. وادعى مسؤولون في الإدارة لتبرير إلغاء برنامج وضع الحماية المؤقتة للمهاجرين السلفادوريين، أن الحافز الذي أهلهم لذلك، وهو الزلازل المدمرة الذي حدث في عام 2001؛ لم يعد مُبررًا لاستمراره.

تسعى إدارة ترامب إلى إلغاء برنامجًا كان يحمي السلفادوريين من الترحيل ما يجعلهم عرضة لخطر العودة لبلادهم التي تسيطر عليها العصابات

ووفقًا لهذا المنطق، تجنب المسؤولون السبب الرئيسي الذي يجعل السلفادوريين يخشون العودة: ألاَ وهو عنف العصابات الذي جعل بلدهم واحدًا من أخطر الأماكن في العالم. وقد أمضى غالبية السلفادوريين الذين تلقوا وضع الحماية المؤقتة، أكثر من 20 عامًا في الولايات المتحدة. وتمثل السلفادور التي يود ترامب أن يعودوا إليها، مكانًا جديدًا بالنسبة لهم محفوفًا بالمخاطر.

اقرأ/ي أيضًا: ترامب ينسحب من الاتفاق العالمي للهجرة: "لا يناسب سياساتنا"!

والتقطت المصورة ناتالي كيسار، في الربيع الماضي، صورًا للشباب في أحياء تسيطر عليها العصابات في عاصمة السلفادور، سان سلفادور. ويُحاصَر هؤلاء الشبان بين العصابات سيئة السمعة مثل مارا سالفاتروتشا (إم إس 13) وعصابة شارع 18 (باريو 18)، وكلاهما صعد إلى السلطة في البلاد عندما تم ترحيل قادتهما من لوس أنجلوس في التسعينات، بالإضافة إلى القمع العشوائي من قِبل قوات الأمن، بدعم من الولايات المتحدة، ما يزيد من حدة العنف.

يواجه الأطفال في السلفادور تهديدات -موثقة توثيقًا جيدًا- على أيدي العصابات، بدايةً من الابتزاز إلى التجنيد القسري كأعضاء أو "صديقات" لأعضاء في العصابة. وقد يودي بحياتك مجرد أن تكون شاهدًا على جريمة قتل من قِبل عصابة ما، أو مجرد تواجدك في الجزء الخاطئ من المدينة، أو على خط الحافلات الخاطئ.

ويواجه السلفادوريين أيضًا العنف بصورة متزايدة من قِبل الشرطة. إذ يُعتقل الشباب الفقير للاشتباه في كونهم أعضاء في العصابات، ويواجهون المتاعب، ويُلقى بهم في السجن، وفي بعض الحالات، يُقتلوا. وكذلك قد شاع الابتزاز ومصادرة الهواتف المحمولة. ويقول الناشطون إن الشرطة تدس الأدلة بانتظام، وتعتمد على ادعاءات واهية بالانتماء إلى العصابات. وبعيدًا عن العنف الجسدي، ثمة شعور واسع النطاق بالخزي من الناحية الاقتصادية والاجتماعية ضد الأشخاص الذين يقطنون المناطق التي تتواجد فيها العصابات بقوة.

الشرطة السلفادورية ليست أفضل حالًا من العصابات (ناتالي كيسار/ ذا إنترسيبت)
الشرطة السلفادورية ليست أفضل حالًا من العصابات (ناتالي كيسار/ ذا إنترسيبت)

ومن المستحيل على الشباب الذين يقطنون الأحياء الفقيرة، عدم التفاعل مع العصابات بصورة أو بأخرى، وفقًا لما ذكرته تاتيانا أليمان، الصحفية التي أصبحت ناشطة، بعد أن تم احتجاز شقيقها الأصغر، استنادًا إلى اتهامات زائفة بانتمائه إلى إحدى العصابات، والتي أضافت: "لقد عرفنا هؤلاء الأشخاص منذ صغرنا. ولكن إذا رأتك الشرطة معهم فانسى الأمر، فسوف يتهمونك بالتواطؤ معهم".

ويقول العديد من الشباب السلفادوريين الآن إنهم يخشون الشرطة بقدر ما يخشون العصابات. وقالت ميبي، وهي شابة من مدينة زاكاميل، إحدى معاقل عصابة "باريو 18" في العاصمة سان سلفادور، إنها تتعرض للمضايقات بانتظام من قِبل الشرطة، وإنها لا تستطيع مغادرة الحي لأن العنوان المذكور على هويتها يجعل الناس يفترضون أنها تنتمي إلى العصابة.

وفي شهر نيسان/أبريل، بعد أيام قليلة من تصوير كيسار لمغني الراب الشاب من مدينة زاكاميل، والمعروف باسم ديمو، ألقى القبض عليه في حملة مداهمة بعد مقتل ضابط شرطة. وقد بُرأت ساحته بعد ثلاثة أشهر، ولكنه ما زال يخشى أن تسعى الشرطة إلى الانتقام لأنهم يعتقدون أنه مذنب.

وقال ديمو إنه شهد مقتل اثنين من أصدقائه، واحد قتلته الشرطة والآخر قتلته العصابات. وأضاف أنه في شهر نيسان/أبريل الماضي، قبل اعتقاله: "لم أعد أذكر عدد الأشخاص الذين رأيتهم يُقتلون أمامي". وتابع: "يقولون إن العنف يخلق المزيد من العنف، ولكني أحاول ألا أكون كذلك. العصابتان يفصلان البلد بأسرها، وهنا في زاكاميل تكون الحدود أحيانًا عبارة عن منزلين يُلامس بعضها البعض. وكل ما أريده هو أن يرانا الناس كبشر".

يُعد هذا الضغط من جميع الأطراف في بعض المناطق خانقًا، إذ تنخفض أصوات الناس فجأة بمجرد الحديث عن العصابات، فيشار بشكلٍ غير مباشر إلى عصابة "باريو 18" عن طريق ذكر رقم 18 وعصابة "إم إس 13" بذكر الحرفين "إم إس". وللدخول إلى حي تسيطر عليه إحدى العصابتين، يحتاج الغرباء عمومًا إلى مرافق، ويجب عليهم فتح نوافذ السيارة للتعريف بأنفسهم. ويتعقب مراقبو الطريق الزوار، ويصير الجميع مُتوترين.

الأوضاع الخطرة التي يتعرض لها السلفادوريين في بلادهم دفعت لزيادة أعداد من يحاولون الهرب لأمريكا بشكل قانوني أو غير قانوني

تقول دانييلا البالغة من العمر 12 عامًا، إنه لا يسمح لها بمغادرة المنزل إلا للذهاب إلى المدرسة أو لعب كرة القدم، إذ يعتقد والديها أنها قد تتعرض لخطر كبير. وبينما كان الأطفال يصنعون الحلوى ويتدربون على الرقص كما هو معتاد في مركز اجتماعي في حي سان روكي، في شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، أكدت إحدى الأمهات أنها بدأت في العمل التطوعي من أجل الخروج من المنزل فقط، وقالت: "ليس هناك أماكن آمنة. وكنت دائمًا وحيدة. وكانت ابنتي دائمًا محبوسة داخل المنزل". وفي وقت سابق من ذلك الأسبوع، قُتلت إحدى المتطوعات الأخريات، بينما كانت في طريقها لأخذ طفلها.

اقرأ/ي أيضًا: حين أخرجت أمريكا إصبعها الوسطى للعالم

ساهمت هذه الضغوط في زيادة عدد الشباب الذين يحاولون مغادرة أمريكا الوسطى والوصول إلى الحدود الجنوبية للولايات المتحدة لطلب اللجوء أو العبور بشكلٍ غير قانوني. إلا أن هؤلاء الأطفال والمراهقين، ليسوا مؤهلين للحصول على وضع الحماية المؤقتة، ذلك البرنامج الذي قام ترامب بإلغائه. ولكن العديد منهم لديهم أفراد من أسرهم في الولايات المتحدة، الذين كانوا في تلك البرامج أو غيرها من برامج الهجرة، والذين يعتمدون عليهم من أجل الدعم المالي وغيره من أشكال الدعم.

وبشكل عام، تهدف جميع سياسات ترامب إلى تضييق الخيارات المتاحة للاجئين والمهاجرين الآخرين، والتي سيكون لها تداعيات متلاحقة.

جلست ستيفاني، وهي مواطنة أمريكية تبلغ من العمر 21 عامًا، مع والدها ماريو -وهو مستفيد من برنامج وضع الحماية المؤقتة، والذي كان يعيش في الولايات المتحدة منذ عام 1993- أثناء مناسبة عقدتها منظمة مساعدة قانونية في لوس أنجلوس، بعد الإعلان عن إلغاء برنامج وضع الحماية المؤقتة. يحكي أقرباء ستيفاني في السلفادور قصصًا عن الابتزاز والضرب، فتقول عنهم: "إنهم لا يخرجون من المنزل لأنهم خائفون".

وواصلت حديثها: "تخيل لو كان هناك شخص ينتمي لبرنامج وضع الحماية المؤقتة لديه أطفال هنا، وعليه أن يعيدهم إلى السلفادور، لا أحد مستعد لهذا التغيير الجذري. سيعانون من الاكتئاب والخوف".

يعني البقاء في السلفادور التأقلم من جهة ومقاومة احتمالات الموت أو التعرض للأذى المستمرة. وقد أنشأت أليمان ووالدتها صفحة على موقع فيسبوك لتسهيل التواصل بين الضحايا، نتيجة انتهاكات الشرطة والاحتجاز غير القانوني، تسمى "لوس سيمبر سوسبيكوسوس دي تودو - Los Siempre Sospechosos de Todo"، وهي تعني "المشتبه بهم المعتادون"، وهو اسم اتخذته الصفحة من بيت شعر لأشهر شعراء السلفادور، وهو روك دالتون. وتُنظم الصفحة عروضًا وترسم على جدارن المدينة وضحًا لضحايا الشرطة. تقول أليمان: "نحن نرغب في إلهام الناس، لخلق ثقافة جديدة تُندد بمثل هذه الأمور".

شعار عصابة "باريو 18" في مدينة زاكاميل (ناتالي كيسار/ ذا إنترسيبت)
شعار عصابة "باريو 18" في مدينة زاكاميل (ناتالي كيسار/ ذا إنترسيبت)

يوفر الأشخاص الآخرين بعض الأماكن حيث يمكن للأطفال الهروب من تبادل إطلاق النار الذي لا نهاية له بين الشرطة والعصابات، من بين هؤلاء أليخاندرو، الذي تحدث عن أصول مجموعته غير الرسمية، والتي تجلب البرامج الفنية لمدينة زاكاميل، بينما كان يجلس على حافة منحدر تزلج في حديقة في شهر أبريل/نيسان.

يقضي أليخاندرو أيامه في تعليم طلاب المدارس الابتدائية (البعض منهم أبناء رجال العصابات) الرسم والتزلج مع المراهقين، بينما يناقشون وحشية الشرطة، وتنمية العلاقات مع المنظمات التي يُمكن أن تساعد المتعاونين معه عندما يقعون في مُشكلة. وقد ساعده النمو في المناطق الخاضعة لسيطرة العصابات على فهم احتياجات المجتمع الذي وصفه بعبارات عامة بأنه "عنيف وبائس".

بشكل عام، تهدف جميع سياسات ترامب إلى تضييق الخناق على اللاجئين والمهاجرين، ما سيكون له تداعيات متلاحقة

وأوضح أليخاندرو أنّ "العنف الذي نحاربه هو ما جعل عقلي يصير إلى ما هو عليه اليوم"، مُضيفًا: "علينا أن ننقذ الجانب الإنساني للأشخاص الذين يعيشون في الشارع، وعلينا أن نفهم أن الشوارع تمنحهم الإحساس بالأسرة الذي لا يجدونه في المنزل".

 

اقرأ/ي أيضًا:

رغم تسليم "إل تشابو" والحرب على المخدرات.. المكسيك أرض العصابات الخصبة

الشباب العربي.. هجرة متزايدة من أوطان تضيق بتطلعاتهم