"السعي وراء التعاسة": حين يضحك أوباما كي لا يُبكيه الواقع
10 يوليو 2026
في المشهد الافتتاحي لبرنامج السكيتشات "الحياة، لاري، والسعي وراء التعاسة" (Life, Larry and the Pursuit of Unhappiness)، يقف باراك أوباما أمام الكاميرا بوقاره المعهود ليقدّم للمشاهدين درسًا قصيرًا عمّا تعنيه أميركا. يقول إن ما يجعل هذه البلاد فريدة هو أنها لم تكتمل يومًا، وأنها حتى الآن مشروعٌ قيد الإنجاز، ثم ينزاح درس التاريخ وحماسته نحو هجاء مقصود، إذ يكمل أوباما: في كل لحظة من لحظات الجمهورية العظيمة كان هناك أشخاص بغيضون، أنانيون، بخلاء، يقفون في وجه التقدم. عند هذا الحد يقاطعه صوت من خارج الكادر محتجًا بأن شيئًا من هذا لم يكن في النص. الصوت، طبعًا، للاري ديفيد. هكذا يفتتح المسلسل الذي بدأ عرضه على منصة "HBO"، في سبع حلقات تضم كلٌّ منها نحو أربعة سكيتشات تعيد تمثيل محطات كبرى من التاريخ الأميركي.
من هو لاري ديفيد؟
وُلد لاري ديفيد في بروكلين عام 1947 لعائلة يهودية من الطبقة الوسطى، وأمضى شبابه كوميديًا متعثرًا على منصات "الستاند أب" في نيويورك، ثم تابع مهنته المتعثرة باعتباره كاتبًا مغمورًا لم يمرّ له على الشاشة شيء يُذكر في برنامج "ساترداي نايت لايف". ثم جاءت اللحظة التي غيّرت الكوميديا التلفزيونية الأميركية كلها: شراكته مع جيري ساينفلد في ابتكار مسلسل "ساينفلد" عام 1989، ذلك "المسلسل عن لا شيء" الذي صاغ له ديفيد رؤية خاصة: دون عاطفية بكّاءة، لا شيء يتحقق، لا نموّ أخلاقيًا للشخصيات، لا مصالحة في نهاية الحلقة. ثم واصل المشروع نفسه في "كبح جماح الحماس"، الذي امتد من عام 2000 حتى 2024، مؤديًا نسخة متخيلة من نفسه: رجل ثري متذمر، لا عمل له سوى التعارك اليومي مع الأعراف الاجتماعية البسيطة.
بمفهوم يكاد يكون نقيضًا للساتير السياسي بمعناه الكلاسيكي، يكمن مفهوم ديفيد للساتير؛ فهو لا يهاجم السلطة، بل يهاجم الجماعة التي تتسلح ببعضها. لا يسخر من الطغاة، بل من إغراء الطغيان الجمعي. موضوعه ليس الدولة، بل العقد الاجتماعي في أصغر وحداته: مائدة العشاء، طابور الانتظار، المظلة المشتركة، اللباقة المفروضة على الجميع بحكم العادة لا بالقرار الواعي. السياسة لم تدخل عالمه إلا مواربة وعلى طريقته: في حلقة "الدجاج الفلسطيني" الشهيرة، حوّل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إلى نزاع حول مطعم شهي.
يظهر أوباما في هذا العمل كرئيس سابق يُسخر منه على الشاشة، في مشهد يبدو بسيطًا، لكنه في جوهره امتياز ديمقراطي نفتقده في مناطق ينتهي فيها الرؤساء إلى القبور أو المنافي أو المعتقلات
في "الحياة، لاري، والسعي وراء التعاسة"، تُقدَّم فرضية واحدة معادة سبع مرات: ماذا لو كان لاري ديفيد حاضرًا في كل لحظة تأسيسية في تاريخ أميركا؟ ماذا لو حضر كأحد الآباء المؤسسين وكتب المسودة الأولى لإعلان الاستقلال؟ كيف ستكون قائمة المظالم التي وضعها في الوثيقة؟ تجريم مشاركة مظلات المطر، وحق المدعو إلى العشاء في معرفة من سيجلس إلى جواره. تعاسة غراهام بيل لاكتشافه ذاك الصديق الثرثار الذي يرفض التوقف عن الحديث؟ هكذا إلى أن يظهر أوباما نفسه ممثلًا في أحد السكيتشات.
الرئيس الأميركي ومهرّج القصر الجمهوري
وُلد العمل من اتصال أجراه باراك أوباما بلاري ديفيد، رفيقه في لعبة الغولف، إذ سأله إن كان يرغب في صنع عمل يحتفي بالذكرى المئتين والخمسين لتأسيس الولايات المتحدة. يأتي هذا العمل في مسيرة شركة "هاير غراوند" التي أسسها الزوجان أوباما، إذ من أوائل ما أنتجته للتلفزيون مسلسل وثائقي جاد بُنيت حكايته حول صوت أميركي فردي هو ستادز تيركل، مؤرخ الطبقة العاملة الذي أثّر كتابه في شباب أوباما.
السعي وراء التعاسة وولاية ثالثة لترامب
يبقى السؤال عن توقيت العمل عاريًا من البراءة، حيث يُعرض المسلسل في صيف يحتفل فيه دونالد ترامب رسميًا بذكرى تأسيس الجمهورية، وقد مازح الحضور في خطابه الاحتفالي بأنه يقضي الآن ولايته الثالثة. المزحة ليست معزولة السياق، فمستشاره السابق ستيف بانون أعلن أن ترامب سيكون رئيسًا في 2028، وأن على الناس أن يعتادوا الفكرة، وحاكم كاليفورنيا غافين نيوسوم جاهر بخوفه من ألا تُجرى انتخابات عام 2028 أصلًا، فيما تُباع قبعات حمراء تحمل شعار "ترامب 2028". في هذا المناخ المتوتر، الهستيري، يكتسب انغماس أوباما في الكوميديا معناه المزدوج. القراءة المتعاطفة ترى فيه معركة على تنبؤات يمينية مفرطة التغول واللامبالاة بالدستور الأميركي، أدت إلى احتكار العيد الوطني وتحويله إلى استعراض للقوة. أما القراءة القاسية فترى في الأمر انسحابًا مذهّبًا: مؤسسة ليبرالية تجيب على تفكيك الديمقراطية ببرنامج سكيتشات، ورئيس سابق يرد على شبح الولاية الثالثة بأداء دور كوميدي متقن التوقيت، سمح بابتلاع الرعب من التلاعب الدستوري المنتظر، وتحويله إلى مادة ترفيهية مدفوعة بالاشتراك الشهري.
غير أن في سيرة أوباما نفسه ما يجعل عودته إلى سلاح الضحك مغامرة محفوفة بأشباحها. ففي الثلاثين من نيسان/أبريل 2011، في عشاء مراسلي البيت الأبيض، وقف الرئيس الشاب على المنصة ليسخر أمام واشنطن كلها من رجل أعمال نيويوركي كان يقود آنذاك حملة صاخبة للتشكيك في شهادة ميلاده. قال أوباما إن أحدًا ليس أسعد من دونالد بإغلاق ملف الشهادة، لأنه يستطيع أخيرًا التفرغ للقضايا الكبرى: حقيقة الهبوط على القمر، وكائنات الفضاء في روزويل. يومها، ضحكت القاعة كلها إلا ترامب. وفيما ينفي ترامب الرواية بإصرار لافت كلما سُئل عنها، أكد روجر ستون، مستشار ترامب، أن تلك الليلة هي التي عقد فيها ترامب العزم على الترشح.
الحقيقة وضحكات التاريخ المهدورة
لعل الحقيقة أن أوباما يظهر في هذا العمل، كمجرد رئيس سابق لأميركا، بكل ما تحمله "الساتير" من حمولات سياسية ومعرفية، يقف أمام الكاميرا ليُقاطَع ويُسخر منه ويُضحك عليه. هذا المشهد، المبتذل في ظاهره، هو في جوهره امتياز ديمقراطي خالص، نتلمسه نحن القادمون من منطقة ينتهي فيها الرؤساء السابقون إلى القبور أو المنافي أو المعتقلات. القدرة على هجاء التاريخ الوطني تحمل تحسسًا دقيقًا لصحة مبادئ الجمهورية، بحيث لا يجد الرئيس الأميركي السابق وسيلة أبلغ من أن يدخل إلى ملعب الكوميديا بنفسه، لينتقد ما لا يحب، وليحمي حق الناس بالضحك إلى ما لا نهاية.
قد يكون "الحياة، لاري، والسعي وراء التعاسة" عملًا متوسط القيمة فنيًا، لكن سكيتشاته تعيد تدوير مخاوف حقيقية مغلفة بالضحك، ما زالت مادة للقلق للشعب كله منذ تأسيس أميركا.