السعودية تقود تحالفًا بحريًا.. ما نطاق عمله ومن يستهدف؟
14 أغسطس 2026
عُقد في قيادة الأسطول الغربي بمدينة جدة اجتماع التخطيط الثالث للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات (MMDC)، بمشاركة ممثلين عن 39 دولة، في إطار التحضيرات لتفعيل التحالف والانتقال به إلى مرحلة العمل المؤسسي والعملياتي.
ووفق بيان لوزارة الدفاع السعودية، وقّعت 15 دولة على البيان المشترك، فيما استكملت 13 دولة إجراءاتها الوطنية ووقّعت على ميثاق التحالف وأعلنت انضمامها رسميًا، بما يمثل الانطلاقة الفعلية للتحالف نحو مرحلة التفعيل المؤسسي والعملياتي. وتواصل بقية الدول استكمال الإجراءات اللازمة للانضمام.
إجراءات عملية
وجرى خلال الاجتماع تعيين قائد للتحالف من المملكة العربية السعودية، والاتفاق على أن يكون نائب قائد التحالف في دورته الأولى من باكستان، إلى جانب تحديد المقر المخصص لقيادة التحالف واعتماد شعاره، واستكمال الأطر التنظيمية والتخطيطية والأدلة المرجعية اللازمة لبدء أعماله.
كما أسهم الاجتماع، وفق وزارة الدفاع السعودية، في استكمال الترتيبات العملية لتفعيل أجهزة التحالف وقيادته متعددة الجنسيات، تمهيدًا لبدء استقبال الضباط والكوادر المشاركة من الدول الأعضاء ودمجهم ضمن هيكل القيادة والأركان المشتركة، ومركز العمليات والتنسيق البحري المشترك، ومركز استخبارات التحالف، بما يسرّع بناء قدراته العملياتية ويعزز جاهزيته للاضطلاع بمهامه الدفاعية ضمن نطاق مسؤوليته.
على الرغم من أن البيان الأخير لم يحدد جهة بعينها يستهدفه التحالف، فإن الموقع الجغرافي للمملكة يجعل أمن ممرين بحريين رئيسيين ذا أهمية مباشرة لها: مضيق هرمز شرقًا، وباب المندب جنوب غرب البلاد.
وتهدف الخطوة إلى بناء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات ومستدام، لترسيخ مفهوم الأمن البحري الجماعي، وحماية حرية الملاحة والممرات والمضائق البحرية، ودعم استمرارية التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية.
وكانت السعودية قد أعلنت، في 30 تموز/يوليو الماضي، موافقة 14 دولة على إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات.
لماذا التشديد على وصف "الدفاعي"؟
برز في البيان السعودي الصادر الخميس التشديد على وصف التحالف بأنه "دفاعي"، في إشارة إلى أن مهمته لا تقوم على مهاجمة جهة بعينها، وإنما حماية الممرات البحرية والسفن التي قد تتعرض لهجمات، وضمان حرية الملاحة.
وجاء الإعلان السعودي الأول عن تشكيل التحالف بعد أيام من إعلان جماعة الحوثي في اليمن فرض حصار بحري على السعودية، واستهداف عدد من السفن السعودية في منطقة باب المندب والبحر الأحمر، قبالة السواحل اليمنية التي يسيطر عليها الحوثيون.
وعلى الرغم من أن البيان الأخير لم يحدد جهة بعينها يستهدفه التحالف، فإن الموقع الجغرافي للمملكة يجعل أمن ممرين بحريين رئيسيين ذا أهمية مباشرة لها: مضيق هرمز شرقًا، وباب المندب جنوب غرب البلاد.
هرمز.. بوابة صادرات النفط السعودية
يقع مضيق هرمز إلى الشرق من السعودية عند مدخل الخليج العربي، ويربط الخليج بخليج عُمان ثم بحر العرب. ولذلك يحظى بأهمية استراتيجية كبيرة للموانئ السعودية الواقعة على الخليج العربي.
ويمر عبر هرمز الجزء الأكبر من صادرات الخام السعودية المنطلقة من موانئ الخليج والمتجهة إلى آسيا، خصوصًا الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية. وقبل اضطرابات عام 2026، كان نحو 5.5 إلى 6 ملايين برميل يوميًا من الخام السعودي يخرج من موانئ الخليج عبر المضيق.
ومع إعلان طهران إغلاق المضيق خلال الحرب، اتجهت السعودية إلى تحويل جزء من صادراتها عبر شبكة الأنابيب إلى موانئها المطلة على البحر الأحمر، ما زاد من الأهمية الاستراتيجية للممر البحري الغربي.
باب المندب.. الممر الأكثر ارتباطًا بالتحالف
يقع مضيق باب المندب إلى الجنوب الغربي من السعودية، عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، بين اليمن شرقًا وجيبوتي وإريتريا غربًا. ويربط البحر الأحمر بخليج عدن ثم بحر العرب والمحيط الهندي، ولذلك يرتبط مباشرة بحركة السفن المتجهة من وإلى الموانئ السعودية على البحر الأحمر.
ورغم أن السعودية لم تسمِّ الجهة التي يستهدف التحالف التعامل مع تهديداتها، فإن المؤشرات المرتبطة بنطاق عمله تتجه بصورة أكبر نحو التهديدات التي يمثلها الحوثيون، في ظل استهدافهم السفن السعودية وتهديد حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
ولا يزال من غير الواضح حتى الآن ما إذا كان التحالف سيتولى بصورة مباشرة حماية السفن التي تتعرض لهجمات حوثية، أو طبيعة الآليات العملياتية التي سيعتمدها لحماية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.
لقاء بن سلمان وكوبر
وفي اليوم نفسه الذي أُعلن فيه عن التحالف البحري، التقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان قائد القيادة المركزية الأميركية براد كوبر.
وجرى خلال اللقاء بحث عدد من الموضوعات المتعلقة بالتعاون بين المملكة والولايات المتحدة في المجالات الدفاعية، إضافة إلى تطورات الأوضاع الإقليمية والجهود المبذولة لخفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وفق وكالة الأنباء السعودية.
من هي الدول المنضمة؟
لم يذكر البيان السعودي الصادر الخميس أسماء الدول الجديدة التي انضمت رسميًا إلى التحالف، لكنه كان قد أشار في إعلان سابق إلى مجموعة من الدول المشاركة، وهي: السعودية، وقطر، والكويت، والبحرين، وباكستان، وتركيا، ومصر، والأردن، واليمن، وبنغلاديش، ونيجيريا، والسودان، وجيبوتي، والصومال.
ومع إعلان استكمال 13 دولة إجراءاتها وتوقيعها على ميثاق التحالف رسميًا، لم تصدر قائمة نهاية بالدول المشاركة.
ما أهداف التحالف البحري؟
وعلى الرغم من أن البيان الأخير لم يحدد بصورة تفصيلية كامل نطاق عمل التحالف، كانت السعودية قد أشارت في وقت سابق إلى أن أهدافه تشمل:
- توسيع نطاق التعاون وتعزيز الأمن البحري الجماعي في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.
- تعزيز التعاون في مجالات الأمن البحري وتبادل المعلومات والاستخبارات والتخطيط العملياتي والتمارين المشتركة والدروس المستفادة والتدريب وبناء القدرات وتنفيذ العمليات البحرية المشتركة وفقًا لأحكام الميثاق.
- التأكيد على أن التحالف ذو طبيعة دفاعية خالصة، ولا يستهدف أي دولة أو تحالف أو منظمة دولية، وأن جميع أنشطته تُنفذ في إطار الالتزام الكامل بالقانون الدولي واحترام سيادة الدول وحماية حرية الملاحة.
وبذلك، لا يظهر مضيق هرمز ضمن النطاق الجغرافي المعلن لأهداف التحالف، فيما يتركز نطاق عمله، وفق المعطيات المعلنة، في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، أي فيما يتعلق بالحوثي.
تحالفات جديدة وسط اضطرابات إقليمية
ويأتي الإعلان عن تفعيل التحالف البحري بعد أيام من التوصل إلى اتفاق دفاعي مشترك، اتفاق مكة، بين السعودية وتركيا وباكستان، في إطار خطوات تبدو مرتبطة بسعي الرياض إلى تعزيز أمنها القومي في ظل الاضطرابات التي أعقبت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وخلال الحرب، واجهت السعودية تهديدات متعددة الاتجاهات، شملت هجمات من فصائل عراقية موالية لإيران من جهة الشمال، وهجمات للحوثيين من جهة الجنوب، إضافة إلى تعرضها لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة من إيران.
وزادت هذه التطورات الضغوط الأمنية على الرياض، ودفعتها إلى توسيع خياراتها الدفاعية عبر مسارين متوازيين: اتفاقيات الدفاع المشترك من جهة، والتحالف البحري متعدد الجنسيات من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، يصعب فصل التحالف البحري عن الاتفاقيات الدفاعية الأخرى التي تتحرك السعودية نحوها، كما لا يمكن فصل هذه التحركات عن التحولات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة، ولا سيما في البحر الأحمر والخليج العربي.
تقرؤون المزيد في: تصعيد حوثي على ثلاث جبهات: السعودية وباب المندب والداخل اليمني









