السباق الأوروبي نحو دمشق.. ما الذي يبحث عنه ماكرون في سوريا؟
8 يوليو 2026
تعيد العواصم الأوروبية رسم مقاربتها تجاه سوريا على وقع التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وتتعامل مع دمشق باعتبارها إحدى أهم العقد الجيوسياسية التي ستتحدد حولها ملامح النظام الإقليمي الجديد، بعدما تجاوزت التطورات الميدانية والسياسية مرحلة إدارة الأزمة، وانتقلت إلى مرحلة بناء ترتيبات طويلة الأمد تشمل الأمن والطاقة والتجارة والبنية التحتية؛ وهو ما يدفع القارة الأوروبية إلى تسريع خطواتها نحو العاصمة السورية، إدراكًا منها أن موازين القوى الجديدة تُصنع اليوم داخل سوريا بقدر ما تُصنع في شرق المتوسط والخليج العربي.
مرحلة أوروبية جديدة
تعكس زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق بداية مرحلة أوروبية مختلفة، تتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين باريس ودمشق، لتفتح الباب أمام سباق أوروبي واسع نحو استعادة الحضور داخل الساحة السورية، حيث تنظر الدول الأوروبية إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة التموضع السياسي والاقتصادي قبل اكتمال منظومة التحالفات الجديدة التي تتشكل بين الولايات المتحدة وتركيا والدول العربية والخليجية، وقبل انتقال مشاريع إعادة الإعمار والطاقة والممرات التجارية إلى مراحل التنفيذ الفعلي، وهو ما يمنح الحضور المبكر أفضلية استراتيجية في رسم قواعد المرحلة المقبلة.
فعليًا، تدرك أوروبا أن سوريا استعادت مكانتها بوصفها مركز التقاء للمصالح الدولية والإقليمية، بعدما أصبحت الجغرافيا السورية نقطة عبور رئيسية لمختلف المشاريع التي يجري إعدادها والتفكير بها جديًا بين الخليج العربي وشرق المتوسط، وبين الأسواق الآسيوية والأوروبية. يمنح هذا التقييم دمشق قيمة استراتيجية تتجاوز حدودها الوطنية، لتتحول إلى محطة أساسية في معادلة التجارة الدولية، وخطوط الطاقة، وشبكات النقل، وربط الموانئ، وسلاسل الإمداد، وهي ملفات باتت تمثل أولوية قصوى بالنسبة للاقتصادات الأوروبية بعد سلسلة الأزمات التي أصابت حركة الملاحة الدولية خلال الأعوام الأخيرة؛ لا سيما مع الحديث عن مشروع البحار الأربعة الذي ستكون دمشق نقطة ارتكازه.
تعكس زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق بداية مرحلة أوروبية مختلفة، تتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين باريس ودمشق، لتفتح الباب أمام سباق أوروبي واسع نحو استعادة الحضور داخل الساحة السورية
بعد جغرافي أكثر كفاءة
ترفع التحولات التي يشهدها البحر الأحمر، والتوترات التي تطاول مضيق هرمز نتيجة الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، والهجمات الإيرانية المتكررة على دول الخليج العربي، والأزمات المتكررة في خطوط الملاحة الدولية، من أهمية البحث الأوروبي عن بدائل أكثر استقرارًا واستدامة، وهو ما يدفع الاهتمام تدريجيًا نحو شرق المتوسط باعتباره الامتداد الطبيعي للأسواق الأوروبية. وهنا تتحول سوريا إلى الحلقة التي تربط الموانئ الخليجية بالمرافئ المتوسطية، وتمنح مشاريع الربط اللوجستي بعدًا جغرافيًا أكثر كفاءة، خصوصًا مع تصاعد الحديث عن شبكات نقل وسكك حديدية وممرات تجارية تربط الخليج بسوريا وصولًا إلى البحر المتوسط، ثم إلى الأسواق الأوروبية.
إعادة تموضع فرنسي
تسعى باريس إلى قيادة هذا التوجه الأوروبي، انطلاقًا من إدراكها أن المنافسة الدولية على سوريا دخلت مرحلة جديدة، وأن مستوى النفوذ داخل دمشق سيحدد حجم الدور الأوروبي في ملفات المشرق العربي خلال العقد المقبل. ولذلك تأتي الزيارة الفرنسية في توقيت يتزامن مع رسم خرائط النفوذ الإقليمي من جديد، لا سيما بعد توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، ومع اقتراب بلورة تفاهمات أميركية وتركية وعربية حول مستقبل سوريا، ومعها لبنان بالمحصلة، الأمر الذي يدفع فرنسا إلى تثبيت موقعها داخل هذه المسارات تمهيدًا لفتح الباب أمام مشاركة أوروبية أوسع في مختلف الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية.
وتحمل زيارة ماكرون إلى دمشق دلالات سياسية واقتصادية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، لأنها تمثل توجهًا أوروبيًا متسارعًا لإعادة التموضع داخل سوريا مع دخولها مرحلة جديدة من إعادة بناء الدولة والانفتاح على محيطها الإقليمي والدولي، ولأن الزيارة تأتي في توقيت تشهد فيه المنطقة إعادة تشكيل لخرائط النفوذ والطاقة والممرات التجارية، حيث استعادت سوريا موقعها بوصفها إحدى أهم العقد الجيوسياسية في شرق المتوسط.
المهم هنا ملاحظة أن الثقل السياسي لفرنسا داخل الاتحاد الأوروبي سيمنح الزيارة أهمية استثنائية، إذ سيكون ماكرون أول رئيس لدولة كبرى في أوروبا الغربية يزور دمشق منذ عام 2011، في خطوة تكرّس إدراكًا أوروبيًا بأن المرحلة المقبلة ستشهد منافسة على النفوذ السياسي وفرص الاستثمار والمشاركة في إعادة الإعمار، بالتوازي مع إعادة رسم التوازنات الإقليمية. اللافت أيضًا أن تكوين الوفد المرافق للرئيس الفرنسي، الذي يضم رجال أعمال ورؤساء شركات فرنسية عالمية، يكشف البعد الاقتصادي الواضح للزيارة، في ظل التقديرات التي تشير إلى أن مشاريع إعادة الإعمار ستشمل قطاعات الطاقة والمرافئ والنقل والبنية التحتية والاتصالات.
ومن المرجح أن يضم الوفد ممثلين عن كبرى الشركات الفرنسية، وفي مقدمتها (TotalEnergies) في قطاع الطاقة، و(EDF) و(Engie) في الكهرباء، و(CMA CGM) في الموانئ والخدمات اللوجستية، و(Vinci)و(Bouygues) في مشاريع البنية التحتية، إضافة إلى (Alstom) في النقل، بما يعكس اهتمام باريس بالحصول على حصة مبكرة في مشاريع إعادة إعمار سوريا وتطوير بنيتها الاقتصادية. وهنا تسعى باريس جاهدة إلى تأمين موقع متقدم لشركاتها داخل السوق السورية، بالتوازي مع تعزيز حضورها في مشاريع الربط التجاري بين الخليج وشرق المتوسط، التي تمنح سوريا دورًا محوريًا في حركة التجارة الإقليمية.
على الأرض، يتجاوز الاهتمام الفرنسي الجانب الاقتصادي ليشمل تثبيت حضور استراتيجي في المشرق العربي، مستندًا إلى إرث الانتداب (1920-1946)، حيث تنظر باريس إلى سوريا باعتبارها نقطة ارتكاز في ملفات الأمن والطاقة والتجارة، وتسعى إلى استعادة جزء من نفوذها التقليدي في المنطقة، بالتزامن مع الانفتاح الغربي المتدرج على القيادة السورية الجديدة، الذي تجسد في تخفيف العقوبات، وتكثيف الاتصالات السياسية، وتبادل الزيارات مع عدد من العواصم الأوروبية.
ومن المهم القول إن التحركات الفرنسية الأخيرة تتصل باحتمال سعي باريس للمشاركة في هندسة الترتيبات السياسية والأمنية التي تتشكل حول سوريا وشرق المتوسط؛ ويُستدل على ذلك بما يتداول عن لقاء ثلاثي جمع ماكرون بالضابط السوري المنشق عن نظام الأسد، مناف طلاس، وقائد "قوات سوريا الديمقراطية" مظلوم عبدي، وما رافقه من حديث عن رؤية فرنسية لإقامة إطار أمني إقليمي يضم سوريا ولبنان ومصر واليونان وقبرص. وهي معطيات تعكس اهتمام باريس بالمشاركة في رسم منظومة الأمن الجديدة في شرق المتوسط، بالتوازي مع تثبيت حضورها الاقتصادي عبر مشاريع الطاقة والموانئ وإعادة الإعمار.
تستند هذه المقاربة إلى إرث فرنسي تاريخي في المشرق، وإلى إدراك بأن المرحلة الحالية تشهد إعادة توزيع للنفوذ الإقليمي، الأمر الذي يدفع القوى الكبرى إلى ملء الفراغات السياسية والأمنية مبكرًا، بما يضمن لها دورًا مؤثرًا في التوازنات التي ستتبلور خلال السنوات المقبلة.
ربما ستتجه المباحثات المرتقبة بين الفرنسيين والسوريين نحو تعزيز العلاقات السياسية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، ودعم مشاريع إعادة الإعمار، إضافة إلى مناقشة التطورات الإقليمية في شرق المتوسط، ومستقبل الممرات التجارية، وقضايا الأمن والاستقرار في المنطقة. لكن، في المقابل، تدرك باريس أن تعزيز العلاقات مع دمشق يرتبط بمعالجة ملفات حساسة أخرى، وفي مقدمتها القضية الكردية، التي شكّلت خلال السنوات الماضية إحدى نقاط التباين بين الجانبين، إلى جانب الحاجة إلى بناء تفاهمات جديدة تراعي أولويات الدولة السورية في مرحلة إعادة بناء مؤسساتها وترسيخ سيادتها، وملفات المقاتلين الأجانب، ولا سيما الكتيبة الفرنسية التي أثارت عدة تساؤلات حول طبيعة عملها في الشمال السوري بعد أزمة عمر أومسين الأخيرة.
استراتيجية أوروبية شاملة
عمومًا، تنظر العواصم الأوروبية إلى دمشق باعتبارها مفتاحًا لمعالجة مجموعة مترابطة من الملفات التي تمس الأمن الأوروبي بصورة مباشرة، وفي مقدمتها ملف الهجرة واللجوء، ومكافحة الإرهاب والتطرف، وأمن الطاقة، واستقرار شرق المتوسط، وحركة التجارة، وهو ما يجعل العودة إلى سوريا جزءًا من استراتيجية أوروبية شاملة تهدف إلى حماية المصالح الاقتصادية والأمنية للقارة، وإعادة بناء أدوات التأثير داخل واحدة من أكثر الساحات تأثيرًا في التوازنات الإقليمية.
تتسابق الشركات الأوروبية، بالتوازي مع التحركات السياسية، لحجز مواقع متقدمة في مرحلة إعادة الإعمار، إدراكًا منها أن السوق السورية ستتحول خلال السنوات المقبلة إلى واحدة من أكبر ورش البنية التحتية في المنطقة، مع اتساع الحاجة إلى إعادة تأهيل شبكات الكهرباء، والنقل، والمرافئ، والطرق، والمناطق الصناعية، والاتصالات، والطاقة، وهو ما يمنح الحكومات الأوروبية حافزًا إضافيًا لتوفير الغطاء السياسي الذي يسمح لشركاتها بالحصول على حصة مؤثرة من هذه المشاريع قبل دخول منافسين دوليين يمتلكون حضورًا متقدمًا داخل السوق السورية.
يتقاطع هذا الحراك الأوروبي مع رؤية أوسع تقوم على إعادة بناء شبكة من العلاقات الإقليمية تضم تركيا والدول العربية والخليجية، وتؤسس لمسار اقتصادي جديد يمتد من الخليج العربي إلى البحر المتوسط، ويمنح أوروبا منفذًا أكثر استقرارًا نحو أسواق الشرق الأوسط وآسيا، فيما تتحول سوريا إلى الحلقة المركزية التي تلتقي عندها مختلف هذه المشاريع، الأمر الذي يرفع من قيمة التفاهم مع دمشق ويمنحها موقعًا محوريًا داخل الحسابات الأوروبية الجديدة.
بلورة تفاهمات أوسع
يفرض هذا الواقع حسابات جديدة على السياسة الأوروبية في المنطقة، حيث تنتقل الأولوية من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازنات، ومن متابعة التطورات إلى المشاركة المباشرة في صياغة المشهد الإقليمي، وهو ما يفسر تسارع الاتصالات الأوروبية مع دمشق وارتفاع مستوى الانخراط السياسي، لا سيما بعد لقاءات أوروبية مع الرئيس الشرع على هامش قمة الناتو في أنقرة، وتزايد الاهتمام بمشاريع الاستثمار والربط الاقتصادي، باعتبارها أدوات لبناء نفوذ طويل الأمد يواكب التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط.
تنظر العواصم الأوروبية إلى دمشق باعتبارها مفتاحًا لمعالجة مجموعة مترابطة من الملفات التي تمس الأمن الأوروبي بصورة مباشرة، وفي مقدمتها ملف الهجرة واللجوء، ومكافحة الإرهاب والتطرف، وأمن الطاقة، واستقرار شرق المتوسط، وحركة التجارة
تكتسب قمة حلف الناتو هذه المرة أهمية استثنائية، لأنها تنعقد في مرحلة تعيد فيها القوى الغربية صياغة مفهوم الأمن الجماعي، وتوسع نطاق الاهتمام من الجبهة الشرقية للحلف إلى الجناح الجنوبي الممتد من البحر الأسود وأوكرانيا وشرق المتوسط وصولًا إلى الخليج العربي والبحر الأحمر، حيث أصبحت طرق التجارة العالمية، وخطوط الطاقة، والممرات البحرية، والأمن السيبراني، والبنية التحتية الدفاعية والاستراتيجية، تشكل كلها عناصر متداخلة داخل مفهوم الأمن الأطلسي الجديد. هنا تتحول سوريا إلى جزء من البيئة الأمنية المحيطة بالحلف، بحكم موقعها الجغرافي وقدرتها على التأثير في استقرار شرق المتوسط، وعلاقاتها المتشابكة مع تركيا والدول العربية وأوروبا.
تفتح القمة الباب أمام بلورة تفاهمات أوسع بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية وتركيا (والخليج العربي بالطبع) حول إدارة المرحلة المقبلة في المشرق العربي، في ظل تقاطع المصالح المتعلقة باستقرار سوريا، وتأمين خطوط التجارة، وربط الموانئ، وحماية الاستثمارات، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي، ورفع مستوى التنسيق الأمني بين مختلف الأطراف. وتمنح هذه التفاهمات زخمًا إضافيًا للحراك الأوروبي نحو دمشق، بعدما أصبحت جزءًا من المشهد الاستراتيجي الذي يناقشه الحلف بصورة غير مباشرة، بوصفها إحدى العقد الأساسية في معادلة الأمن الإقليمي، والتوازنات الاقتصادية، ومستقبل الممرات التجارية التي تربط الخليج العربي بالبحر المتوسط والأسواق الأوروبية.
إسرائيل في قلب المعادلة
لكن يبرز تحدٍّ من النمط التراكمي، إذ تراقب إسرائيل هذا الحراك الأوروبي نحو دمشق من زاوية تتجاوز العلاقات المتبادلة بين أوروبا وسوريا، وترتبط مباشرة بالتوازنات التي تتشكل في المشرق العربي، حيث تتعامل تل أبيب مع الجنوب السوري وشرق المتوسط باعتبارهما امتدادًا لمجالها الأمني والاستراتيجي، وتسعى إلى تثبيت وقائع ميدانية تمنحها حرية حركة طويلة الأمد، وتوفر لها عمقًا أمنيًا ينسجم مع رؤيتها الإقليمية الجديدة.
وفي ظل القلق الأوروبي تجاه تل أبيب، والخلافات (أو التوترات) بين الأوروبيين والإسرائيليين، تسعى تل أبيب في الوقت نفسه إلى تحويل التفوق العسكري الذي حققته خلال السنوات الماضية إلى مكاسب سياسية وجغرافية، عبر فرض ترتيبات أمنية جديدة، وتعزيز حضورها على خطوط التماس، والتأثير في مستقبل الحدود والخرائط الأمنية في سوريا ولبنان، بما يمنحها موقعًا متقدمًا داخل أي منظومة إقليمية يجري تشكيلها.
تدفع هذه الأفكار الإسرائيلية العديد من الدول الأوروبية إلى تسريع انخراطها في الملف السوري ورعايته، انطلاقًا من إدراكها أن ترك الساحة مفتوحة أمام توازن أحادي سيؤدي إلى إعادة تشكيل المشرق وفق معادلات يغيب عنها الدور الأوروبي، ويضع ملفات حساسة عديدة تحت تأثير موازين قوى لا تنسجم بالكامل مع المصالح الأوروبية. هنا يتحول الحضور الأوروبي في دمشق إلى أداة للمشاركة في صياغة التوازنات الإقليمية، وتأمين موطئ قدم داخل مرحلة إعادة رسم الخرائط السياسية والاقتصادية، بما يسمح لأوروبا بحماية مصالحها في شرق المتوسط، والحفاظ على دورها في واحدة من أكثر المناطق تأثيرًا في أمن القارة واستقرارها.