السلاح الصامت الذي يرعب منافسي إسبانيا في كأس العالم
10 يوليو 2026
بينما تتجه الأنظار في كأس العالم 2026 إلى المهاجمين والنجوم أصحاب الأهداف الحاسمة، تواصل إسبانيا كتابة فصل مختلف تمامًا من حكايتها، وعنوانه "الدفاع". فمنتخب "لا روخا" لم يكتف ببلوغ الدور ربع النهائي، بل فعل ذلك دون أن تهتز شباكه ولو مرة واحدة، محققًا أرقامًا تاريخية تؤكد أن طريق المنافسة على اللقب لا يُبنى بالأهداف فقط، بل أيضًا بصلابة دفاعية استثنائية.
ويستعد المنتخب الإسباني لخوض مواجهة قوية أمام بلجيكا في ربع النهائي، مدعومًا بسلسلة دفاعية غير مسبوقة جعلته الفريق الأكثر تماسكًا في البطولة حتى الآن، وأحد أبرز المرشحين للمضي قدمًا نحو اللقب.
أرقام قياسية غير مسبوقة
دخل الحارس أوناي سيمون تاريخ كأس العالم بعدما تجاوز حاجز 560 دقيقة متتالية دون استقبال أي هدف، وهي سلسلة بدأت منذ هدف الياباني أو تاناكا في مونديال قطر 2022 واستمرت عبر سبع مباريات متتالية.
بينما تتجه الأنظار في كأس العالم 2026 إلى المهاجمين والنجوم أصحاب الأهداف الحاسمة، تواصل إسبانيا كتابة فصل مختلف تمامًا من حكايتها، معتمدة على سلاح غير اعتيادي
وبذلك، حطم سيمون الرقم السابق الذي كان بحوزة المنتخب السويسري، والذي بلغ 559 دقيقة موزعة على ثلاث نسخ مختلفة من البطولة بين 1994 و2010، كما تجاوز الرقم التاريخي للإيطالي والتر زينغا (517 دقيقة).
وزادت أهمية هذا الإنجاز بعدما أصبح المنتخب الإسباني أول منتخب في تاريخ كأس العالم للرجال يصل إلى مباراته السادسة في البطولة دون أن تهتز شباكه.
سيمون.. بطل لا يحتاج إلى التصديات
ورغم الأرقام التاريخية، فإن اللافت في أداء سيمون ليس كثرة تصدياته، بل قلة الحاجة إليها. فحارس أتلتيك بلباو لم يضطر سوى إلى القيام بستة تصديات فقط طوال مشوار المنتخب الإسباني في البطولة، لأن منافسيه بالكاد نجحوا في الوصول إلى مرماه.
وخلال دور المجموعات، استقبلت إسبانيا 3 تسديدات بين القائمين والعارضة، ولم يسدد منتخب النمسا أي كرة على المرمى.
كما جاءت معدلات الأهداف المتوقعة (xG) ضد المنتخب الإسباني منخفضة للغاية:
الرأس الأخضر: 0.30
السعودية: 0.14
أوروغواي: 0.20
النمسا: 0.32
أما في مواجهة البرتغال بثمن النهائي، والتي اعتُبرت أصعب اختبار دفاعي لإسبانيا، فقد سمح المنتخب بعشر تسديدات فقط، منها اثنتان بين الخشبات الثلاث، مع معدل أهداف متوقعة بلغ 0.58، بينما اكتفى سيمون بتصديين فقط.
فلسفة الدفاع تبدأ قبل التسديدة
يرى الجهاز الفني الإسباني أن نجاح الحارس لا يُقاس بعدد الكرات التي يصدها، بل بعدد الفرص التي يمنعها الفريق من الوصول إليه أصلًا.
وأوضح الحارس البديل خوان غارسيا في تصريحات نقلتها صحيفة الغارديان أن مهمة الحارس لا تقتصر على التصديات، بل تشمل السيطرة على الكرات العرضية، وقطع التمريرات، وتنظيم الخط الخلفي، وهي أمور قد لا تظهر في الإحصاءات، لكنها تمثل أساس المنظومة الدفاعية.
ويؤكد سيمون بدوره أن الرقم القياسي الذي حققه يعود إلى العمل الجماعي أكثر من كونه إنجازًا فرديًا، مشددًا على أن تماسك الفريق بأكمله هو السر الحقيقي وراء هذا النجاح.
رباعي دفاعي يصنع الفارق
اعتمد المدرب لويس دي لا فوينتي على خط دفاع ثابت حافظ على أعلى درجات الانسجام طوال البطولة. وشارك الثلاثي مارك كوكوريا، وباو كوبارسي، وأوناي سيمون في جميع دقائق البطولة، بينما غاب إيمريك لابورت دقيقة واحدة فقط، في حين لم يبتعد رودري عن أرض الملعب سوى ثلاث دقائق.
وبرز المدافع الشاب باو كوبارسي، صاحب الـ19 عامًا، كأحد أبرز نجوم البطولة، بعدما قدم مستويات لافتة رغم صغر سنه.
وتكشف أرقامه عن حجم تأثيره، ويتمثل ذلك دقة تمرير بلغت 96%، كما أكمل 449 تمريرة، ولعب 34 تمريرة إلى نصف ملعب المنافس أمام البرتغال، أيضًا استعاد الكرة 19 مرة، ونفذ 23 تدخلًا دفاعيًا ناجحًا. وأصبح كوبارسي أسرع مدافع شاب يصل إلى هذا العدد من المباريات بشباك نظيفة منذ الأسطورة الإيطالية باولو مالديني.
دي لا فوينتي: التوازن هو السر
يرى المدرب لويس دي لا فوينتي أن نجاح المنظومة الدفاعية لا يعود إلى المهارات الفنية فقط، بل إلى النضج الذهني والتفاهم الكبير بين عناصر الخط الخلفي.
وأكد أن كوبارسي ولابورت يشكلان ثنائيًا متكاملًا، يجمع بين القدرة على بناء اللعب من الخلف، والهدوء تحت الضغط، والصلابة الدفاعية، معتبرًا أن هذا "التوازن الرائع" هو أحد أهم أسرار المنتخب الإسباني.
كما شدد على أن الدفاع يبدأ من جميع اللاعبين، وليس من المدافعين وحدهم، في ظل الضغط العالي الذي يفرضه الفريق على منافسيه منذ اللحظات الأولى لفقدان الكرة.
بلجيكا أمام التحدي الأصعب
ويبدو أن المهمة المقبلة ستكون الأصعب بالنسبة لبلجيكا، إذ اعترف حارسها تيبو كورتوا بأن المنتخب الإسباني يدخل المواجهة مرشحًا للفوز، مؤكدًا أن الأولوية بالنسبة لمنتخب بلاده ستكون إيجاد طريقة لهز شباك إسبانيا، وهو ما لم ينجح فيه أي منافس حتى الآن.
ويحذر كورتوا من الضغط الإسباني العنيف، الذي يمنع المنافسين من التفكير أو بناء اللعب بأريحية، بينما يؤكد مهاجم إسبانيا ميكيل أويارزابال أن فلسفة الفريق تقوم على حرمان المدافعين من الوقت لاتخاذ القرار.
أما ميكيل ميرينو، صاحب هدف الفوز أمام البرتغال، فيختصر المعادلة بقوله: "عندما تحافظ على نظافة شباكك، فإنك تقترب كثيرًا من تحقيق نتيجة جيدة."
ويستحضر الإسبان ذكريات مونديال 2010، عندما قاد إيكر كاسياس المنتخب إلى اللقب دون استقبال أي هدف في الأدوار الإقصائية. واليوم، يواصل أوناي سيمون تحطيم الأرقام التي سُجلت آنذاك، بينما تبدو إسبانيا أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بأن الدفاع الصلب قد يكون الطريق الأقصر لاستعادة كأس العالم بعد 16 عامًا من التتويج التاريخي في جنوب أفريقيا