ultracheck
  1. قول

السجن ضد الوطن: في مقاومة محو الانتماء

3 ديسمبر 2025
ليمان طره
سجن طرة في القاهرة (AFP)
أحمد عبد الحليمأحمد عبد الحليم

لم تعد سنوات السجن في مصر ــ في صورتها الحديثة التي تأسست على منطق الضبط والعقاب ــ مجرد حرمانٍ من الحرية، بل أصبحت فضاءً يعاد فيه تشكيل علاقة الإنسان بوطنه مهما كان نوع سجنه: سياسيًا كان أم جنائيًا. فالمؤسسة السجنية، بوصفها نتاجًا لتطور الدولة الحديثة، ومركزيتها، تتعامل مع السجين كخطأ وجب تصحيحه عبر استئصاله، لا كفرد له تاريخ وحقوق ومكان داخل الجماعة الوطنية. من هنا، تبدأ عملية تفكيك الرابط النفسي والانتمائي بين السجين وبلده، حتى يشعر أحيانًا أن الدولة التي يفترض أن ينتمي إليها باتت تنظر إليه كعبء أو منبوذ فائض عنها.

في هذا المقال، أحاول تتبّع الكيفية التي تُنتج بها التجربة السجنية هذا الاستلاب، وكيف يواجهه السجناء ــ سياسيون وجنائيون على السواء ــ عبر أشكال صغيرة لكنها عميقة من المقاومة اليومية: تذكّر الذات، حماية الهوية، وإعادة بناء شبكة تضامن تُبقي ما تبقّى من صلتهم بمصر حيًّا. كما أتوقف عند الصراع الصامت بين هذه المحاولات الفردية وبين آليات السلطة التي تسعى إلى تحويل السجين إلى كينونة بلا ماضٍ ولا انتماء، بما يجعل السجن نفسه ساحةً للمعركة على المعنى والهوية.

السجن وتحطيم الانتماء

تسعى السلطة، عبر منظومة السجون، إلى إعادة تشكيل السجين ككائنٍ خارج التعريف. يُسلب منه اسمه لصالح رقم، ويُشكل جسده كي يُصبح لا فرق بينه وبين الآخرين، ويُجرَّد من انفعالاته لصالح صمتٍ قسري. لا يُنظر إليه كإنسان أو مواطنٍ أخطأ، بل ككُتلة جسدية يجب حذف صورتها، وإعادة تشكيل صورة أُخرى. هنا، يصبح الجسد، حسب أستاذ علم الاجتماع الفرنسي دافيد لو بروتون «مرآة ذاتية واجتماعية» للإنسان. وقد غدا السجين في مصر يُسجن، ويُنسى، ويُخرَج منه وكأن شيئًا لم يكن. فالمجتمع يُدفع هو الآخر نحو الصمت، أي أنه يقتبس من السُلطوية خطابها تجاه السجين، عبر أدوات القمع المباشرة وغير المباشرة، مثل السينما والبرامج، ويقتنع المُجتمع بأن المنسيين خلف الجدران ليسوا منه، وأن ذكراهم عبءٌ لا جدوى منه، بل وتستحق العقاب والنبذ والاستبعاد.

تسعى السلطة، عبر منظومة السجون، إلى إعادة تشكيل السجين ككائنٍ خارج التعريف. يُسلب منه اسمه لصالح رقم، ويُشكل جسده كي يُصبح لا فرق بينه وبين الآخرين، ويُجرَّد من انفعالاته لصالح صمتٍ قسري

داخل هذه المعادلة، لا يصبح السجن مجرد مكان، بل فضاء تجريبي تُهدم داخله الكينونة الإنسانية عبر تفعيل كل الممارسات السجنّية التعذيبية والإذلالية، كما تُمارَس فيه القطيعة، لا العقوبة؛ التغييب، لا الإصلاح. ويُعمَّم على الجميع: السياسي والجنائي، المتمرِّد والمهمَّش، على حدٍّ سواء. هكذا يتحول السجن إلى أداة سلطوية لا لردع الجريمة، بل لصناعة النسيان، ولإعادة تشكيل جسد سجني فارغ بلا سياق (كينونة) ولا ماضٍ ولا مستقبل ولا انتماء.

مقاومة داخل الزنزانة: الكتابة والذاكرة والهوية

ورغم ممارسة كل التمثلات السُلطوية على جسد السجين منذ بداية دخوله حتى خروجه، تضيء في الزوايا المعتمة مقاومات صغيرة، لكنها جوهرية. مقاومات لا تُقرَع فيها الطبول ولا تُرفع فيها الرايات، بل تتجلّى في فعل بسيط مثل التذكُّر. يكتب السجين على جدران الزنزانة بيت شعر، اسم حبيبته، أو أحاديث بينه وبين الوجود، الدنيا، والزمن؟ وما حدث له وما يأملُه. يخطُّ على ورقة تهريب قصيدة، كما كان يفعل الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم، أو خاطرة أو رسالة إلى عائلته أو حتى يرسم على جسده صورة تُعيد إليه ذاته كلما نظر إليها. في كل هذه الممارسات، وأكثر، محاولةً لاستعادة الذات في وجه المحو، تذكير بأنه ليس خطأً عارضًا بل إنسان عابرٌ في تجربة عنيفة لا تملك أن تسرق منه جسده.

في السجن، الكتابة ليست ترفًا، بل بقاء. كما كانت للفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي، الذي حوّل زنزانته إلى مختبر للتفكير وإعادة إنتاج رؤية تحرّرية العالم. أو كما رأى فيكتور فرانكل أن الإنسان قادر على منح معاناته معنًى، وعلى النجاة بهذا المعنى لا بالظروف شديدة القسوة، والمراهنة على بقاء هذا المعنى بعد أن ينتهي زمن السجن، كما حدث معه.

إلى جانب الكتابة، تظهر المقاومة في أبسط أشكال التضامن الإنساني: سجين يعلّم آخر القراءة، أو يشاركه قطعة خبز من الزيارة. سجناء يرسلون رسائل عبر الجدران، كما كان في فيلم "حب في الزنزانة"، وفي الحقيقة. وأيضا، أصدقاء ينقلون صوت المعتقل إلى العالم الخارجي عبر التدوين حول قصته. أو في ركن الزنزانة، حين يجتمع السجناء على تشجيع مباراة كرة قدم، الفريق الوطني، مصر، كنوع من استعادة انتمائهم إلى هذا الوطن من خلال النشاط الرياضي، ويسألون أنفسهم، وبعضهم، ويختلفون حول إجابة سؤال: هل نحن ننتمي إلى هذا الفريق، إلى الوطن، حتى نشجعه؟! كل هذه الأفعال، مهما بدت ضئيلة، هي تمسُّك متواصل بجذر الانتماء في وجه سُلطوية تحاول اقتلاعه.

أما فيما يخص الذاكرة، فما يجري داخل المنظومة السجنّية يتجاوز مفهوم العقاب ليغدو تطبيقًا مكثّفًا لما وصفه فوكو بـ تقنيات إنتاج الطاعة؛ حيث تُستهدف الذاكرة بوصفها الحقل الأكثر عمقًا في تشكيل الوعي. فالعزل، تكرار الزمن، محو الفوارق بين الأيام، والضغط النفسي ليست مجرد أدوات للسيطرة على الجسد، بل محاولات لإعادة تشكيل ذاكرة الإنسان تجاه ذاته، السُلطة، والعالم. هنا تعمل السلطة على فصل السجين عن سياقه الأول، عن سيرته ومعانيه، لتجريده من “الحمولة التاريخية” التي تمنحه سببًا للتمرد أو حتى للفهم. إنها، بلغة غرامشي، مساعٍ لإفراغ الوعي من عناصره المقلِقة وإعادة إنتاج ذات خاضعة للسُلطة. ورغم أن هذه الآليات تستند إلى فكرة أن الذاكرة يمكن إعادة كتابتها، إلا أنها تصطدم دومًا بالحدّ الذي أشار إليه فرانكل، فلا يمكن سلب الإنسان قدرته على اختيار موقفه من التجربة، حتى في أقسى الظروف.

يبدو السجن في مصر أشبه بفضاءٍ تتقاطع فيه إرادتان: إرادة سلطة تعمل على تحويل الفرد إلى ظلّ بلا تاريخ، وهى الأقوى، وإرادة إنسان يسعى، رغم القيود والضعف، إلى حماية ما تبقّى من ذاته

ومن هذه الثغرة الصغيرة في جدار السلطة تولد المقاومة. فحين يتمسّك السجين بذاكرته، أو يعيد رواية ما حدث له في داخله، فإنه يستعيد "المجال الداخلي" الذي تحاول المؤسسة السجنية السيطرة عليه. يُساعد السجين في هذا الزيارة العائلية، فكل كلمة تُهمَس، وكل قصة تُروى، قبل أن تُحفظ وتُكتب، تتحوّل إلى إنتاج لمعرفة مضادّة، وإلى نواة لذاكرة جماعية لا يمكن محوها. بهذا المعنى، يصبح السجين ــ فقط بإصراره على أن يكون شاهدًا لا موضوعًا للعقاب ــ فاعلًا في معركة أبعد من حدود الجدران: معركة على المعنى نفسه. فالمعنى الذي ينجو لا يكتفي بحماية صاحبه، بل يكشف هشاشة فكرة السيطرة التامة، ويترك في قلب الفضاء السجني بذرة سؤال لا تموت: من يمتلك الحق في الجسد؟ والذاكرة؟ وفي معنى تعريف الوطن؟ والانتماء إليه؟

نهاية، يبدو السجن في مصر أشبه بفضاءٍ تتقاطع فيه إرادتان: إرادة سلطة تعمل على تحويل الفرد إلى ظلّ بلا تاريخ، وهى الأقوى، وإرادة إنسان يسعى، رغم القيود والضعف، إلى حماية ما تبقّى من ذاته. فالزنازين، مهما ضاقت، لا تُلغي قدرة السجين على أن يكون شاهدًا على زمنه، وصاحب سردية لا تستطيع الدولة احتكارها. وهكذا يصبح التمسّك بالمعنى ــ أكان كلمة، أو ذكرى، أو رفقة عابرة ــ فعلًا يعيد للإنسان مكانه داخل الحكاية الذاتية/ الوطنية.

وما يخرج من خلف الجدران ليس مجرد ألمٍ مُضاعف، بل وعيٌ جديد بوطنٍ لا يُختزل في السلطة التي تُديره، بل في البشر الذين يصرّون على الانتماء إليه حتى وهم في أقصى درجات الإقصاء والعزل والمحو. فهؤلاء الذين حافظوا على ذاكرتهم في مواجهة النسيان القسري، لم يكونوا مجرد سجناء؛ كانوا صانعي المعنى الأخير لوطنٍ يتجدّد كلما حاولت السلطوية أن تُخمده.

كلمات مفتاحية
غسان كنفاني

حلقتان ضعيفتان في الأدب الفلسطيني

لا توجد كتابة أدبية ناضجة تحن إلى ماضٍ جميل باندفاعات عاطفية سطحية

دمشق

الملفات الأمنية الخارجية الجديدة لدمشق.. من الفوضى الموروثة إلى السيادة المتفاوض عليها

دخلت دمشق مرحلة ما بعد نظام الأسد وهي تواجه سؤالًا جوهريًا يتمحور حول كيفية إعادة بناء الأمن القومي في دولة خرجت من مسارات التفكك

طهران

بين الضربة المحدودة والحرب الشاملة: سيناريوهات المواجهة الأميركية–الإيرانية على وقع الاحتجاجات

مع انخفاض رقعة الاحتجاجات الإيرانية التي انطلقت في بازار طهران الكبير في 28 من الشهر الماضي، تتصاعد في المقابل التهديدات العسكرية الأميركية تجاه إيران

غارة إسرائيلية
سياق متصل

إنذارات إسرائيلية تتوسّع في جنوب لبنان وغارات تُوقِع إصابات وتدمّر مباني

هاجم جيش الاحتلال الإسرائيلي مساء اليوم قرى قناريت والكفور وجرجوع والخرايب وأنصار في جنوب لبنان

ترامب وكاروني
سياق متصل

الجيش الكندي يحاكي سيناريو اجتياح أميركي محتمل

كشفت تقارير صحفية أن القوات المسلحة الكندية أجرت عمليات محاكاة وتدريبات على سيناريو اجتياح أميركي محتمل

غزة
سياق متصل

شهداء بينهم صحفيون في تصعيد إسرائيلي على غزة

استشهد 11 فلسطينيًا على الأقل، بينهم ثلاثة صحفيين، جراء سلسلة استهدافات شنّها جيش الاحتلال الإسرائيلي على مناطق متفرقة في قطاع غزة

صورة تعبيرية
علوم

ذكاء اصطناعي يقيّم الألم: خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية

في خطوة ثورية نحو تحسين الرعاية الصحية، ابتكر فريق من الباحثين نظامًا يجمع بين الكاميرا وتقنيات الذكاء الاصطناعي لتقييم شدة الألم لدى المرضى أثناء العمليات الجراحية