السحر والسياسة السودانية.. وقائع مثيرة لوزراء وقادة في العالم السُفلي

السحر والسياسة السودانية.. وقائع مثيرة لوزراء وقادة في العالم السُفلي

انتشر الهوس بالسحر والدجل بين الساسة والمسؤولين السودانيين (يوتيوب)

لم يعد الإيمان المطلق بالسحر والغيبيات حكرًا على الفئات الأقل وعيًا لظروف الفقر وقلة التعليم في المجتمع السوداني، وإنما أضحت ثقافة سائدة، وبالأحرى ممارسة دخلت حتى القصور الرئاسية، وبات الوزراء يعتقدون بأن السحرة والمشعوذيين لديهم قوة خفية تمكن المسؤولين في الدولة من الحفاظ على مواقعهم، وتحبط أعمال خصومهم، ولذلك استعانوا بهم، على نحوٍ أكثر جدية، وازدهر سوق أعمال السحر والدجل بصورة رائجة وسط الساسة السودانيين، لدرجة أنها احتلت عقولهم تمامًا.

كان الرئيس السوداني جعفر النميري مهووسًا بالمنجمين والسحرة، وجلسات الودع لقراءة الطالع والمستقبل!

الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري كان مثل أبي جعفر المنصور يؤمن بالمنجمين والسحرة، كما وصفه الأديب علي المك: "لا يكفيه حاضره، يريد أن يعلم الغيب. قصر الخرطوم كقصر بغداد، كلما سمع بساحر أحضروه جاء، وأجزلوا له العطاء"، فهو يروى عنه أنه كان يرتاد "جلسات الودع" السودانية لقراءة الطالع والمستقبل، ويريد أن يطًلع على مصيره في القصر الجمهوري، ربما لأنه كثير الخصوم، حيث انقلب على اليسار عموماً وأعدم قادة الحزب الشيوعي، وسجن كل رموز العمل السياسي، وهاجم أنصار الإمام المهدي بالطائرات في الجزيرة أبابا، بجانب إعدامه لزعيم الحزب الجمهوري السوداني محمود محمد طه، ولذلك متى وجد عرافة جلس إليها بهواجسه المريعة.

اقرأ/ي أيضًا: ذكرى إعدام محمود محمد طه.. جدل سوداني متجدد حول زعيم دعوة "الجمهورية"

كما أن النميري ظل حتى بعد أن أطاحت بحكمه انتفاضة نيسان/أبريل 1985، يعتقد بإمكانية العودة، ولذلك لجأ في منفاه بالقاهرة إلى السحرة ودفع ملايين الجنيهات من أجل العودة إلى الحكم مرة أخرى، لكنه لم يعد.

وللرئيس نميري أكثر من غيره ولع بالغيبيات، وقد دخل إلى هذا العالم بعد حادثة شهيرة عندما كان ضابطاً يقاتل في جنوب السودان، وقتها ظهر له رجل قصير وغامض في الغابة، وأخبره بأنه سوف يصبح رئيساً للسودان كما حدث بالفعل، وقد أهداه شيخ الطريقة التجانية عصا ظلَّ يمسك بها على الدوام، ويعتقد بأن فيها أسراراً عظيمة، وأنها عصمته من الانقلابات، واستمالت نحوه الجماهير بافتتان.

كان جعفر النميري أكثر رؤساء السودان هوسًا بالسحر والدجل
كان جعفر النميري أكثر رؤساء السودان هوسًا بالسحر والدجل

فيما أشارت تقارير صحفية مؤخراً عن انتعاش سوق الدجل والشعوذة وذلك على خلفية الاعتقالات الأخيرة لسياسيين ورجال أعمال بتهم الفساد. ونقلت صحيفة "التغيير الإلكترونية" عن أحد شيوخ السحر والدجل، أنهم منذ اعتقال مدراء بنوك وشركات ورجال أعمال، أصبحوا يستقبلون أعداداً كبيرة من الشخصيات النافذة والمعروفة، وغالبيتهم من القيادات العليا في شركات كبيرة. وقالت الصحيفة: "كلهم يطلبون السترة، ومنع الحاسدين والمتربصين في حملة الفساد من العبث بهم".

أما أكثر المناسبات التي يستعين فيها الساسة بالسحرة والدجالين، فهي الانقلابات العسكرية، أو بين يدي تشيكل حكومة جديدة. وأشهر تلك الانقلابات المحاولة الأخيرة التي اتُهم بتدبيرها مدير جهاز الأمن والمخابرات الحالي صلاح قوش، وعدد من الضباط الإسلاميين، ضد حكومة عمر البشير، وهو ما يعرف بـ"انقلاب ود إبراهيم". 

وكشفت الاعترافات لبعض قادة الانقلاب، مشاركة "فكي" أو شخص يقوم بأعمال الدجل والشعوذة. وقد تواصلت معه السُلطات الأمنية بعد ذلك، وأقرَّ "الفكي" بأن ضابطاً برتبة لواء، لجأ إليه للقيام بعمل يمنع تحركات قيادات متنفذة في الحكومة وجهاز الأمن. وذكر الفكي الدجال، أنه طلب من المتهمين إحضار دجاجة، وعندما جاء بها أحدهم في سيارته وجدها "ميتة". وعند سؤال الفكي ضمن التحريات عن سبب عدم تبليغه السلطات بالمحاولة الانقلابية، قال إنه رأى في المنام فشلها ولذلك آثر عدم التبليغ.

جعفر النميري في إحدى جلسات الودع وقراءة الطالع
جعفر النميري في إحدى جلسات الودع وقراءة الطالع

وأشهر عراف سوداني ارتبط بعالم السياسة، هو "بلة الغائب". وقد ظل الرجل خلال السنوات الأخيرة يكرر في كل حوار صحفي أن الرئيس الحالي عمر البشير سيحكم السودان 31 عاماً و25 يوماً، وبدا كأن إصراره على الأيام الـ25 لتأكيد نبوءته بدقة.

وقال بلة الغائب في حوار تلفزيوني، أنه أخبر الرئيس البشير بذلك قبل أكثر من عشرة سنوات، وعندما واجهته الصحف كيف عرف ذلك؟ اكتفى بأنها "من أسرار العلم الباطن، التي لا يريد أن يطلع عليها أحد".

وأشار بلة في اللقاء التلفزيوني بأنه في الأول قطع للبشير بأنه سيحكم 18عاماً، وبعد اكتماله المدة أرسل إليه الرئيس أحد أقاربه وهو كمال حسن بخيت، رئيس التحرير السابق لصحيفة الرأي العام، مستفسراً عما سيحدث بعد ذلك، وهنا حدد بلة الفترة كاملة للرئيس البشير، وقال له: "ستحكم 31 سنة و25 يوماً". وأضاف الغائب: "أنا دعيت له وادعيت ذلك، ومستعد لأي مساءلة"، علماً بأن البشير وصل للحكم في عام 1989، ويعمل حزبه لترشيحه مجدداً لدورة رئاسة آخرى في 2020.

الشيخ كمال رزق، إمام المسجد الكبير في الخرطوم، كشف في خطبة الجمعة قبل أعوام عن لجوء الساسة والوزراء للمشعوذين من أجل الحفاظ على مواقعهم، أو تبوؤ مناصب أرفع، قائلاً: "هناك قيادات تجري وراء الاستيزار، وفي سبيل الحصول على الكرسي تستخدم حتى الدجل والشعوذة"، فيما أشارت صحيفة "الانتباهة" السودانية، إلى أن مسؤولاً وزارياً سابقاً قبل إعلان الحكومة الأخيرة، جلب أحد السحرة إلى منزله، وشوهد الدخان يخرج بكثافة من النوافذ، بينما ظل المسؤول يهرول في كل مرة بنفسه ودون حارسه إلى السوق لتلبية طلبات الساحر الغرائبية.

ولم تتوقف محاولات السحرة السودانيين داخل النطاق السوداني، وإنما انسحبت إلى الخارج، وقد اشتهرت عمليات تنزيل أموال تتناقلها المجالس سراً وسط أمراء دولة خليجية وقعوا ضحية نصابين سودانيين، وأوهموا الأمراء بأنهم سيمكنون لهم في السُلطة، مقابل دفع ملايين الدولارات. وقد فتحت لهم تلك الدول خزائنها، بعدها لاذو بالفرار.

ولربما كانت محاكمة رجل أعمال سوداني شهير تجري هذه الأيام، ذات صلة بالملف، حيث وجهت المحكمة للرجل تهم خيانة الأمانة والاحتيال على إماراتي والاستيلاء منه على مبلغ 20 مليون دولار، دون أن تفصح عن اسم وصفة الرجل الإمارتي، بجانب بلاغ ثانٍ ضده بالاحتيال على شخص سعودي والاستيلاء منه على مبلغ 50 مليون يورو، وذلك على خلفية تقدم ممثل الاتهام عن الشاكي السعودي، بطلب للمحكمة بالقبض عليه. وحاول مراقبون الربط بين هذه المحاكمة وطموحات سياسية لأمراء سعوديين وإماراتيين وقعوا ضحية نصب مشعوذين سودانيين.

الاختصاصي النفسي السوداني، دكتور علي بلدو، أقر بحقيقة هذا الممارسات. وقال في حديثه لـ"ألترا صوت"، إن "التكوين النفسي لمعظم القادة السودانيين تكوين هش، وبه قدر عال من عدم الثقة في النفس، والنقص الشديد في مهارات التواصل والإقناع والكاريزما". 

وأضاف بلدو: "إدمان السُلطة والتشبث بالكراسي أصاب الجميع دون فرز، وجعلهم يهرعون للمشعوذين، وهذا بدوره أدى إلى شعور بالخوف من فقدان المنصب"، بجانب محاولة التعامل مع الأعداء الحقيقيين والمتوهمين في ظل، ما وصفها بلدو بحالة "البارانويا السياسية التي ضربت بأطنابها كل زوايا العمل العام". 

إدمان السُلطة والتشبث بالكراسي أصاب الجميع دون فرز، وجعلهم يهرعون للمشعوذين، وهذا بدوره أدى إلى شعور بالخوف من فقدان المنصب

وأوضح بلدو أن الأعمال والكادوك والسحر وغيرها، أصبحت من الوسائل المتعارف عليها في معظم الأحزاب والكيانات السياسية في السر أو الجهر، بل "يصرف عليها أموال طائلة، وتؤدي أيضاً إلى الإعفاءات والاستقالات المختلفة والمفاجئة والتي قد تكون بإملاء السحرة والمشعوذين"، الذين أصبحوا يشكلون حكومة ظل موازية، بل أكثر حضوراً وتأثيراً في الراهن السياسي.

 

اقرأ/ي أيضًا:

كيف خدع "وليّ" كنز سرغينة 20 ألف مغربي واتّبعوه للوهم؟

أقفال السحر في الجزائر.. رعب وفكاهة