السكان في الفاشر يواجهون القصف والمجاعة معًا
4 أغسطس 2025
يواجه سكان مدينة الفاشر المجاعة والقصف في آنٍ واحد، وسط رفض قوات الدعم السريع لأي هدنة إنسانية تسمح بإدخال المساعدات الغذائية إلى المدينة المحاصَرة منذ أكثر من عام.
وبسبب تعنّت قوات الدعم السريع ورفضها للهدنة، يعاني مئات الآلاف من السكان المحاصرين في آخر معاقل الجيش السوداني بإقليم دارفور (غرب السودان) من نفاد المواد الغذائية، ويتعرضون لقصف مدفعي متواصل وهجمات بالطائرات المسيّرة. أما الفارّون من المدينة، فيواجهون خطر الإصابة بالكوليرا والتعرض لاعتداءات عنيفة قد تصل إلى حد التصفية الجسدية، بحسب ما أفادت وكالة "رويترز".
ترفض قوات الدعم السريع أي هدنة إنسانية لإدخال المساعدات الغذائية إلى سكان الفاشر
تنقل وكالة "رويترز" شهادات حيّة عن المأساة المتعددة الأوجه في مدينة الفاشر، التي تُعدّ أكبر جبهة قتال متبقية في إقليم دارفور بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وفي هذا السياق، أكد أحد سكان المدينة أنّ "مدفعية وطائرات الدعم السريع تقصف الفاشر صباحًا ومساءً"، مضيفًا أن "الكهرباء مقطوعة تمامًا، والمخابز مغلقة، والإمدادات الطبية شحيحة"، مشيرًا إلى أن عدد الوفيات "يزداد يوميًا، وأن المقابر تتوسّع".
الجوع: المشكلة الأكبر
قالت طبيبة في الفاشر، طلبت عدم الكشف عن اسمها حفاظًا على سلامتها: "الجوع مشكلة أكبر من القصف. فالأطفال كما الكبار يعانون من سوء التغذية. حتى أنا اليوم لم أتناول فطوري لأني لا أجد شيئًا".
وأكد سكان محليون لـ"رويترز" أن قوات الدعم السريع منعت وصول الإمدادات الغذائية، وأنّ قوافل المساعدات التي حاولت دخول المدينة كانت تتعرض للهجوم والنهب. ونتيجة لذلك، تجاوزت أسعار السلع المُهرّبة إلى الفاشر خمسة أضعاف السعر الوطني للمواد الغذائية.
وأمام هذا الواقع، أكّد السكان أن كثيرين لجأوا إلى تناول "الأمباز" — نوع من علف الحيوانات مصنوع من قشور الفول السوداني — الذي بدأ هو الآخر بالنفاد من المدينة، بحسب إحدى جماعات المناصرة.
مخاطر الفرار
هرب العديد من سكان الفاشر إلى منطقة "الطويلة"، على بعد نحو 60 كيلومترًا غربًا، لكنهم واجهوا هجمات على طول الطريق من قبل مسلّحين تابعين لقوات الدعم السريع.
وتقول إنعام عبد الله، 19 عامًا: "فررنا أولًا إلى قرية شقرة، ثم إلى طويلة، فهاجمونا مجددًا". وتضيف: "إذا وجدوا هاتفك، يأخذونه. المال؟ يأخذونه. حتى الحمار أو أي شيء آخر، يأخذونه. قتلوا الناس أمام أعيننا، واختطفوا الفتيات أمام أعيننا".
"طويلة".. أزمة فوق أزمة
تستضيف منطقة "طويلة" أكثر من نصف مليون نازح، وصل معظمهم منذ نيسان/أبريل بعد تكثيف قوات الدعم السريع هجماتها على المدينة، بما في ذلك استهداف مخيم "زمزم" الضخم للنازحين جنوب الفاشر.
ورغم تدفّق النازحين، لا توفر "طويلة" سوى القليل من الدعم، وسط ضغوط كبيرة تواجهها المنظمات الإنسانية بسبب خفض التمويل الخارجي. ويؤكد النازحون أنهم يتلقون كميات ضئيلة من الحبوب مثل الذرة والأرز، لكنها متفاوتة وغير كافية.
وبسبب موسم الأمطار، تضاعفت التحديات، حيث انتشرت الكوليرا وأمراض أخرى. ووفقًا لمنظمة "أطباء بلا حدود"، فقد عُولج أكثر من 2500 مصاب بالكوليرا منذ منتصف حزيران/يونيو الماضي.
أما لجنة تنسيق النازحين، وهي منظمة سودانية، فأفادت بوفاة 52 شخصًا بسبب الكوليرا، نتيجة نقص الأدوية وتعثّر وصولها بسبب الأمطار.
وذكر المجلس النرويجي للاجئين أن 10% فقط من سكان "طويلة" يحصلون على مياه شرب نظيفة، ونسبة أقل تملك مراحيض، بينما تعيش معظم العائلات على وجبة واحدة أو أقل في اليوم.
وفي ظل هذه الظروف الإنسانية القاسية، تنقل "رويترز" عن هدى علي، وهي أم لأربعة أطفال يعيشون في أكواخ قش مكشوفة: "ليس لدينا منازل تحمينا من المطر، ولا أغطية واقية. علينا انتظار توقف المطر لينام الأطفال".
الهدنة المرفوضة
اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في نيسان/أبريل 2023، إثر خلاف بين الحليفين السابقين بشأن خطة دمج قوات الدعم السريع في الجيش، وآليات إنهاء المرحلة الانتقالية. وفي بدايات النزاع، تمكنت قوات الدعم السريع من تحقيق تقدم سريع في وسط البلاد، بما في ذلك العاصمة الخرطوم، غير أن الجيش السوداني نجح هذا العام في استعادة السيطرة على تلك المناطق، ودفع القوات المتمردة إلى معاقلها في غرب البلاد، وتحديدًا في كردفان ودارفور.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت حدة القتال بين الطرفين، مع تركز المواجهات تدريجيًا في كردفان ومدينة الفاشر على وجه الخصوص. ويُعدّ سقوط الفاشر، في حال وقوعه، نقطة تحول خطيرة، إذ سيمنح قوات الدعم السريع السيطرة شبه الكاملة على إقليم دارفور، وهو منطقة مترامية الأطراف تمتد على حدود ليبيا وتشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى وجنوب السودان، ما من شأنه، بحسب محللين، أن يفتح الباب أمام سيناريو تقسيم السودان مجددًا.
وفي ظل هذه المعطيات، رفضت قوات الدعم السريع الاستجابة لدعوة الأمم المتحدة إلى هدنة إنسانية، رغم موافقة الجيش عليها.