الرواية الثانية لما قبل النزول

الرواية الثانية لما قبل النزول

آنوك دامجيان/أرمينيا

 كان البدء وكانوا ثلاثة.

هي، لم تتجاوز العشرين منذ الأزل احتفظت بشبابها باغتسالها اليومي في ذلك النهر المعطر. نهر تفوح منه رائحة المسك والعنبر. كانت تنزع عنها ثوبها الشفاف وتعلقه في غصن إحدى الكروم الذي تمتدُ أغصانه نحو النهر ثم تتجه نحو الماء بخطوات تتناثر منها فتنة الأُنوثةِ فينسدل شعر أسود يغطي كامل ظهرها تاركًا المساحة لبروز مؤخرة ممتلئة بعض الشيء. لم يكن جسمها نحيلًا بل ممتلئًا بضًا يزيده إغراءً وجمالًا.

أما هو فكان متوسط الطول، جسمه متناسق لا يغطيه شيء إلا ورقة توت. كانت عيناه سوداوان وشعره أملس وطويل عندما يبتسم تظهر له غمازتان جميلتان تزينان خديه. كثيرًا ما كان يراقبها وهي تخرج من النهر فينهاها عن فعل ذلك في وضح النهار قائلا "النورانيون لا يُخفون عنه شيئًا سيرونك ويخبرونه وسيغضب منك". 

أما الثالث فهو شيخ يصعب تحديد عمره حتى لو أمعنتَ النظر في ملامح وجهه المستدير، له لحية بيضاء, حاجبان وشعر كساهما الشيب، ابتسامته تشكل خطًا دقيقًا على شفتيه، وهو يراقبهما يتجادلان من بعيد. كان يرتدي ثوبًا ناصع البياض لا يسمع له نأمةُ عندما يمشي، وكأن قدميه لا  تلامسان الأرض. لا يستغني أبدًا عن وشاحه الأحمر الذي يزين كتفيه، هكذا يمكن التفرقة بين كلا الصنفين النورانيون والناريون.

كثيرًا ما كانت تجلس بجانب الشيخ ذي الوشاح الأحمر، كان حكاء ماهرًا. حدثها مرة عن أرض بعيدة لا تشبه المكان الذي يعيشون فيه. أرض فيها جبال وسهول وأودية ماؤها رقراق يميل إلى الزرقة أحيانًا، والغريب أن أشجارها لا تشبه شجرة مُستقرهم. كانا يجلسان دومًا تحت الشجرة المقدسة، شجرة جذعها وأغصانها صفراء من ذهب وثمرتها حمراء كالمرجان. كانت ثمارها محرمة على سكان هذا المكان، النورانيون والناريون لا يأكلون فهم لا يحسون الجوع والشبع، أما  بقية الكائنات فلا تملك حتى حق لمسها.

كان يخبرها انه عندما نزل إلى تلك الأرض أحس بأشياء لم يعرفها من قبل، حتى أنه أسر لها مرة انه أحس بالجوع الشديد هناك فقطف ثمرة حمراء جميلة وقضم منها مرتين، كان طعمها لذيذ لدرجة لا تصدق، طبعًا لم يسلم من عقاب صاحب الملك وكانت محاكمته من أعظم ما شهده الناريون والنورانيون وبقية الخلق. دامت المحاكمة ما يناهز الدهر.

كان الحكم حاسمًا لا مجال لتراجع فيه وهكذا حرم الشيخ الأبيض من النزول مرة أخرى إلى الأرض السفلى إلى يوم أن ينفخ صاحب البوق في ذلك القرن الكبير الذي يصدر صوتًا مرعبًا ساعتها يمكنه العودة هناك مرة أخرى.
كانت الدهشة تملؤها كلما حدثها ذو الوشاح الأحمر عن الأرض السفلى، لم تكترث للعقاب الذي ستناله لو خالفت الأوامر. 

ظلت كل يوم تدور حول الشجرة المقدسة متأملة ثمارها متخيلة مذاقها راغبة في لمسها وقطفها غير أن الرجل صاحب ورقة التوت ينهاها كل مرة خوفًا من العاقبة.

يومها قررت المجازفة، لن يردعها أحد حتى رجلها المحتشم بورقة التوت. بعد أن وصلا ذروة النشوة في جماع محموم تحت تلك الشجرة المقدسة رفعت رأسها ومدت يدها عاليًا واقتطفت ثمرة ثم قضمتها. رفرف الوشاح الأحمر عاليًا  ثم حط على كتفيها.

على عكس محاكمة الشيخ ذي الوشاح الأحمر لم تدم محاكمتها سوى لحظات بعدها نزلت هي ورجلها، بما يكره هو الفضول، وتوق بذرتها للجديد.

 

اقرأ/ي أيضًا: 

في جرأة النهوض

احتراق الملاك الطائر