الساديّة في المواجهة

الساديّة في المواجهة

بروس نومان/ أمريكا

من مظاهر الاستمتاع بالساديّة رؤية المتصل يتصل، وتتركه ينتظر. تنظر إلى الاسم وتضحك، وتستمع إلى الرنين فتنتشي، يصمت الصوت، ويتلاشى الاسم فتنتصر. على هذا النحو تفكر بي امرأة تنام بعيدة عني، امرأة على الورق فقط، امرأة من وجع اللذة، لم تمنحني شيئًا سوى الوهم، لا شيء أسوأ من الوهم.

الحزن عدو شرس للساديّة ومقاتل عنيف ضدّ الرواية غير المبالية بأيّ شيءٍ سوى نفسها

عليّ أن أبتعد عن طرح الأسئلة الآن، لأن الأسئلة تزيد قلقي، وأنا متخم بالقلق حتى الثمالة المشبعة.

اقرأ/ي أيضًا: قبر ناصية للإيجار

في كل مرة تتصل بي لا أجد متعة في الاستجابة لنباح الهاتف المجنون، شيء ثقيل يقف على رؤوس أصابعي لا يجعلها تمتدّ إلى مفتاح الردّ الأخضر. فكرة عبثية تحتلّ رأسي وتشعرني بالتفاهة لو كنت استجبت لذاك الرنين.

وسأتحاشى كليّة تعابير الجهل المصطنع من مثل "لا أدري". لأنها أيضًا قرينة للسؤال وتعطيه شرعية كبيرة لوجوده على طرف اللسان في لغة تعاني من الهشاشة، وأنا هنا معنيّ جدًا بمحاربة الهشاشة.

لا أفكر كثيرًا بالأمر، تحاول أن تُكثر من الاتصال، صار عدد الاتصالات يزداد يوميًا، وعلى فترات متقطّعة، ربما فصل بين المرة والمرة ساعة أو ساعتان. ثمة ضغط كبير يشعر به الرنين جراء تلك الضربات الثقيلة الحادة.

لن أنجرّ إلى عمليات إحصائية لأقول لها بطريقة غير مباشرة كم بلغ عدد المرات التي اتصلت فيها، لأن إحصاء العدد يؤشر لدلالة عكسية مما أنا فيه فعليًا من عدم الاكتراث للموضوع بشكل كليّ.

كل ما تفكر به تلك المرأة ليس صحيحًا، الساديّة مخيفة، نزعة روائية قاسية، وأنا لست روائيًا، عليها ربما أن تتأمل لون عينيّ كما تبدوان صغيرتين في صورة شتوية حزينة جدًا، لتعرف أن الحزن عدو شرس للساديّة ومقاتل عنيف ضدّ الرواية غير المبالية بأيّ شيءٍ سوى نفسها. كل ما في الأمر أنه لا رغبة للحزن أن يتكثف أكثر، ولذا يتحتم على الرنين أن يسكت بعد كل نوبة من نباحه العبثي. وعلى الاسم أن ينطفئ على الشاشة دفعة واحدة، ليصبح مكالمة فائتة في سجل المكالمات التي لم يُردّ عليها.

كما أنه ينبغي لي ألا أخبرها بشكل عفويّ أنني لم أعد أقرأ الروايات، لاسيما تلك الروايات التي تغرق في الساديّة، وسأقوم بالتخلص من روايات "الماركيز دو ساد" من مكتبتي حتى لا أشعر بالمزيد من الإحباط.

اقرأ/ي أيضًا: ثلاثة أيام في مصرف

عليّ أن أتخلص من الهاتف نهائيًا حتى يظل الاسم منطفئًا، وكي لا تتكاثر المكالمات الفائتة في ذلك السجل الذي لا يملّ من تراكم الاتصالات الباردة. ألا يكفي ما أعانيه من برد في هذا الشتاء السافل حتى أصاب بالساديّة رغمًا عنّي؟ لا يبدو أن في الأمر التباسًا بسيطًا، بل لعله أكبر من كل شيء بيني وبينها حتى تلك اللحظة الحرجة.

 

اقرأ/ي أيضًا:

الحدأة طائر شرير

فيلم The Green Mile: مداواة الشر بالشر