"السرقة" لعبد الرازق قرنه.. محاكمة الماضي وكشف وجه الاستعمار الجديد
4 نوفمبر 2025
الخميس الماضي 30 تشرين الأول/أكتوبر، اختارت صحيفة الجارديان البريطانية رواية "السرقة" للكاتب التنزاني الحائز على نوبل للآداب عبد الرزاق قرنه لتكون "الكتاب المسموع" لهذا الأسبوع، وقدمت محررة الأدب بالصحيفة فيونا ستورجس مراجعة موجزة للرواية عنونتها بـ "ملحمة بلوغ سِن الرشد في تنزانيا... ثلاثة شباب يخطون بجرأة نحو حياتهم كبالغين، في هذه الرواية المكتوبة بأناقة من قبل المؤلف الحائز على جائزة نوبل".
طبقًا للمحررة، تبدأ أحداث "السرقة"، الرواية الحادية عشرة لعبد الرزاق قرنه، المعروف بـ "تصويره لحياة الناس في شرق إفريقيا وتداعيات الحكم الاستعماري عليهم"، في زنجبار ما بعد الاستقلال. وتمتد على مدى نصف قرن، توثق خلاله لحياة كلٍ من كريم وفوزية وبدر، كاشفةً عن الإهمال الذي تعرض له كريم في صِغره، وكيف عومل كشيء ثانوي، من قبل والدته رايا التي تركته وراءها، بعد طلاقها من زوجٍ يكبرها كثيرًا، لتبدأ حياة جديدة.
بعد سنواتٍ عديدة تلتقي الأم والابن في العاصمة التنزانية السابقة "دار السلام"، حيث تزوجت رايا من صيدلي يُدعى حاجي، فيما حصل كريم الذي شبّ وسيمًا وذكيًا وواسع الأفق، على منحة دراسية في المدينة، والتقي بفوزية التي تتدرب لتصبح معلمة، وتحرص على تجنب مصير أولئك "البنات الصامتات المُعدّات لافتضاض بكارتهن".
تتزوج فوزية وكريم، ويفتحان بيتهما لبدر، الخادم السابق لدى رايا وحاجي، الذي هُجر هو الآخر صغيرًا من قبل والديه، وتتعمق صداقتهم، قبل أن تسقط بينهم ما وصفته المحررة بـ "قنبلة على هيئة مديرة منظمة غير حكومية إنجليزية"، تستحوذ على انتباه كريم، ما يُسفر بحسبها عن خاتمة درامية.
في مراجعتها تصف محررة الجارديان كتاب قرنه الأحدث بـ "الدراما الحميمة التي تتناول حيواتٍ مترابطة"، ممتدحةً "براعة" الممثل المسرحي البريطاني آشلي زانجازا، راوي الكتاب المسموع، في التنقل عبر قراءته بين الأصوات المتناقضة والحيوات الداخلية للشخصيات الرئيسية.
وتختتم إطلالتها الموجزة على الرواية بالإشارة إلى إبراز النصّ لدور الأحداث الماضوية والحالية الأوسع، في التأثير على حياة جميع أبطالها، وذلك رغم "إدراكنا لعيوب الأبطال وغريب صفاتهم".
غير أن الماضي الذي يحرك حاضر ومستقبل الشخوص الثلاثة في الرواية، يبدو جليًا أنه لا ينفصل عن ماضي الكاتب نفسه، عبد الرزاق قرنه، الذي تناوب على جزيرته الصغيرة زنجبار أكثر من مستعمرٍ وعابثٍ، مخلفين وراءهم ندوبًا غائرة، يمكن تلمسها بوضوح في كتابته، رغم مغادرته في مقتبل شبابه، واللجوء مع بعض أفراد عائلته إلى انجلترا التي أكمل فيها دراسته وصولًا إلى الدكتوراه، وتولي االتدريس في جامعاتها، وكتابة الأدب بلغتها وعنها في بعض الأحيان، لكنه ظل وفيًا لوطنه الأول وعذاباته؛ فتتبع في أكثر رواياته مصائر هؤلاء الذين لم يحوزوا نفس فرصته في النجاة.
صدى الجائزة
صدرت رواية" السرقة" لعبد الرزاق قرنه في النصف الثاني من آذار/مارس الماضي، ونشرت في لندن عن دار بلومزبيري، وفي نيويورك عن دار ريفرهيد بوكس التابعة لمجموعة بينغوين راندوم هاوس للنشر.
والرواية هي الأولى للكاتب منذ حصوله على جائزة نوبل في الآداب عام 2021، لكنه كان قد شرع في كتابتها وانتهى من ربعها تقريبًا، قبل نبأ الجائزة، التي بدا للجمهور أنها فعلت ما تفعله الجوائز الكبرى بالأعمال التالية لحائزيها من إرجاء وتردد في النشر وسعيٍ محمومٍ نحو الكمال، فتأخر صدورها لأربع سنوات؛ ظن البعض خلالها أن الكاتب قد أصيب بحبسة الكتابة، لكنه نفى ذلك موضحًا أنه: "لم أستطع العودة إليها. لا أحب العمل تحت هذا النوع من الضغط"، بحسب ما نقلت عنه شبكة الإذاعة الوطنية الأمريكية NPR. قبل أن يُفصل موقفه في وقتٍ تالٍ، في الحوار الذي أجرته معه إذاعة دويتشلاند فونك كولتور الألمانية قائلًا: "لم أصب بحبسة الكتابة بالمعنى المتعارف عليه، لكنها(جائزة نوبل) كانت تجربة رائعة جدًا بالنسبة لي؛ التقيتُ بالناس، وكان هنالك كثير من العمل على ترجمات جديدة يجب إنجازها. كما اضطررت فجأة لإجراء عدد من المقابلات، ولهذا ببساطة لم أجد وقتًا للكتابة".
في الحوار ذاته الذي أُجري بمناسبة صدور الترجمة الألمانية للرواية عن دار بنغوين في أيلول/سبتمبر الماضي، قال قرنه إن جائزة نوبل أثرت أيضًا على الناس هناك في بلاده: "كانوا سعداء جدًا. دعاني رؤساء زنجبار وتنزانيا للقاء بهم، وكان هناك اهتمام واسع من قبل الناس الذين يشعرون أن الجائزة تنعكس عليهم أيضًا بشكل ما، لأنني واحد منهم".
وهذه الجملة الأخيرة يمكن لمس صداها عبر المسيرة الأدبية لصاحب "ذاكرة الرحيل"، بل وحتى في خياراته الأكاديمية كدارس ومدرّس تخصص في أدب ما بعد الاستعمار، وتتبع في أكثر كتاباته أثر فوضى الماضي على تعقيدات حاضر، وغموض مستقبل السكان الأصليين ممن بقوا هناك في قلب الجحيم.
عن المكان والمكانة
بعد فوزه بجائزة نوبل قال قرنه لصحيفة نيويورك تايمز إن الدافع وراء تجربة الكتابة بأكملها بالنسبة إليه هو "فكرة فقدان مكانتي في العالم". وإذا كانت الجملة لم تعد، ومنذ وقتٍ بعيدٍ، تنطبق عليه بذاته، إلا أنها تشي بأمرين متقاطعين، أولهما عمق أثر تجربة القهر والفرار واللجوء على الشاب الذي كانه عندما بدأ رحلته القاسية باتجاه الغرب أواخر الستينيات، وإلى بريطانيا تحديدًا، صاحبة اليد الطولى في صنع تراجيديا بلاده، وثانيهما التوحد الذي يشعر به مع مواطنيه ومدى إشفاقه عليهم، واكتراثه لمصائرهم، التي يتحكم في خيوطها الماضي الذي صنعه الاستعمار البرتغالي ثم الألماني والبريطاني وما بعدهم.
عن ذلك يقول في أحد لقاءاته: تنزانيا وطني، لأنها مكان جذور عائلتي. وعندما أسافر في خيالي، أسافر إليها، وحتى أثناء الكتابة عنها، أجدني أحيانًا أترجم من السواحيلية (لغة سكان زنجبار وتنزانيا) إلى الإنجليزية، وأتنقل بين اللغتين بسهولة".
في حيثيات منحه الجائزة أشارت لجنة نوبل إلى ما أبداه الكاتب في رواياته من "استبصار خالٍ من أي مساومة لآثار الاستعمار، ومن تعاطف عميقٍ مع قدر اللاجئين العالقين في هوة الاختلافات بين الثقافات والقارات".
لكن رغم هذا الانحياز والتقاطعات الكثيرة، والنهل بطبيعة الحال من تجربته الذاتية ومحطات حياته في الوطن والمهجر، إلا أن الكاتب ظل معنيًا بشروط الكتابة الروائية كفن وبالخيال كأساسٍ متين، حتى في النصوص المتكئة على الواقع، والتي تحتاج بدورها لملء الفجوات، وصوغ العلاقات فيما بينها عبر الخيال.
الرواية هي الأولى للكاتب منذ حصوله على جائزة نوبل في الآداب عام 2021، لكنه كان قد شرع في كتابتها وانتهى من ربعها تقريبًا
كما لم ينسه التعاطف والالتصاق الحميم بشخصياته أن أقدار تلك الشخصيات لا يجب أن تسير دائمًا وفق ما يريده خالق لمخلوقاته، أو على حد وصفه "لا يمكن لكل القصص أن تنتهي نهاية سعيدة"، وهو ما تبدى في مصائر أبطال رواية "السرقة" كريم وفوزية الذين تشوشت علاقتهما، التي كان يرجى لها النجاح، بخيانته لها مع الوافدة الإنجليزية جيرالدين، ومطاردة ماضي فوزية لها من خلال طفلها صعب المراس، الذي ورث عنها مرض الصرع الذي أفسد حياتها صغيرة، وهدد مستقبلها فيما بعد، لتجد نفسها وكأنما كانت تهرول، طوال الوقت، باتجاه ما كانت تحاول الهروب منه وتفاديه.
أما بدر الذي كان أكثرهم تعاسة، وأقلهم حظا؛ كونه شبَّ يتيمًا وفقيرًا ومطاردًا بماضي أبٍ غير مسؤول، ولم ينل من التعليم ما يكفل له مهنة أفضل من خادم، فضلًا عن سلسلة الإقصاءات التي قاساها من أبويه البيولوجيين والمتبنين، ثم أرباب عمله الذين أثبتت التجربة أنهم لم ينسوا لحظة أنه خادم لا صديق، بدر وحده كان أكثر الشخصيات وعيًا ومرونة وحكمة، ربما لإرثه العظيم من خبرة الألم، فكان الأفضل مصيرًا.
الاستعمار الجديد
في هذه الرواية تبرز نقطة لافتة وهي أن الخمسين عامًا وأكثر التي قضاها عبد الرزاق قرنه في وطنه انجلترا كما يسميه، لم تجعله ينظر إلى تنزانيا كمستشرقٍ، يقارن بغطرسة بين وطنين على النقيض، بل ظل محتفظًا بموضوعيته أو للدقة انحيازه الإيجابي لبلاده التي لما يعبث بها الاستعمار، ولو تحت لافتاتٍ مختلفة كالسياحة والمنظمات التنموية الأجنبية، ووكالات الإغاثة الموفدة من الاتحاد الأوروبي وغيرها. فنجده يتساءل على لسان بدر عن نزق جيرالدين وعدم اكتراثها قائلًا: "هل لأنها امرأة جميلة تفرض قواعدها الخاصة، متجاهلة مسؤولياتها وواجباتها؟ أم لأنها، لدى وصولها إلى مكان مثل هذه الجزيرة، شعرت بأنها تملك الحق في الحصول على المتعة لأنها هي الأهم هنا؟".
فيما تشكو خديجة، والدة فوزية، وهي تُواسي ابنتها التي خُربت حياتها أيضا بسبب جيرالدين متسائلة: "ماذا يريد هؤلاء منا؟". يأتون إلى هنا بقذارتهم وأموالهم، ويتدخلون في شؤوننا ويدمرون حياتنا من أجل متعتهم، ويبدو أننا لا نستطيع مقاومة ثرواتهم وسلوكياتهم القذرة... لقد كان هناك شيء نعرفه عن الحياة لم نعد نعرفه الآن".
وحين توضح لها ابنتها أن جيرالدين متطوعة وليست سائحة، تتساءل خديجة باستنكار: "وما الفرق!"؛ فعلى مدار حياتها خبرت الأم أنه أيا كان سبب قدوم الأجانب لبلدها فإن نواياهم نادرًا ما تكون حسنة.
الفكرة ذاتها عبر عنها قرنه في حواره للإذاعة الألمانية بكلمات أقل قسوة قائلا: "لا يُظهر السياح احترامًا كافيًا للأماكن التي يزورونها. ولذلك أسأل نفسي: ماذا يحدث للناس الذين يعيشون هناك؟ وكيف يتعاملون مع هؤلاء المتطفلين في نهاية المطاف؟" ما جعل أحد الكتاب يشير إلى ما وصفه بـ "الربط الحاذق بين أفعال هؤلاء السياح المتطوعين، ومشاريع المستعمرين السابقين، من خلال كشف الأضرار الناتجة من الطرفين، والمسكوت عنها بعذر "حسن النية".
ومعروف أن جزيرة زنجبار قد خضعت بعد تخفيف قوانين التبادل والقيود المصرفية بها إلى عدد من التحولات الجذرية، كانتشار الفنادق على طول ساحلها، وتحول منازل السلاطين العمانيين السابقة إلى صروح تراثية، ومعها المباني الهندية التي هجرها أصحابها بعد الاستقلال، ووقوع الأبنية القديمة في يد مستثمرين أجانب حولوها إلى حاضنة لكل معالم الترف الشرقي، أو الاستشراقي.
محاكمة الماضي
تتقاطع رواية "السرقة" مع روايات عبد الرزاق قرنه الأخرى في عدد من التيمات أهمها تيمة الدَّيْن، سواء بمعناه المباشر كعجز مادي، أو بمعناه الأوسع المرتبط بالعبودية والتحرر والاستقلال، وهو المعنى الذى تجلى بوضوح في روايته السابقة "الفردوس" التي وصلت للقائمة القصيرة للبوكر وويت بريد، والتي تتبعت حياة شاب رهنه أبوه لتاجر عاج، بعدما عجز عن سداد دين قديم، أو في رواية "قرب البحر" التي وصلت للقائمة الطويلة للبوكر، ولللقائمة القصيرة لجائزة لوس أنجلوس تايمز، وتتبعت تغريبة شاب لاجئ إلى أوروبا لعجزه عن الوفاء بدين اقترضه وأضاعه أيضًا أب غير مسؤول.
في روايات قرنه هذه وغيرها هناك دائمًا ذلك الأب العابث، وهناك شاب في مقتبل الحياة مثقل بذلك الإرث السلبي؛ وكأنما يريد الكاتب دائمًا محاكمة الماضي في صورة هذا الأب الذي مرر التعاسة للأجيال اللاحقة ككرة مطاط، فيما يشير الماضي بدوره إلى الإرث الاستعماري الطويل، الذي أثقل حياة الناس في تلك البلاد بسلاسل من الفقر والغبن ونهب الموارد، وملأ جيوب الفارين منهم عبر البحر بالحجارة.
ورغم تلك المآسي التي يصدرها للعالم كاتب مهموم، لم ينج تمامًا من أذى الماضى، أو ربما هو ناجٍ أصابه ما يصيب بعض الناجين من عقدة الشعور بالذنب، ورغم كون روايته الجديدة ملأى بالفقد والأسى والخيبات، إلا أنها، بحسب الجارديان رواية ترفض اليأس، أما مؤلفها فيمكن عده نموذجًا حيًا على ما يمكن أن يصنعه الأمل بمعتنقيه.
إنه ذلك الكاتب الذي يؤمن بحقيقة أن الحياة، على تعقيدها، تحوي دائما أشياء بسيطة وداعمة، فهناك دائما "الحب والتعاطف والخبرات المبهجة كما الحزن والغضب" وتلك جميعها في رأيه هي "أوجه الحياة".







