الريال اليمني.. وفرة نقدية بلا تداول وأزمة ثقة بالنظام المصرفي
3 فبراير 2026
تصاعدت مؤخرًا شكاوى المواطنين من شح السيولة بالريال اليمني في العاصمة المؤقتة عدن وعدد من المحافظات الخاضعة لنفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا، بالتزامن مع صرف رواتب التشكيلات العسكرية والأمنية بالريال السعودي.
هذه الأزمة فتحت باب التساؤلات حول طبيعتها، وما إذا كانت حالة ظرفية مرتبطة بصرف الرواتب بعملة أجنبية، أم مؤشراً على خلل أعمق في دورة النقد المحلي.
سعر صرف مستقر نسبيًا
بالرغم من تصاعد شكاوى المواطنين والتجار من شح السيولة، إلا أنها لا تعكس اضطرابات في سوق الصرف حتى الآن، حيث يبلغ سعر صرف الدولار الواحد في عدن نحو 1615 ريالًا للشراء و1623 ريالًا للبيع، والريال السعودي عند 425 ريالًا للشراء و425.5 ريالًا للبيع، وهي أسعار مستقرة منذ منتصف العام الماضي. ويؤكد اقتصاديون أن هذا التباين بين استقرار سعر الصرف وشح النقد المتداول يبرهن أن الأزمة ليست أزمة عملة بقدر ما هي أزمة سيولة وتداول وثقة.
سيولة خارج القطاع المصرفي
في هذا السياق، يرى الخبير المالي والمصرفي رشيد الآنسي أن ما يجري لا يمكن اعتباره أزمة سيولة فعلية، ويشير في حديثه لموقع "الترا صوت" إلى أن حجم العرض النقدي من الريال اليمني كبير وقد يصل إلى نحو 4 تريليونات ريال، إلا أن المشكلة تكمن في وجود نحو 75% من هذه السيولة خارج القطاع المصرفي، مقابل 25% فقط داخله، ما يقوض قدرة البنك المركزي والقطاع المصرفي على إدارة الدورة النقدية والتأثير فيها.
ويؤكد الآنسي أن معالجة هذا الخلل تتطلب تعزيز الشمول المالي، وإدخال جزء أكبر من السيولة إلى النظام المصرفي لاستعادة فاعلية السياسة النقدية.
يرى مراقبون أن تعطل التداول النقدي في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الدفع النقدي يهدد بصورة مباشرة الأمن الغذائي، خاصة مع قدوم شهر رمضان
زيادة المعروض من الريال السعودي
يوضح الخبير المالي والمصرفي أن صرف رواتب القوات العسكرية والأمنية بالريال السعودي أدى إلى زيادة المعروض من العملات الأجنبية في السوق، وهو ما ولّد ضغطًا إضافيًا من خلال محاولات استبدال الريال السعودي بالريال اليمني. ويشدد الآنسي على أن ذلك لا يعني وجود نقص في السيولة، بل فائضًا كبيرًا موجودًا لدى المواطنين وفي السوق، سواء داخل البنوك أو خارجها.
اضطرابات مع قدوم شهر رمضان
تأتي هذه التطورات قبيل حلول شهر رمضان، الذي يشهد عادة ارتفاعًا في الطلب على السلع الأساسية وزيادة في حركة الشراء، خاصة للسلع الموسمية التي لا تحضر الموائد اليمنية إلا في شهر الصوم، الأمر الذي يضاعف الضغوط على السوق والمواطنين وسط محدودية النقد المتداول، وتعقيد تنفيذ المعاملات المالية اليومية لاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على التعامل النقدي المباشر بنسبة 90%، وفقًا لمراقبين.
في السياق ذاته، يشكو محمد أمين – بائع في محل مواد غذائية بالجملة في مدينة تعز – من ضعف عملية البيع والشراء في موسم يُعرف بزيادة الطلب على سلع يتطلبها شهر رمضان، ويقول لموقع "الترا صوت" إن هناك ضعفًا في القدرة الشرائية للمواطنين نتيجة الأوضاع المتردية وغياب فرص العمل وتأخر صرف الرواتب، ومن لديهم دخل لا يقدرون على سحب أموالهم من البنوك نتيجة شح السيولة بالريال اليمني.
ويرى مراقبون أن تعطل التداول النقدي في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الدفع النقدي يهدد بصورة مباشرة الأمن الغذائي، خاصة مع قدوم شهر رمضان، حيث تجد كثير من الأسر التي تمتلك دخلاً من حوالات المغتربين أو مدخرات في البنوك عاجزة عن الاستفادة من أموالها في شراء فعلي، الأمر الذي يقودها إلى تقليص الاستهلاك والاستغناء عن أصناف من الغذاء أو حتى تأجيل تلبية احتياجات ضرورية.
انعكاسات إنسانية واجتماعية
تمتد تأثيرات أزمة شح السيولة بالنقد المحلي إلى مستويات إنسانية واجتماعية غير مباشرة، ويقول خبراء ماليون إن شح النقد المتداول ينعكس مباشرة على قدرة الأسر على إدارة تفاصيل حياتها اليومية، كشراء الغذاء ودفع الإيجارات وتوفير الاحتياجات الصحية والتعليمية، الأمر الذي يزيد من أعباء الحياة القاسية، ويضاعف الضغوط النفسية، ويعمّق الشعور بعدم الأمان المعيشي في بلد يشهد حربًا منذ أكثر من 11 عامًا.
وفي السياق ذاته، يرى باحثون في الشأن الإنساني أن شح السيولة يُوصف بأنه شكل من أشكال العنف الاقتصادي غير المرئي، إذ يفرض قيودًا قاسية على خيارات الأفراد والمجتمع، ويحد من قدراتهم على العيش الكريم، ويدفع الأسر إلى تبني سياسات تكيّف مكلفة، كالاستدانة أو بيع الأصول والمدخرات أو البحث عن المساعدات.
دور سلبي للبنوك وشركات الصرافة
وفيما يتعلق بإحجام التجار عن التعامل بالريال اليمني في هذه المرحلة الحساسة، يُرجع الخبير المالي والمصرفي رشيد الآنسي ذلك إلى عاملين رئيسيين؛ يتمثل الأول في قيام التجار بتجميع العملة المحلية في أرصدتهم أو الاحتفاظ بها لاستبدالها بالعملة الأجنبية لغرض الاستيراد، فيما يرتبط العامل الثاني بتوقعات لدى التجار والبنوك بحدوث تحسن في سعر الصرف، ما يدفعهم إلى تأجيل الاستبدال على أمل تحقيق هوامش ربح أعلى.
ويوجه الآنسي انتقادًا للبنوك وشركات الصرافة، إذ يرى أن تفاعلها مع الأزمة كان سلبيًا بعد إحجامها عن ضخ السيولة أو شراء العملات الأجنبية من المواطنين بسبب انخفاض هامش الربح، وانتظارها – حسب قوله – أي تحريك محتمل في سعر الصرف لتحقيق أرباح أعلى، رغم امتلاكها كميات كبيرة من الريال اليمني، مؤكدًا أن البنك المركزي في عدن لا ينوي حتى اللحظة إجراء أي تعديل في سعر الصرف خلال الفترة المقبلة.
أسباب رئيسية لأزمة السيولة
في ظل هذه الأزمة، يحدد الخبير المالي والمصرفي رشيد الآنسي أسبابًا رئيسية، حيث يقول لموقع "الترا صوت" إن من أبرزها ضعف السياسة النقدية للبنك المركزي اليمني، الذي لم يتمكن من ضبط هذه السياسة لأسباب عدة، في مقدمتها الانقسام النقدي القائم بين مناطق سيطرة الحوثيين ومناطق نفوذ الحكومة المعترف بها دوليًا، إضافة إلى غياب سياسة نقدية واضحة للحكومة اليمنية، وعدم انتظام السياسة المالية، ما انعكس سلبًا على أداء السياسة النقدية.
ويوضح الآنسي أن البنك المركزي في عدن لا يتحكم بالسيولة الموجودة في السوق بشكل فعّال، باستثناء التحسن النسبي الذي حدث مؤخرًا عقب تشكيل لجنة تنظيم الواردات التي مكّنته جزئيًا من ضبط بعض أدوات السياسة النقدية، مبينًا أن شح السيولة المتداولة بالريال اليمني لا يعني غياب السيولة فعلياً، بل هو أحد نتائج ضعف السياسة النقدية، حيث تُظهر أرصدة البنوك وخزائن الصرافين وجود فائض كبير من العملة المحلية.
وينتقد الآنسي سياسة البنك المركزي في عدن، ويصفها بأنها تفتقر إلى أدوات نقدية فعالة لسحب السيولة من السوق، مشيرًا إلى أن البنك لم يُصدر حتى الآن أذونًا أو سندات خزانة تساعده على امتصاص السيولة، ما يدل على وجود ضعف كبير في السياسة النقدية الحالية.
حرب تعطيل التطبيقات المصرفية
سبقت هذه الأزمة عملية وقف التطبيقات المصرفية والتحويلات الإلكترونية التي يعتمد عليها التجار في معاملاتهم اليومية، وهو ما دفع كثيرًا من المودعين إلى اتخاذ قرارات سحب جماعي للأموال من البنوك خوفًا من فقدان القدرة على الوصول إلى السيولة.
وجاءت عملية وقف التطبيقات كجزء من الحرب الاقتصادية التي تمارسها جماعة الحوثي ضد الحكومة اليمنية الشرعية، وفقًا لمراقبين، الذين يشيرون إلى أن الإجراءات التي اتخذها الحوثيون بحق التطبيقات البنكية لم تكن تقنية فقط، بل حققت أهدافاً واضحة تمثلت في ضرب الثقة بالبنوك التي نقلت مراكزها الرئيسية من صنعاء إلى عدن، حيث تسببت عملية إيقاف التطبيقات البنكية في إرباك القطاع المصرفي، وقادت إلى إفشال أي جهود حكومية لتفعيل الدورة المالية وتعافي الاقتصاد.
يطالب الخبراء بإعادة الثقة بالبنوك باعتبارها العمود الفقري لأي تعافٍ اقتصادي، وتجنيبها التجاذبات السياسية، إلى جانب تنظيم عمل شركات الصرافة وفرض رقابة صارمة عليها وربطها بالبنك المركزي في عدن
معالجات عاجلة
يرى خبراء اقتصاديون أن معالجة أزمة السيولة الراهنة تتطلب إجراءات عاجلة تتمثل في زيادة ضخ السيولة النقدية في السوق، ليس عبر طباعة جديدة للعملة، وإنما من خلال إعادة تدوير السيولة المحتجزة لدى البنوك وشركات الصرافة والتجار، بما يضمن تحريك الدورة النقدية دون التسبب بموجات تضخمية جديدة، إلى جانب توريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، خاصة أن 75% من إيرادات الدولة خارج سيطرة البنك المركزي في عدن، وفق تصريحات صحافية لمحافظه أحمد غالب المعبقي.
ويطالب الخبراء بإعادة الثقة بالبنوك باعتبارها العمود الفقري لأي تعافٍ اقتصادي، وتجنيبها التجاذبات السياسية، إلى جانب تنظيم عمل شركات الصرافة وفرض رقابة صارمة عليها وربطها بالبنك المركزي في عدن، خاصة بعد أن تحولت هذه الشركات خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب رئيسي في السوق النقدية، وإيقاف ممارستها لأعمال البنوك، إلى جانب تطبيق عمليات الدفع الإلكتروني لتخفيف الضغط على النقد الورقي، وتفعيل الرقابة المالية والنقدية على حركة النقد، بحيث لا تقتصر على مراقبة سعر الصرف، بل تمتد إلى تتبع مسارات السيولة ومنع احتجازها أو توظيفها خارج القنوات الرسمية.
اقتصاد هش وصراع سياسي محتدم
أزمة السيولة هي واحدة من الأزمات التي خلّفها غياب الدولة بمختلف مؤسساتها، إذ تشير المؤشرات إلى أن البنك المركزي اليمني في عدن يتعامل مع الأزمة أكثر مما يديرها، في ظل واقع اقتصادي هش وصراع سياسي يستخدم الاقتصاد وأدواته كوسيلة ضغط غير مباشرة، فيما يبقى المواطن رهينة واقع بلد يُصنَّف ضمن أخطر عشر بؤر للجوع في العالم، بحسب تقرير منظمة "العمل ضد الجوع".