السحر وامتلاك العالم

السحر وامتلاك العالم

أوبرا فاوست/ النمسا 1935(Getty)

عكست الشخصية الرئيسية في مسرحية "فاوست" للشاعر الألماني غوته حيرة إنسان عصر النهضة الأوروبي أمام أفضل الطرق الواجب اتباعها لفهم العالم الذي يعيش فيه. فقد تحولت السيرة الذاتية للطبيب والخيميائي الألماني جورج فاوست (1480 - 1540)، الذي عاش في مقاطعة بافاريا، إلى مصاف الحكاية الشعبية الذي يحفظها كل ألماني عن ظهر قلب. كما لو كان كل واحد منهم يطمح إلى إبداء مع ما أبداه الدكتور فاوست شخصيًا، رغم المصير المأساوي الذي آلِ إليه بعد تحالفه مع الشيطان.

يشبه لجوء فاوست إلى السحر للتغلب على عجزه الوجودي محاولتنا المستمرة للتغلب على صعوبات حياتنا اليوميّة

أبدى الدكتور فاوست انتقاده للقيود التي كانت تضعها الكنيسة أمام العلوم الطبيعية لفهم العالم، ومنها تحريم تشريح ودراسة الجسد البشري، الأمر الذي حال دون إنقاذ أرواح ملاين البشر الذين فتك بهم مرض الطاعون. ولم يكتف بذلك بل ذهب بعيدًا في احتجاجه الضمني على فكرة الخلاص المسيحي المتمثلة بالإيمان الديني، الذي يختزل الوجود البشري إلى مجرد عبادة الإله السماوي مقابل وعد الخلود الأبدي.

اقرأ/ي أيضًا: ألبرتو مانغويل في عالم مسحور

يشبه لجوء فاوست إلى السحر للتغلب على عجزه الوجودي محاولتنا المستمرة للتغلب على صعوبات حياتنا اليوميّة، عبر الاستعانة بقوة الكلمات التي نظن جازمين أنها ستحدث فرقًا جوهريًا ما أن نتلفظ بها، فما أكثر المواقف التي نلجأ فيها إلى الدعاء أملًا في التخلص من المآزق والصعوبات التي نواجهها، أو شتم أعراض الآخرين، أي أرحام أمهاتهم أو أخواتهم علّها تصاب بلعنة التوقف عن الإنجاب، كي نتخلص من ذريتها المسيئة إلى الأبد.

السحر على عكس ما نعتقد إنتاج عقلي بامتياز، مصحوب بقواعد ومنطق داخلي مقلوب. إنه واحدة من الطرق التي يستخدمها عقلنا لمعرفة قوانين العالم الذي نعيش فيه، حيث تقوم قواعده كما كشف عنها عالم الإناسة جميس فريزر في كتابه الموسوعي "الغصن الذهبي" على قاعدتين رئيستين، تتمثل القاعدة الأولى، بمبدأ الشبيه يولد الشبيه. فقد كانت الجماعات التي تعتمد حياتها على سقوط المطر تلجأ إلى وضع الماء في وعاء كبير، ثم تقوم  بتحريكه لحض السماء على إنزال المطر، ظنًا منهم أن السماء ستقوم بمحاكاة فعلهم.

فيما تتمثل القاعدة الثانية بالاتصال، أو الترابط، وتعني احتفاظ الجزء بعلاقة دائمة مع الكل رغم انفصاله عنه. فشعر الإنسان المتساقط بالنسبة للساحر جزء أصيل من جسد الشخص الذي يعمل على إيذائه، لذا فإن تعريض هذا الشعر إلى أي عملية إتلاف وتدمير، سوف ينتج عنه بالضرورة الفتك بصاحب هذا الجسد.

أفضى تشكل القبائل الكبرى، وفيما بعد ممالك المدن، ومن ثم الإمبراطوريات، إلى تشكل نمط وعي جديد لمقاربة العالم، سُمي بالدِّين. قام التصور الديني على حصر كل القوى الطبيعية والبشرية الموجودة في الكون تحت سلطة إله واحد أو عدة آلهة. أدى التصور الجديد إلى تخفيض المرتبة الوجودية للإنسان إلى أدنى درجة في السلم الوجودي الذي أصبح يبتدأ بالله وينتهي به. الأمر الذي نتج عنه تجريد الإنسان من قدرة الخلق بالكلمات التي كان يعتقد بامتلاكها، وأفقده فاعلية التأثير على مجرى الأحداث الكونية.

رغم الحضور الطاغي للدين، إلا أن ذلك لم يمنع من استمرار التصور السحري عند سكان بغداد ممثلًا بكتاب "ألف ليلة وليلة"

كان من نتائج إصرار السحرة على ممارسة حضورهم في العالم أي المشاركة في خلقه على طريقتهم، قيام رجال الدين بخوض حرب شرسة ضدهم، اتخذت في مظهرها الأول كل مزايا الحرب السجالية، التي ترتكز على التقليل من القيمة المعرفية لأفكار الخصم. فيما تجلى المظهر الثاني باستخدام العنف الجسدي ضد كل شخص قد تنسب إليه تهمة ممارسة النشاط السحري.

اقرأ/ي أيضًا: المهدي المنتظر.. بين الواقع والأسطرة

في واحدة من أبشع الممارسات اللا إنسانية التي قامت بها محاكم التفتيش كان تطبيق قانون "مطرقة الساحرات"، الذي أقرته الكنيسة الكاثوليكية عام 1484، بأمر من البابا إينوست الثامن، الذي نص على على إلحاق الموت حرقًا بكل شخص تثبت إدانته بممارسة السحر. نتج عن تطبيق تعاليم هذه النشرة البابوية مقتل أكثر من 200 ألف امرأة خلال القرنين السادس والسابع عشر، وقد كانت معظم الضحايا من النساء الأرامل والعجائز اللواتي يداوين بالأعشاب.

رغم الحضور الطاغي للدين إلا أن ذلك لم يمنع من استمرار التصور السحري عند سكان بغداد، عاصمة الخلافة الإسلامية في العهد العباسي، ممثلًا بكتاب "ألف ليلة وليلة" ذاك أن إغراء حصول الفرد على ما يرغب بأقل قدر ممكن من الجهد، كان وما زال الدافع الرئيسي وراء اللاحتفاء بسحرية العالم.

لم يكن بإمكان صنع أول مصيدة من قبل جماعات الصيد التي تؤمن بالسحر، ولا اختراع البكرات والعد الستيني في بلاد الرافدين أن يعطي أي زخم لانطلاقة العلم وسيادته كنمط تفكير جديد لمقاربة العالم، فالعلم نمط من الفكر يفسر الظواهر الطبيعية استنادًا إلى أسباب طبيعية لا علاقة لها لا بالأشباح ولا بالأرواح التي تجوب العالم، ولم يترسخ هذا النمط إلا مع كتاب "التأسيس النظري للعلوم لفرانسيس بيكون (1516- 1626) الذي يعد مؤسس البحث العلمي القائم على التجربة والملاحظة.

يطمح العلم إلى قطع نهائي مع مبدأ سحرية العالم الذي ساد سابقًا، إلا أن وقائع الأحداث اليومية المعاشة تؤكد على حضور السحر عند الناس العادين والعلماء والمختصين على حد سواء، ففي كتاب "الانسان الحائر بين العلم والخرافة" يرصد الدكتور عبد المحسن صالح عشرات الأمثلة عن ازدواج الوعي السحري والعلمي عند أناس وصلوا إلى مراحل متقدمة في البحث العلمي.

ما زال للسحر موطئ قدم في العالم المعاصر، وما زال يتم الاحتفاء به بوسائل مختلفة

فقد تبنى وروّج الدكتور الأمريكي آندريجاهزي بوهاريش، الحاصل على 56 براءة اختراع في الأجهزة الالكترونية، أقوال وأفعال لاعب الخفة الإسرائيلي يوري كيللر، الذي ذاعت شهرته في سبعينيات القرن الماضي. أدعى يوري حيازته على قوى روحية خارقة للطبيعة قادرة على ثني الملاعق والقضبان الحديدية مجرد تركيز بصره عليها، كما أدعى قدرة على الاستبصار تمكنه من معرفة الأشياء المتوارية وراء جدار، أو داخل صندوق محكم الإغلاق، وأثبت الاختبارات اللاحقة للتأكد من قدرة يوري الاستبصارية فشله في معرفة أي من الصور العشر التي وضعت في خزائن حديدية محكمة الإغلاق، كما فشل في ثني أي ملعقة، أو حتى دبوس، ضمن شروط مراقبة دقيقة الإحكام.

رغم كل الإنجازات التي حققها العلم، ما زال للسحر موطئ قدم في العالم المعاصر، وما زال يتم الاحتفاء به بوسائل مختلفة تارة عبر السينما، وتارة عبر الأدب. فلقد باعت الكاتبة ج. ك . رولينغ ملايين النسخ من الجزء الأول "هاري بورتر وحجر الفلاسفة" في سلسلتها الروائية التي بدأتها عام 1998، الذي ما لبث أن تحول إلى فيلم شاهدته ملايين آخرى. وللمفارقة فإن حجر الفلاسفة لم يكن في يوم من الأيام إلا الوصفة التي تمكن صاحبها من صنع شراب الشباب الأبدي، الذي سعى وراء صناعته كل خيميائي العالم في العصور كلها.

اقرأ/ي أيضًا: باتريك زوسكند.. انعزاليون في عالم عدائي

كل ذاك يدفعنا إلى التساؤل إذا كانت تحدونا الرغبة بإزالة السحر من العالم، بمعنى نزع الدهشة عنه، أو المشاركة الواعية في خلقه دون أن نتسبب بهدم جزء حميم من ذواتنا. إن السحر والخيال جزء خلاق من حيواتنا الداخلية، ففي كل مرة يتم فيه طرد عفريت أو جني من مسرح الحياة نشعر برغبة دفينة بتوليد العديد من الكائنات الشبحية، كي تعيننا على تحمل قسوة عالم لا يكف عن تحويلنا إلى كائنات أكثر تحجرًا وآلية وأقل إنسانية.