السلطة الذكورية على هيئة أغنية ناعمة

السلطة الذكورية على هيئة أغنية ناعمة

غرافيتي في بيروت

اجتهدت مجتمعاتنا على جعل المرأة وعاءً للشهوات، وحاملًا للقيم الذكورية التي تستبطن دونيتها وخضوعها لسلطة الرجل طوعًا، فالرجل في مجتمعاتنا قائد في البيت والحرب والدولة، وقائد للقيم والأخلاق، الأخلاق في هذه المجتمعات أخلاق منشطرة تشتغل أساسًا لفائدة الرجل على حساب المرأة، وجسد المرأة جسد جنسي جُعل لإشباع الرجل ولإنجاب الأطفال، وجسد مغر وجب عليه الإخفاء حتى لا يفتن به ذكر غريب.

انصياع المرأة لأخلاق المجتمع ضرورة قصوى لتعيش حياتها، دونما أية أهمية لأن تكون سعيدة 

طاعة المرأة لذكور العائلة شرط أساسي لتحظى بلقب المرأة الجيّدة والشريفة، والانصياع لأخلاق المجتمع ضرورة قصوى لتعيش حياتها دونما أهمية لأن تكون سعيدة، يكفي أنّها تعيش، وضربها وتعنيفها أمر مقبول، وما يرسخ هذه المعتقدات جملة من النصوص الدينية التي تشرّع سطوة الذكر وواجب خضوع المرأة.

كلّ هذه المعتقدات خلقت ثقافة ذكورية طغت على مجتمعاتنا وغيّبت المرأة من دائرة الفعل لتكون دائمًا مفعولًا به، والحديث عن بعض النماذج النسائية الفاعلة في التراث الإسلامي هو ضرب من ضروب التعويض والتنفيس عن المرأة المسلمة لعلها تقي نفسها من عناء السؤال والنقد، وأيضًا الثورة على وضعها وطموحها لتغييره. ورغم ظهور الحركات النسوية إلا أنّها لم تقدر على التمترس في المجتمع واستقطاب كل فئاته فكان نضال هذه الحركات مرتهنًا بقاعات الفنادق وببيانات الجمعيات التي تندّد وتستنكر، دون أن تنضم المرأة العادية إلى هذا الحراك لتحصّل حقوقها وتنتصر لنفسها.

تستبطن النساء دونيتهن وخضوعهن دون خطاب مباشر، فالمرأة تولد لتلقنها أمّها ضرورة الانصياع لرغبات أبيها وأخيها ومجتمعها، وهو ما ترثه هي الأخرى لتعلمه لابنتها مستقبلًا. هذه الثقافة العنيفة في مضمونها والناعمة في تلقينها بمثابة العنف الرمزي الذي كتب حوله كثيرًا عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو، ويفسره بأنه "عنف هادئ لا مرئي لا محسوس حتى بالنسبة إلى ضحاياه". تقبل به الضحية، وكأنّ التمييز شرط أساسي لحياتها فهي الكائن الأضعف ووجود الرجل يشرّع له سطوته التي تحميها من الآخر. 

تولد المرأة في هذه المجتمعات وهي تبحث، منذ مولدها إلى مماتها، عمن يحميها في مجتمع الغابة والذئاب، فتعيش خائفة مترددة تنشد خلاصها بين ذراعي رجل، وتحت اسم رجل يضمن سلامتها من الملاحقة والمتابعة، فزوجة فلان أفضل كثيرًا من عانس أفنت حياتها في الدراسة والحديث عن الحريات والنضال حولها. يعزز هذا الاعتقاد جملة من الأمثال الشعبية مثل "ظل راجل ولا ظلّ حيطة"، وغيره من الأقوال التي تحقن بها المرأة منذ وعيها بالحياة، حتى لا تخرج عن السيطرة العامة والمتوافق عليها بين الرجل والمرأة.

هذا العنف الرمزي يتجسد في ثقافة تعيش بثبات وطمأنينة دون الخوف من زوالها، يتبادلها الأفراد في رموز وإشارات، ويستعملها كل من الضحية والجلادّ، إن صحّ التعبير هنا، بطريقة مريحة دون استعمال العنف الماديّ، فالمرأة تقبل بالخطاب الذكوري وبالنظرة المتسلطة عليها، وتخاف من الأخرى المتلصصة والمشتهية لتعود صاغرة وخائفة إلى الأولى المتسلطة لحمايتها من هؤلاء الأوغاد والغرباء.

في المجتمعات المحافظة، الأمّ هي واجهة العنف الرمزي وإناؤه

طغيان سلطة الرجل على المرأة أمر مشروع، بل وضروري للمرأة حتى تعيش، فالضعف والخوف من سماتها ولا يقبل على رجل أن يكون خانعًا مستكينًا لسلطة امرأة ما، فالأمّ في هذه المجتمعات هي واجهة هذا العنف الرمزي وإناؤه، بل وتتنافس مع الأب في تلقينه للابن في أن يكون لاحقًا صعب المراس مع نساء عائلته، حتى لا يخرجن على العرف والأخلاق العامة، وحتى لا يلحقن به العار، فيتعلم أساليب السيطرة بتفانٍ كبير كي يضمن ديمومة شرفه في مجتمعات الأخلاق السادية التي تتلذذ بقهر المرأة وإخضاعها.

ينشأ العنف الرمزي بطريقة سلمية في مجتمعاتنا، ويكبر بصفة لا واعية في أذهان الأفراد، ثم يصبح أمرًا واقعًا لا مجال للفرار منه، ثم طريقة تفكير وعيش وثقافة يتبادلها الجلاد والضحية بسلاسة وطلاقة، وكأنّ هذا أمر طبيعي، بل وضروري جدًّا ليعيشا معًا دون أن تنتفض الضحية على جلادها، طالما أنه لم يستعمل السوط لضربها، بل يلقنها ثقافته المتسلطة بطريقة ناعمة، وكأنّه يقرأ لها قصيدة، أو يغنّي لها أغنية عن الأمن والأمان في مجتمعات الجنوب التي تجعل من الذكر نقطة ارتكازها الأولى.

اقرأ/ي أيضًا:

شعب وعسكر وحرامية

الصدور والخصور كموقف سياسيّ